إياد المجالي: “موقف الاحتلال التركي ضعيف في سوريا. لذا؛ عليه الانسحاب”

65
تتسارع الأحداث والمتغيرات الميدانية في المشهد السياسي بتراجع النفوذ التركي القسري في سوريا، فتقدم قوات سوريا الديمقراطية وتحريرها لمناطق عدة من شرق الفرات؛ علاوة على دعم التحالف الدولي لها في محاربة الإرهاب؛ هذا من جهة أخرى، ومن جهة أخرى؛ تقدم قوات النظام السوري والميليشيات الموالية له على حساب المرتزقة المدعومة؛ فاقم من أزمة الموقف التركي في سوريا. إنّ التداعيات المرتقبة لتقاطع المصالح وتناقضها بين الولايات المتحدة وكافة الأطراف الفاعلين الدوليين في الأزمة السورية هي بالمطلق مرتبطة بالمطلوب من الاحتلال التركي في الاختيار بين الشراكة مع حلف الناتو أو الإقدام على شراء منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية (إس 400)، وهذا يؤكد على حجم التوتر في العلاقات الأمريكية التركية بسبب ملفات ساخنة تخص الأزمة السورية.
جاء ذلك خلال الحوار الذي أجراه الموقع الإلكتروني لحزب الاتحاد الديمقراطي مع الباحث في العلاقات الدولية ومدير مركز الاستشارات في جامعة مؤته بالأردن الدكتور إياد المجالي
وإليكم نص الحوار:
ـ هل العلاقات القائمة بين دولة الاحتلال التركي وروسيا وبينها وبين أمريكا؛ قائمة على الاتفاق والتناقض في الوقت ذاته؟ وما مستقبل علاقتها بكلتا القوتين “أمريكا وروسيا”؟
تظهر المؤشرات للخطوات التي اتخذتها روسيا في إدارتها للأزمة السورية بالتعامل الحذر مع الأطراف كافة؛ وخصوصاً دولة الاحتلال التركي. وبالنظر لآليات تحديد التقارب؛ كان السعي إليه دون الخلل بالمعادلات الجيوسياسية؛ فهي بسياقها التاريخي علاقات ترتكز على خلافات عميقة حول العديد من القضايا؛ أهمها التنافس على نقل بترول آسيا الوسطى وبحر قزوين والموقف من النزاع حول منطقة كارباخ وأذربيجان وأرمينيا، بالإضافة إلى تقاطع المصالح والمواقف من الأزمة السورية بين الدولتين، بينما يمثل الجانب الاقتصادي في العلاقة التركية الروسية حجر الزاوية في مسار التقارب والتباعد بينهما، حيث تعد روسيا أكبر شريك تجاري تركي ومما يعطي العلاقة شكلاً براغماتياً سياسياً مؤثراً بمواقف كلتا الدولتين إزاء بعض القضايا ودون أن يؤثر في مجمل التطور القائم في العلاقات المرتبطة بحقائق جغرافية وأجواء من عدم الثقة القائمة منذ عقود، هذا يؤكده سعي موسكو وأنقرة لأداء دور كبير في النظام العالمي بعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا بعد 2002م. في ضوء هذا التوصيف لجذور العلاقة الروسية التركية وتناقضاتها، يبدو أن أثر العلاقة الروسية الأمريكية على مستقبل علاقة دولة الاحتلال التركي بكلتا القوتين الدوليتين قد أخذت أشكالاً عديدة، تمثلت بزوال التناقض الأيديولوجي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتحول العلاقة بينهما بعد الصراع والتنافس إلى الشراكة الاستراتيجية واحتواء الخلافات في العديد من الملفات. وشكل وصول الرئيس ترامب للبيت الأبيض تحولاً تكتيكياً للسياسة الخارجية الأمريكية