الأسلمة بداية انحِراف الثورة

127
رياض درار –

عمل بعض الإسلاميين على الاستثمار في الثورة السورية التي لم يكونوا طرفاً في انطلاقتها. وبحكم خبرتهم وتجاربهم وارتباطات بعضهم بقوى مؤثرة وقادرة؛ عملوا على الاستفادة من الحدث الطاغي لبناء سلطتهم واستيعاب من سواهم في مدار الأحداث وسياقاتها، مستفيدين من افتقاد المندفعين ومتصدري المشهد الثوري للتنظيم، وتصدر البعض من أجل انتفاع مادي أو شراهة للحكم والسلطة، ومعتمدين على روابط قامت في محطات المراجعة الفكرية والتواصل المشترك لمواجهة التغيرات المتوقعة من موت الرئيس حافظ الأسد، وحسابات العودة إلى نشاط سياسي بدأ مع لجان إحياء المجتمع المدني التي لم تستطع الاستمرار رغم قِصر مدتها وطموحها البعيد لإحياء السياسة، فانقسمت بين آباء مؤسسين، وفريق المتابعة؛ الذي سار باندفاع أكبر دون حسابات الرهبة. أذكر منهم حازم نهار وفايز سارة وعلي العبد الله وسمير نشار وسميرة خليل ورياض درار ومشعل تمو وآخرون. وأذكر أن أول لقاء ضم قيادة المتابعة في مكتب سمير نشار بحلب، صدر بيان يطالب الدولة بإلغاء المادة “49”.  وبسببه؛ أصدر الآباء المؤسسون بيان براءة من فريق المتابعة، خوفاً من نتائج هذا التبني، لموقف يشير إلى ضرورة الانفتاح على القوى السياسية بما فيها الإخوان المسلمين، هذا الموقف الذي تلاه بعد فترة قراءة بيان الإخوان المسلمين من قبل علي العبد الله في منتدى الأتاسي، وبسببه اعتقل العبد الله بداية شهر أيار 2005م ومن ثم السعي لضم الشيخ معشوق الخزنوي الذي أظهر مواقف تنويرية في العمل السياسي والذي اغتالته اليد الآثمة بعد أيام من اتفاق لجان المجتمع المدني معه، واعتقل كاتب هذه السطور لتعبيره عن حجم الخسارة، وأسفه لفقدان شيخ جليل متنور، ولنعية الشيخ معشوق في خيمة العزاء، وحكم كاتب هذه السطور خمس سنوات لكلمة في عزاء.
إذا كان للتجمعات المدنية الدور الأبرز في السعي لمشاركة الإسلاميين التنويريين في الحياة السياسية ولم تخشَ سلطة الدولة، وهي تطالب بعودة المهجرين، وفتح الباب للنشاط السياسي لهم، ومشاركة الإسلاميين. لكن؛ الأحداث أثبتت أن من تمرس على الكذب والانتهاز والتلاعب والابتزاز واقتناص الفرص وركوب الموجات للوصول إلى السيطرة، لم يغير من أهدافه، بل غير المسار والمنهج! فقد اختاروا أشكالاً للتنظيم على شاكلتهم، برروها أنها حلول اضطرارية ومبادرات عاجلة تهدف إلى استيعاب الجمهور المندفع، والذي كان إسلامياً في معظمه. لذلك؛ ربطوها بشعارات إسلامية، ومن ثم قيدوها بأسماء تاريخية من وجه واحد. وبعد التسلح توجهوا إلى غايات طائفية، واعتمدوا مرجعية الهيئات الشرعية. وهكذا أصبحت كتائب الجيش الحرّ أو المجالس المحليّة  هي العنوان الأبرز لمؤسّسات أرادوا منها أن تكون تحت سيطرتهم. تبيّن بعدها أنّهم يعتمدون منهجاً ذرائعيّاً، يغطون من ورائه مشروع أسلمة المجتمع، وتثبيت ذلك من خلال المؤسّسات التي عملوا على بنائها في المناطق المحرّرة. ولم يختلف في هذا المنهج إسلاميّون قدّموا أنفسهم على أنّهم معتدلون، فقد شجعوا الهيئات الشرعيّة؛ كونها تركّز السلطة الفعليّة في «القائمين على الدين». وروجوا لمرجعية المجلس الإسلامي الأعلى كهيئة شرعية عامة. وهو مجلس تعرّض لمسائل تدل على تخلف المنهج، وتقليدية الفتوى، فكرس التقسيم الاجتماعي وهدد البنى المدنية التي دعت إليها الثورة، وميّز بين الأديان، وفضل المنتمين لدين الإسلام على غيرهم، وأعاد الفقهيات السالفة من جزية وغنيمة وسبي وتكفير المخالف. ورغم تعنيفه للنصرة وداعش لم يرَ أنها تمارس ما يخالف الإسلام ولا ما يستوجب الإخراج من الملة.
لقد تحرك الإسلاميون لفرض رؤاهم اعتماداً على طغيان النظام الذي كرّس مظلومية جديدة لفئة من المجتمع السني خاصة، واعتمدوا على غياب القوى التنويرية والعلمانية، فكثير من هؤلاء تبعوا أهواءهم، وسايروا على حساب أهدافهم وتطلعاتهم، مثلهم مثل من احتاج إلى الدعم المالي لتوفير بعض مقومات الحياة، بعد أن تكرس المال السياسي بيد الإسلاميين. وهكذا بدأت المسارات تنحرف وظهر من العلمانيين التاريخيين من يزور الحقائق حفاظاً على المكاسب والمناصب. وكان انحراف كبير أدى إلى سقوط لا يغتفر. ولكن؛ ما زالت ذاكرة سمكية تتحكم وتسمح بعودة الآثمين ونسيان الآثم الأول “كل ثورة تسمح للإسلاميين بركوب موجتها سوف تخسر ذاتها وتخسر الطريق”.