أحلام مستغانمي… شمس العالم العربي

65
إعداد/ هايستان أحمد –

في عائلة عُرِفت بوطنيتها وإخلاصها لأرضها وشعبها وثقافتها العالية، ولِدت أحلام مستغانمي في تونس في 13 نيسان 1953، وهي ابنة الناشط السياسي العسكري محمد الشريف الذي أُرسل إلى المنفى خلال حرب التحرير الجزائرية الاستقلال بسبب مشاركته في المظاهرات، انتقلت عائلتها إلى الجزائر، حيث كان والدها، صاحب ثقافة رفيعة يشغل مناصب عليا في الحكومة الجزائرية الأولى، وهو من أطلق حملة محو الأمية في جميع أنحاء الدولة وأشرف على توزيع الأراضي الزراعية للمواطنين الأشد فقراً، وفي السبعينات أثناء أحداث الانقلاب على بومدين، في أعقاب محاولة اغتيال والدها الذي كان مستهدفاً أيضاً وأثناء تواجده في المشفى، حملت أحلام الابنة الكبرى مسؤولية الأسرة وعملت كمقدمة برنامج، في سن السابعة عشر، وحققت شهرة في الجزائر من خلال تقديم برنامجها اليومي ذو الطابع الشعري (همسات) على أثير الإذاعة الوطنية، وفي عام 1973 نشر لها كتابها الأول (على مرفأ الأيام) لتصبح أول كاتبة ينشر لها شعر باللغة العربية في الجزائر مما وضعها على طرق شائكة، وأعقب ذلك نشر كتابها (الكتابة في لحظة عري) في عام 1976.
 أحلام النور الذي يُضيء الجزائر في الظلام الكثيف
بتشجيع والدها لها خاضت أحلام نضالها في اللغة العربية من أجل التحرر من اللغة الفرنسية، في مرحلة إعادة بناء هوية اللغة العربية، والتعافي من الماضي الاستعماري ولم يكن المجتمع مستعداً لرؤية فتاة تعبّر عن نفسها بحرية حول مواضيع مثل الحب وحقوق المرأة، خصوصاً لرؤيته فتاة تطوع اللغة العربية للتعبير عن نفسها ومجتمعها، ومن هنا بدأت أحلام معركتها ضد التمييز على أساس الجنس، على الرغم من أن النساء قد حاربت جنباً إلى جنب مع الرجال أثناء الثورة، في فترة ما بعد الحرب انحدر دورهن بشكل عام إلى أدوار تقليدية، حُرمن من حرية للتعبير عن أنفسهن والتطلع إلى النجاح وإثبات الذات، حصلت أحلام مستغانمي على شهادة في الأدب، لكن مجلس إدارة الجامعة رفض التحاقها بدراسة الماجستير، تحت ذريعة أن حرية التعبير قد يكون له أثر سلبي على الطلاب، كما تم طردها من اتحاد الكتاب الجزائريين لعدم المطابقة للخط السياسي وقتها.
 مواصلة مسيرتها في درب إبراز اللغة العربية
قابلت أحلام جورج الراسي في الجزائر, وهو صحفي لبناني ومؤرخ له معرفة عميقة بالشأن الجزائري حيث كان يعد أطروحة حول “التعريب والصراعات الثقافية في الجزائر بعد الاستقلال”، تزوجا عام 1976 في باريس واستقرا هناك من ثم تابعت أحلام دراستها الجامعية في جامعة السوربون عام 1982، حصلت على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، كانت الدكتوراه تحت إشراف “جاك بيرك” المستشرق البارز، وكان موضوع أطروحة دراستها يدور حول سوء الفهم والشعور بالضيق بين الجنسين في المجتمع الجزائري، خلال خمسة عشر عاماً قضتها في باريس، ساهمت أحلام بالكتابة في مجلات مختلفة، فكتبت خلال أربع سنوات روايتها الأولى, وبررت أحلام الانتقال من الشعر إلى النثر بقولها: “عندما نفقد الحب، نكتب قصيدة، عندما نفقد وطن، نكتب رواية”، وبمجرد أن استقرت أحلام في لبنان عام 1993 قدمت روايتها “ذاكرة الجسد” لدار للنشر حيث تحمس الناشر للرواية ووصفها بالقنبلة التي ستُحدِث ثورة في عالم الكتابة وسيكون لها نجاحاً باهراً في جميع أنحاء العالم العربي، وتدور أحداث الرواية حول قصة حب بين رسام وابنة قائد سابق بالجيش تقابلا في باريس، الرواية تثير قضية خيبة الأمل من جيل ما بعد الحرب، والذي يعكس خيبة أمل جيل كامل من العرب، علق نزار قباني، الشاعر العربي المعاصر الكبير على الرواية أن تلك القصة أصابته بالدوار وودَّ أن تحمل توقيعه من كثرة إعجابه  بأسلوبها، وقال مصطفى العقاد أن أحد أحلامه هو تحويل تلك الرواية إلى فيلم، كما قال الرئيس بن بيلا من منفاه: «أحلام هي الشمس الجزائرية التي تنير العالم العربي».
 نجاح باهر وتألق متميز
واصلت أحلام نجاحها الأدبي وفي عام 1998، حصلت على جائزة نجيب محفوظ الأدبية عن “ذاكرة الجسد”، تأسست هذه الجائزة من قبل الجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي ترجمت الرواية باللغة الإنجليزية ونشرتها عام 2000، واستمر نجاحها لأكثر من 35 عاماً من النجاح والتألق، أثرت مساهمات أحلام في الساحة الأدبية العربية بما يميز أعمالها من أسلوب وجداني وشعري. وعلاوة على ذلك، قادت الكثير من المعارك ضد الفساد والظلم والأنظمة الشمولية والأصولية والنظرة المتدنية للمرأة من خلال كتاباتها، كما تم تداول كتاباتها على نطاق واسع من قبل الجمهور العربي ففي الأول كانون الثاني عام 2016، تابع الكاتبة أكثر من تسعة ملايين من القرّاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
اعتمدت روايات أحلام مستغانمي في المناهج في عدة جامعات ومدارس في جميع أنحاء العالم، كما أجريت عشرات الرسائل الجامعية والأبحاث عن أعمالها، وقد استخدمت وزارة التربية الفرنسية أجزاء من ذاكرة الجسد للاختبارات البكالوريا الفرنسية، وقد ترجمت أعمالها إلى عدة لغات أجنبية من قبل دور النشر المرموقة، بما في ذلك كتب الجيب الفرنسية والإنجليزية. كما حاضرت كأستاذ زائر في العديد من الجامعات في مختلف أنحاء العالم، وتم اختيارها من قبل مجلة “فوربس” عام 2006 كأفضل كاتبة عربية والأكثر نجاحاً، لتكون واحدة من العشر نساء الأكثر تأثيراً في العالم العربي والمرأة الرائدة في الأدب، وتكون فنانة اليونسكو من أجل السلام وحاملة رسالة المنظمة من أجل السلام لمدة عامين، باعتبارها إحدى الكاتبات العربيات الأكثر تأثيراً، ومؤلفاتها من بين الأعمال الأكثر رواجاً في العالم.