وبخاصة تجاه روسيا بشكل خاص حتى باتت سمة التقارب بينهما في أغلب المواقف من القضايا الدولية والإقليمية، حتى الخلافات بينهما أخذت شكلاً أعمق بعد أن عادت روسيا قوة كبرى فاعلة ومؤثرة على الساحتين الدولية والإقليمية، فروسيا تطمح لحماية مصالحها وأمنها القومي بمفهومه الواسع ولا تطمح لمزاحمة الولايات المتحدة، وأبرز مؤشرات هذا الدور ظهر في الأزمة السورية ونوع العلاقات التي تشابكت وتقاطعت مع حلف شنغهاي. في حين يشكل مستقبل علاقة الاحتلال التركي بكلتا القوتين في ظل هذه العلاقة شكلاً من الغموض والتناقض لعلاقتها مع أطراف الصراع على الأرض السورية؛ مما يعكس مفهوم حرب الإنابة التي عصفت بسوريا ودمرتها وشردت شعبها، حيث تدخلت دول إقليمية ودولية على نسق هذا الصراع لتحقيق مصالح كل طرف على حساب الشعب السوري. فدولة الاحتلال التركي تُعد نفسها الراعي التاريخي والسياسي والثقافي لتركمان سوريا المتمركزين بشمال سوريا، وتدخل في الأحداث والوقائع السياسية والعسكرية الميدانية وتعتبر نفسها حاضنة إقليمية، حيث أن صانع القرار السياسي التركي المؤدلج عقائدياً بتيار الإسلام السياسي والإخوان المسلمين ينطلق بدوره هذا من أهمية سوريا الاستراتيجية لحفظ أمن تركيا، وحماية مصالحها والمحافظة على توازن القوى في المنطقة، وبخاصة عندما توسع نفوذ مرتزقة داعش ودخل حزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني وقطاعات واسعة من الجيش الروسي وقواتها الجوية لدعم النظام في سوريا، والوقوف في مواجهة التحديات الخطيرة التي عصفت بالبلاد والتي كانت تسعى لإسقاط نظام الرئيس بشار. تتضح الصورة الموضوعية لعلاقات الاحتلال التركي مع القوى العظمى في المنطقة من خلال التهديد الذي وجهه وزير الخارجية الأمريكي بومبيو لنظيره التركي جاويش أوغلو في واشنطن قبل أكثر من شهر حول خطورة تدخل الجيش التركي في شمال سوريا بشكل أحادي وأن تداعيات ذلك ستكون في منتهى الخطورة؛ كون الولايات المتحدة تدعم التفاوض والحوار بين الأطراف كافة، والتي ترفضها دولة الاحتلال التركي بطبيعة الحال؛ لأنها تعتقد أن قيام كيان سياسي في شمال وشرق سوريا هو تهديد مباشر لأمنها القومي كما تدّعي. يبدو أن التداعيات المرتقبة لتقاطع المصالح وتناقضها بين الولايات المتحدة وكافة الأطراف الفاعلين الدوليين في الأزمة السورية هي بالمطلق مرتبطة بالمطلوب من دولة الاحتلال التركي في الاختيار بين الشراكة مع حلف الناتو أو الإقدام على انهاء صفقة منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية (إس 400) وهي أكدت بأن الصفقة تمت ولا رجوع عنها، وهذا ما يؤكد على استمرار التوتر بين الجانبين وهناك ملفات أخرى ساخنة تخص الأزمة السورية. والفصائل التي تدعمها دولة الاحتلال التركي على الأرض السورية تقف عائقاً أمام التفاهم التركي الأمريكي.
ـ لدولة الاحتلال التركي دورها المحوري في تعميق الأزمة السورية، فماذا جنت من ذلك؟ وهل لها الحق في اقتطاع الأراضي من جارتها سوريا واحتلالها مثل (جرابلس، الباب، إعزاز، وعفرين)؟!
