تركيا أمام فرصة تاريخية

68
فوزة اليوسف –
فرصة اللقاء الذي تمَّ بين القائد عبد الله أوجلان ومحاميه؛ بعد سنوات العزلة الثمانية في جزيرة إيمرالي التركية يمكن أن تكون منعطفاً في تاريخ تركيا، فالوثيقة الممهورة من قبل القائد أوجلان ورفاقه المعتقلين في جزيرة إيمرالي والتي قُرأت على الملأ يمكن أن تكون فرصة جديدة للحوار والخوض في مفاوضات السلام ودعوة جديدة للحل السياسي.
في الحقيقة، دولة الاحتلال التركية منذ عام ١٩٩٣ وحتى عام ٢٠١٣ لم تُبدِ موقفا جدياً ومسؤولاً من عمليات وقف إطلاق النار المتكررة ومن جانبٍ واحد، والرغبة في المفاوضات من قبل القائد أوجلان الذي كان جريئاً وواضحاً في مواقفه وفي طروحاته. حرب الاستنزاف التي مارستها الدولة التركية ضد الشعب الكردي خلال الأربعين السنة الأخيرة كان لها تداعيات خطيرة على الشعب التركي والدولة التركية أيضاً، لأن القضية الكردية أصبحت كوثاق يكبّل الدولة التركية بحيث يمنعها من التحرك بحرية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وفي بقية المجالات الأخرى. وحتى تنال من حزب العمال الكردستاني كانت مستعدة دوماً لتقديم تنازلات كبيرة ما كانت لتقبلها أي دولة في العالم، وكنتيجة حتمية لتلك السياسة الفاشلة فقدت قوتها السياسية و تأثيرها الإقليمي وخلقت الكثير من الأزمات مع الخارج، لأن أفقها الاستراتيجي تمحور حول كيفية منع الكرد من تحقيق أي تقدم في مجال نيل حقوقهم المشروعة كشعب وكقضية، لذا فالدولة التركية تحولت من صفر مشاكل مع دول الجوار وحتى دول العالم، إلى ألف مشكلة ومشكلة مع المحيط والخارج أيضاً، ونجد سياساتها تجاه سوريا و إيران والعراق هي من تؤكد هذه الحقيقة.
لم تعد تركيا الدولة المرشحة للعب الدور القيادي في المنطقة بسبب ما ارتكبته من أخطاء استراتيجية فادحة خلال السنين الماضية، سواء على صعيد السياسة الداخلية بحيث لم تتمكن من حل القضية الكردية وحتى الكثير من المشاكل الداخلية الأخرى، واختارت طريق الحرب وقضت على كل مقومات الديمقراطية والحريات في تركيا، والاتفاق الفاشي بين العدالة و التنمية والحزب الحركة القومية، كان أول إسفينٍ في نعش سعي العدالة والتنمية للفوز في الانتخابات، وجميعنا لاحظنا كيف كانت النتائج بعد ذلك الاتفاق، وأيضاً اعتمادها على القوى السلفية والراديكالية والرجعية لتحقيق أهدافها، ودعمها لتلك القوى المتشددة في ضرب أمن واستقرار دول الجوار ما أدى إلى دمار كبير فيها. وكان الاقتصاد التركي أيضاً ضحيةً لتلك السياسات الفاشلة، والاقتصاد التركي اليوم في وضع لا يحسد عليه، اذ إن الليرة التركية في أسوء حالاتها بعد أن بدأت تتدهور أمام الدولار بشكل مضطرد، وأصبحت البيئة الاقتصادية التركية بيئة طاردة للاستثمار. تركيا اليوم أمام منحدر سياسي واقتصادي كبير، فإما أن تختار التغيير وتعود الى ما قبل العام 2013 وتنهض وتتجنب السقوط في الهاوية، أو أن تستمر في سياساتها التقليدية والمعادية للآخرين لتنتظر أياماً قادمة عصيبة، مع كل ما يعني ذلك من تداعيات ليس فقط على الحكومة الحالية أنما سيستمر لسنين طويلة قد تمتد على مدار هذا القرن.
تبين من خلال الانتخابات الأخيرة بأن مفتاح النجاح السياسي والنجاحات الأخرى هو بيدِ الكرد، لأنهم يشكلون نقطة التوازن وموقفهم أياً كان يمكن أن يقلب الموازيين رأساً على عقب، وهذا ما تم إغفاله من قبل الكثير من الحكومات التركية السابقة وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في الوقت الراهن. والأتراك يعتقدون في كل مرة بأنهم سيقضون على الآمال والتطلعات الكردية في نيل الحرية والديمقراطية عن طريق القمع والسجن والحرب والإنكار، لكن الحقيقة تخذلهم كل مرة. والشعب الكردي لا يمكن أن يعيش بهوية الآخرين، لذلك فأنه قرر أن يعيش بهويته التي تخصه كشعب متجذر في تاريخ المنطقة، ولو وضعت نصف الشعب الكردي في السجن فالنصف الآخر يمكن أن يُخسرك العملية الانتخابية، وهذا ما تم بالفعل في الانتخابات البلدية الأخيرة. لذلك سيكون من العقلانية ألا يكون إرسال المحامين تكتيك انتخابي رخيص سيدفع ثمنه حزب العدالة والتنمية ذاته، ونتمنى ألا يكون لعبة استخباراتية جديدة كما يحدث في الكثير من المرات، لأن ثمنها سيكون باهظاً هذه المرة، فإذا كانت تركية راغبة في تحقيق انطلاقة حقيقية نحو الاستقرار والأمان والسلام، عليها أن تستفيد من دروس التاريخ، كما عليها أن تعلم بأن مفتاح ذلك هو الحل الديمقراطي، وعنوانه هو الإرادة السياسية الموجودة في جزيرة إيمرالي.                                                                                         خبر 24