الجنسوية الاجتماعية منبع أزمة الشرق الأوسط

56
أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية –

تعد منطقة الشرق الأوسط الجغرافية الأكثر وضوحاً لانفجار أزمة النظام الإمبريالي، وهي مركز البحث عن سبل التغيير الجذري أيضاً؛ بسبب التأثيرات المتبقية من الثقافة النيوليتية، نجد بأنها صاحبة قوة عظيمة تمكّنها من تجاوز أزمة النظام الإمبريالي. وبميزتها التاريخية – التي لا يولونها الاهتمام وأي اعتبار – نجدها منطقة العالم الوحيدة التي لم تُفتَح من قبل الرأسمالية الإمبريالية، وهذه الخصوصية تميزها عن باقي المناطق الأخرى. بالتالي نلاحظ بأن كافة السياسات التي طورتها الإمبريالية خلال القرنين المنصرمين بهدف فتح واستعمار هذه المنطقة، قد تحولت إلى عوامل ومؤثرات أساسية لتعميق أزمة العصر. ويوماً بعد آخر؛ نجد بأن سياسات الرأسمالية الإمبريالية، والدول القومية الموجودة في المنطقة تتسبب في تجذر هذه المشاكل، حيث أن التدخل الأخير في المنطقة فتح السبيل لتكثيف وإثارة التناقضات الموجودة فيها. الحقيقة المعاشة في هذه المرحلة هي السعي لوضع أهداف جديدة تعمل على تفاقم الأزمة التي حلت بالإنسانية والتي تجاوزت حدة الحروب العالمية. وكل هذا يبين لنا مدى وضوح التناقض الموجود بين الشعوب والقوى الدولية الموجودة في المنطقة وقاعدة الأمم والدول الخارجية. فنجد بأن حقيقة الشعوب والتي هي أصل ديناميكية التغيير تعيش حالة صعبة لا تستطيع فيها التنفس والتحرك بسهولة، والسبب هو تأثيرات النظام الأبوي الذي يمتد حكمه إلى خمسة آلاف سنة. العلاقة الموجودة بين المجتمع والدولة تقاوم التغيير بسبب تأثيرات الثقافة البطريركية والتي لم تتجاوز ظواهر السلطة والحرب مطلقاً.
جميع هذه الظواهر تساهم في تعميق مشاكل المرأة في منطقة الشرق الأوسط، وتفاقم المشاكل الإثنية والمذهبية والقومية ترافقاً مع التدخل الفظ للرأسمالية الإمبريالية. جميع هذه العوامل تأسر المرأة وتقيدها ضمن حدود الأزمة. أي أن كافة المشاكل في المنطقة تنعكس على علاقة المرأة والرجل عموماً.
حيث أن كل عائلة تحتضن مشاكل تكافئ مقدار مشاكل دولة بأكملها، بسبب الفوضى والإضرابات الحاصلة، فالشرخ والهوة الموجودة بين الجنسين تعادل حجم الهوة الموجودة بين الدولة والمجتمع، وتتسبب بالدرجة نفسها بمؤثرات قوية لتعمق الأزمة التي بتنا داخلها. فالمجتمع بكافة خصائصه يُعدُّ مجتمعاً رجولياً بالمطلق. الفروقات واللا مساواة الجنسية تنتشر في كل نسمة من نسمات الحياة، حيث يقحمون المرأة في مركز المشاكل العالقة ويتركونها دون حل. فالمرأة المقموعة في المجتمع الأبوي، تُعتبر من أحط المخلوقات وكهدف لهجوم الرجل وعنفه بشكل مشروع؛ لأنها حسب رؤيتهم، هي السبب الأساسي للانحطاط والضعف والغبن الموجود. وكنتيجة لتوصيفنا لحالة المرأة وتعرضها لشتى أنواع التهميش والإنكار، فقد تَرَدَى مستوى حياتها الاجتماعية وهوت لدرجة الصفر. وإذا ألقينا نظرة خاطفة على الميادين السياسية والمجتمعية والاقتصادية، سنجد انعداماً كلياً لاسم المرأة، لنستنتج بأن وجود المرأة لا يتجاوز حدود العائلة.
