العثمانية تصل بوبائها إلى إفريقيا؛ فهل ستطردها الدول للحدّ من تفشي الإرهاب العالمي..؟!

145
وكالة هاوار –

كانت ولا زالت حكومة حزب العدالة والتنمية التركية تعمل على تحقيق أحلامها في احتلال إفريقية بشكل مشابه لما فعلته في سوريا والعراق، إلا أنها استخدمت هنا أدوات ناعمة واستراتيجية يسميها المراقبون بالـ “الخفية” في دول القارة السمراء، لتتمكن من تشكيل بيئة قوية لتوسيع نفوذها، ومن ثم لتسيطر على الحياة الاجتماعية والفكر والأسواق والاقتصاد والحالة العسكرية لأهم المدن في القارة. والسؤال هنا؛ هل ستطردها الدول هناك كما فعل الكرد في سوريا والعراق، قبل أن تتغلغل بجذورها أكثر مما هو عليه الآن وينتشر وباءها بحدة؟
حمل حزب العدالة والتنمية في مشروعه “العثمانية الجديدة” استراتيجية متكاملة للمنطقة تتركز على جذب العالم الإسلامي، السني على وجه التحديد، لتحقيق أحلامه القومية في استعادة الإمبراطورية بحلتها الجديدة بما يتوافق مع المرحلة والسيطرة على اقتصاد وتاريخ المنطقة.
تصنع الإرهاب في القارة الإفريقية وتدّعي مكافحته
في 2006 استضافت دولة الاحتلال التركي مؤتمراً لـ “رجال الدين الأفارقة” بالتزامن مع استضافتها مؤتمراً لمنظمة الإخوان المسلمين في العالم وكان الهدف واحد، وهو استغلال المشاعر الدينية للتجمعات السكنية المسلمة في القارة وتقوية حاضنتها عبرهم، تماماً كما أشار إليها موقع “جلوبال سيكيوريتي” الأمريكية المختص بالشؤون العسكرية والدفاعية في 2018، ونوه إلى أن دولة الاحتلال التركي عبر هذا الاستغلال تهدف إلى نفوذٍ وتوغل عسكري وسياسي واقتصادي، مؤكّداً بأن دول القرن الإفريقي في بؤرة الاستهداف التركي الذي يصنع الإرهاب ويدّعي مكافحته منذ 2005.
وأوضح الموقع أن دولة الاحتلال التركي وعبر دبلوماسييها تقوم بتعبئة مسلمي إفريقيا برجال أعمالها وساستها، لتجعل منهم جماعات ضاغطة على حكوماتهم في سبيل تمرير سياساتها وتهيئة الاحتلال على كافة المجالات في تلك الدول.
وكشفت وثائق قضائية جديدة عن الدعم التركي للإرهابيين في القارة، حيث نقل موقع “نورديك مونيتور”، المختص بحركة تنقل المتطرفين، في شهر كانون الثاني الفائت بأن الدولة التركية المحتلة نقلت مئات الآلاف من الدولارات إلى حركة الشباب الصومالية المُدرجة على قائمة الإرهاب العالمي، عبر إرهابي تركي معروف باسم إبراهيم سين كان قد سلمته الجهات الأمريكية لتركيا فيما سبق بعد القبض عليه في باكستان، والذي عمل داخل المخابرات التركية في نقل الإرهابيين من وإلى سوريا منذ 2011.
احتلال عثماني جديد..!
كان أول خطوة للدخول التركي في إفريقية عبر الاستغلال الديني والذاكرة التاريخية، وذلك باللعب بمشاعر المسلمين في القارة التي يبلغ تعدادها السكاني أكثر من مليار نسمة، ومن ثم خلق أرضية لصناعة الإرهاب عبر جماعاته من رجال الأعمال والدين والسياسة، لهدف رئيسي ألا وهو خلق الفوضى لإظهار نفسه المنقذ والداعم للسلام والإصلاح والوصاية، وتماماً كما في العراق وسوريا فإن معظم تحركاته تجري عن طريق المنظمات الدينية وكذلك المدنية الإغاثية التركية مثل (IHH  و TIKA)، فعشرات الوثائق أظهرت دعم الاحتلال التركي وقطر لحركة الشباب الصومالية وبوكو حرام في نيجيريا، غير دعمها لداعش في ليبيا وإرسال عشرات الشحنات إلى الصومال وليبيا وأثيوبيا ومالي ونيجيريا، وهذا ما أكّدته صحيفة واشنطن إكزامينر الأمريكية التي كشفت عن العلاقة المتشعبة بين المحتل التركي والجماعات الإرهابية في غرب القارة وليبيا ومالي في شهر كانون الثاني الفائت، بعنوان “حان الوقت لإعلان تركيا دولة راعية للإرهاب”.