في مواقف معلنة وأخرى مخفية؛ تفاعلت السلطات التركية مع الأزمة السورية، ووقفت مع محور دعم المعارضة والمجموعات المرتزقة التابعة لها في سوريا، لمواجهة قوات النظام السوري من حيث الشكل؛ بحجة أن وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية يشكلون تهديداً أمنياً كبيراً للأمن القومي التركي. في حين تسعى قوات سوريا الديمقراطية إلى التقدم لغرب الفرات؛ لعزل المناطق التي حررتها من مرتزقة داعش عن النفوذ التركي وتبعدها عن التأثير التركي المباشر. يبدو المشهد السياسي في هذا الجانب تتسارع فيه الأحداث والمتغيرات الميدانية بتراجع النفوذ التركي القسري في سوريا، حيث هناك تقدم ملحوظ لقوات النظام السوري والميليشيات الموالية لها، على حساب المرتزقة المدعومة من دولة الاحتلال التركي في ريف حماه وحلب واللاذقية، مما يزيد من أزمة الموقف التركي في سوريا، وتحرير قوات سوريا الديمقراطية العديد من المناطق من مرتزقة داعش وهزيمته في ريف دير الزور الشرقي. لذلك؛ فالموقف التركي موقف ضعيف الآن وبخاصة أنها تواجه أزمة اقتصادية كبيرة، وصمتها على ما يجري في إدلب تؤكد أنها قد تتنازل عنها للروس والنظام.
ـ ما نظرتكم حول فتح قنوات للحوار بين النظام السوري والإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا التي ساهمت بفعالية كبيرة في هزيمة داعش وتحرير كامل مناطق شمال وشرق سوريا منه؟
رغم الوساطة الروسية بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية التي بدأت عقب الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، إلا أن النظام السوري رفض جميع المقترحات التي قدمتها الإدارة، هذا الواقع يشكل متغيراً خطيراً سيفسح المجال لتدخل عسكري تركي في المنطقة التي تخضع لنفوذ الإدارة الذاتية وسيجلب الدمار للمنطقة، لأن القوات التركية في حال تدخلت بشكل أحادي في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية سيزيد من حالة عدم الاستقرار، ويخلق تداعيات مكلفة سياسياً وعسكرياً. وأنا أرى بأن أي تدخل عسكري تركي أحادي الجانب في شمال سوريا سيشكل خطورة بالغة على المنطقة برمتها، وبخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤكد في كل مرة دعمها الكامل لعملية التفاوض بين أطراف النزاع في سوريا وخارجها.
ـ ماذا عن مصير الآلاف من معتقلي داعش الذين تم إجلاءهم في آخر جيب للمرتزقة بدير الزور، وهل تعتبرون إنشاء محكمة دولية لهؤلاء في مكان اعتقالهم أفضل السُبل للتخلص من خطرهم؟
واجه دول عدة مشكلة عودة مواطنيها من المرتزقة الذين حاربوا في سوريا والعراق، والولايات المتحدة الأمريكية تدعو الدول الأوروبية باستلام رعاياها الذين حاربوا في سوريا والعراق، وهي تضغط في هذا الاتجاه، وهذا ما أكد عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة، مهدداً بأن الولايات المتحدة قد تضطر للإفراج عنهم، في إطار الضغط على هذه الدول للقيام بمسؤولياتها حول استلام مواطنيها. وتحتجز قوات سوريا الديمقراطية في سوريا الآلاف من الأجانب من مرتزقة داعش، وفق تقارير استخباراتية غربية، يضافون إلى الداعشيات غير المقاتلات والأطفال وهم أيضاً يقدرون بعشرات الآلاف، هذا إضافة إلى الموجودين في العراق وهناك الكثير من المرتزقة الأجانب مع نسائهم وأطفالهم المعتقلين في العراق، والذين تحاكمهم السلطات القضائية العراقية. وبالطبع الضغوطات الأمريكية على الدول الغربية ودعوتها لهم بإعادة رعاياها المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية كانت محل ترحيب من قبل قيادة قوات سوريا الديمقراطية، مشيرة إلى عدم قدرتها في تحمل مسؤولية هؤلاء لفترة طويلة، خصوصاً في حال حدوث أي تدخلات تركية في مناطقهم.