بدلاً من خلق الوحدة بين قاعدة المجتمع الأبوي والتحرر من الانعكاسات السلبية للحضارة الغربية المتمدنة، يتم خلق عُقدٍ كأداء! فكثرة الأطفال وتعدد الزوجات يسبب في تفاقم الفقر وتراجع الاقتصاد الذي يساعد على استمرارية وجود العائلة لأن تبقى عالقة في المشاكل والأزمات، دون أن تتمكن الخروج منها إلا بتحرر المرأة وتعاونها. والعائلة التي تعتمد على النموذج القديم في علاقاتها مع الدولة، ليس بمقدورها إدارة إقتصادها ذاتياً؛ بل تقع في حالة متأزمة ومعقدة وتنجرف نحو حالة أكثر تراجيدية. لكن، ورغم روابطها الاجتماعية المنحلة، نجد بأنها ما تزال تحافظ على وجودها؛ لأن العائلة تمثل الخندق الأساسي بالنسبة للمجتمع الشرقي. وفي حال فقدان الرجل سلطته في هذا الخندق، يبدأ عنده الإحساس بالنهاية وبأنه (لا شيء). لذا؛ فهو يقاوم التغيير والتجديد. فالرجل والنظام الذي تأسس حوله، يحتلان مكانة ومركز الأزمة، الرجل هو انعكاس استبداد الدولة في العائلة ويمثل هذه السلطة على المرأة والأطفال ضمن نطاق عائلته. ومن ناحية أخرى نجد بأن الدول الاستبدادية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط والتي انهزمت في مجالات الحياة كافة، منطوية على نفسها ومحافظة ومنغلقة تجاه الخارج وملقّمة بروحٍ هجومية تجاه الشعوب الأخرى، كما نرى أن الرجل الشرقي المهزوم في كافة مجالات الحياة يطابق ويعيد انتاج الحقيقة ذاتها، مهاجماً المرأة في حدود العائلة. فالرجل الممتلئ بالانفعالات النابعة من عدمية الحل والحماية لمجتمعه، يقوم بإفراغ انفعالاته وحقده على المرأة والأطفال القاصرين عن حماية أنفسهم، فكافة الجرائم التي تحصل تحت اسم (العار والشرف) تنبع من هذه الانفعالات المتولدة عن الضعف الذي يعانيه الرجل ضمن هذه الأزمة الاجتماعية الراهنة. حقيقةً نجد أن الذي يلطخ (الشرف) هو الرجل ذاته، ولأجل التخلص من هذا الحال يفرّغ شحنات انفعالاته على المرأة كي يبرر بها ضعفه وانهزاميته في هذا النظام.
في هذه المراحل العصيبة والمتأزمة؛ نلاحظ زيادة كافة أشكال العنف ضد المرأة؛ فحتى الآن ما تزال الدولة الإيرانية تقتل المرأة رجماً بالحجارة. بعد الثورة السورية وتحولها إلى أزمة مجتمعية صارخة، وصلت حوادث الاغتصاب إلى درجة لا تصدق. وفي تركيا لم تنتهِ الجنايات وجرائم القتل المرتكبة بحق المرأة تحت اسم (الشرف والأعراف الاجتماعية)، وانتحار النساء ظاهرة لا يمكن انكارها أو غض الطرف عنها. ولا تزال عادة ختان الفتيات مستمرة في أغلب دول الشرق الأوسط.
رغم وجود كل هذه الحقائق، والانحلال المتولد عن وجود هذه الأزمة، ولجت المرأة الشرق أوسطية معمان هذا المعترك ضمن مضمار بحثها عن الحرية والمساواة. فهي من أقوى الديناميكيات الحيوية التي تمثل دور الطليعة في عملية تجاوز المجتمع الجنسوي وتطوير التحول الديمقراطي بالسياسة الديمقراطية، ولها إمكانيات هائلة وطاقات كامنة لإحراز انطلاقة قوية في المنطقة، والتي بدورها ستخدم مصالح الشعوب والنساء عامة. مع انطلاق الحركات الاجتماعية واستمرارها، ستصل إلى مفترق طريق في الكفاح، وهما: إما أن تساهم كـ(مرأة) في سبيل إيجاد الحلول المناسبة لهذه الأزمة، أو أن يكون لها دور ذو تأثير لتعميق حدة الأزمة.
فالدمقرطة التي ستحصل على صعيد المنطقة، ستسبب في تفعيل مرحلة تقلّص نظام الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وسيساعد في انتشار هذه التيارات في أنحاء العالم كافة، وفي الوقت نفسه؛ ستحدث تطورات هائلة في عملية التحول الديمقراطي وستضفي عليها السرعة التي يتوجب تطويرها لبناء الحضارة الديمقراطية الكونية.