كما تم إيقاف خمس شحنات للسلاح التركي على الأقل في موانئ ليبيا كانت وجهتها مناطق سيطرة داعش والجماعات الإرهابية الأخرى خلال الأشهر القليلة الفائتة، وأعلنت الحكومة الليبية بأنهم يحاربون إرهاب تركيا وقطر في ليبيا. أما في نيجيريا؛ فإن شحنة محمّلة بالسلاح التركي من بنادق ومسدسات كانت متوجهة إلى جماعة بوكو حرام الإرهابية ضبطتها سلطات الجمارك في لاغوس وأكّدت بأنها مقدمة من الدولة التركية المحتلة إلى هذا التنظيم الإرهابي، الأمر الذي أكّدته صحف أمريكية بوجود علاقة مباشرة بين هذا التنظيم والحكومة التركية.
نشاط تركي يُنذر بخطر كبير
بعد أن كسب أردوغان بحكومته في 2005 مكانة المراقب في الاتحاد الإفريقي ومن ثم كشريك استراتيجي للدول الإفريقية في عام 2008 وعضو في البنك الإفريقي، بدأ بالتغلغل على كافة الأصعدة وأولها دبلوماسياً، حيث وصل عدد سفاراته إلى 42 سفارة لعام 2018 بينما كان عددها 12 سفارة مطلع 2012، أما حجم التجارة الذي كان 4 مليارات في 2003 فقد وصل إلى 20 مليار دولار في 2018.
على الصعيد العسكري؛ استهدفت الدولة التركية المحتلة الصومال بالتحديد كونها بوابة القرن الإفريقي كنقطة جيوسياسية وعسكرية وتجارية هامة في القارة، لتبني أكبر قاعدة لها خارج أرضها بعد قاعدتها في القطر بتكلفة 50 مليون دولار، وذلك لتقوم بتهيئة الجيش الصومالي بحسب زعمه، إلى جانب بناء أكبر سفارة في القارة. لقد احتلها بطريقة ناعمة وفي منتهى الدقة، بعد أن صنع الإرهاب فيها منذ مطلع 2004 متمثلاً بحركة الشباب الإرهابية وجماعات متطرفة محلية أخرى، ليرفع من دعم استثماراته في البلاد ويقوي من جمعياته الإغاثية، وينافس الأمم المتحدة في المنطقة، فيكون بذلك الأول هناك ويعمل عبرها في السيطرة على البلاد في كافة مجالات الحياة اليومية، ويُنعش البضاعة واللغة والثقافة والفكر والسلاح التركي ضمن المجتمع الإفريقي بشكل شبه تام، ويُعلن الصومال في النهاية ولاية له بعد أن احتلها بذريعة إنقاذها من آثار الحروب الدامية وإغاثتها.
تدخلها يشكل عزلة دوليّة لإفريقيا وخطراً لا يقل عما خلقته في سوريا والعراق
وبالنظر إلى الحالة الصومالية والسودانية وكذلك نيجيريا، تلك الدول المحورية في القارة، فإنه وبالتدخل التركي زعزع الاستقرار في عمق القارة، وجعلها بؤرة للإرهاب لضمان سيطرته الكاملة على عقول المجتمع مثل احتلاله لأرضهم على الأصعدة كافة؛ ناهيك عن العزلة الدولية والعربية عنها، نظراً لما غيّرته الدولة التركية المحتلة من ملامح سياستها الاستراتيجية مع الدول الأوروبية والإقليمية والعربية على وجه الخصوص.
ومن منطلق صناعة الإرهاب وتصديره تعمل تركيا في إعادة العثمانية الجديدة كونها ترى نفسها دولة مركزية ومن شأنها أن توسّع نفوذها خارج أرضها وتنافس الدول الإقليمية، فتوظّف الدين والتاريخ لتوسيع احتلالها في الدول العربية والإفريقية والإسلامية الأخرى.
ويرى المراقبون العرب والأوربيين ضرورة تحرك دول كمصر والإمارات والسعودية في هذا المضمار، لما تحمله تركيا من خطورة، خاصة أنها باتت دولة راعية للإرهاب وتصدّره في كل منطقة تسعى لتوسيع نفوذها فيها، وذلك فإن ضرورة التدخل هو لحفظ الاستقرار والأمن والحفاظ على التوازن الاقتصادي والتجاري.