أنقرة ومرحلة اعتماد البدائل

257
تحقيق/ رامان آزاد –

يمكنُ اختزالُ المشهدِ السياسيّ في تركيا بوصفه بالأوتوقراطيّة الديكتاتوريّة، أو دولة الفرد، فالاستفتاء على الدستور نقل دولة الاحتلال التركي من استبداد الحزب الحاكم إلى الاستبداديّة والمركزيّة الفرديّة. والانقلابُ على الديمقراطيّة وأصوات ملايين الناخبين في الانتخابات البلديّة إسطنبول ليست المرة الأولى، فقد سبق أن عطّل الحزب الحاكم تشكيل الحكومة للالتفاف على الانتخابات البرلمانيّة بتاريخ 7 حزيران لإقصاء حزب الشعوب الديمقراطيّة من العملية السياسيّة.
الانقلاب على الديمقراطيّة
شكّل قرار اللجنة العليا للانتخابات إبطال فوز مرشح حزب الشعب الجمهوريّ المعارضة أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية اسطنبول وإعادة انتخابات البلديّة بإسطنبول في 23 حزيران القادم انقلاباً على الديمقراطيّة، إذ ضرب عرض الحائط بأصوات ملايين الناخبين ولم يقم وزناً لإرادتهم. وجاء قرار اللجنة استجابة لطلب الحزب الحاكم وطعنه بنتائج الانتخابات البلديّة التي جرت في 31 آذار الماضي.
وإزاء هذا القرار؛ كان ردود الفعل واضحة من أحزاب المعارضة التركيّة، إضافة لشخصيات سياسيّة، فقد خرج أحمد داوود أوغلو عن صمته منتقداً قرار إلغاء الانتخابات في إسنطبول وغرّد قائلاً: “إنّ قرار اللجنة العليا للانتخابات، يتناقض مع القوانين الدوليّة واتفاقياتها المقررة”.
فيما أعلن حزب الشعب الجمهوري، أنه سيتقدم رسمياً بطلب استثنائي إلى اللجنة العليا للانتخابات في تركيا؛ من أجل إعادة الانتخابات في كل اسطنبول، بما يشمل رؤساء وأعضاء البلديات، وليس فقط رئاسة بلدية اسطنبول.
وانتقدت ميرال اكشنير، زعيمة الحزب الصالح التركيّ المعارض يوم الإعلان عن قرار إعادة انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول، بأنّه “تاريخ انتهاك إرادة الأمة”، وأشارت إلى أنّ دولة الاحتلال التركي تعرّضت فيه للمهانة أمام العالم، فالقرار استهدف الإرادة الوطنيّة، ووعدت بعدم الصمت حيال القرار. وقال مرشح حزب السعادة الإسلاميّ نجدت جو كجنار: “أنا مستعد للانسحاب لصالح إمام أوغلو، سأنتظر قرار حزبيّ”. فيما قال حزب اليسار الديمقراطيّ: “سأفعل ما يلزم لمواجهةِ المخالفاتِ القانونيّة التي يرتكبها المجلس الأعلى للانتخابات”.
لم تقتصرِ المواقف على داخل تركيا فقط، فقد وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: “إن هذا القرار لا يتسم بالشفافية ولا الشمولية”. ومن جهته قال البرلمان الأوروبيّ: “إن قرار إعادة انتخابات البلديّة في إسطنبول يقضي على مصداقيّةِ الانتخابات الديمقراطيّة في تركيا”.
وقالت كلاوديا روت، نائبة رئيس البرلمان الألمانيّ وعضوة حزب الخضر: “قرار اللجنة هو نِتاج للضغط الكبير من المستويات العليا، وهذه إشارة مخيفة، فالرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية يبدو وكأنّه عازم على إثبات خطأ كلّ من كان قد تمنّى حدوث تحوّل ديمقراطيّ بعد الانتخابات البلدية”.
وفي إشارة أبعد لاختراق أردوغان لمعايير الانضمام للاتحاد الأوروبيّ قالت نيكولا بير المرشحة الرئيسيّة للحزب الديمقراطيّ الحر: “أردوغان لا يقبل بالهزيمة، وبالتالي فإنّ تركيا لم تعد شريكا للاتحاد الأوروبيّ”. في تغريدة على تويتر كتبت كاتيا كيبنج، زعيمة حزب اليسار: “هذا لا يمكن تصديقه، أردوغان يعيد الانتخابات في إسطنبول لأنّ النتيجة لا تناسبه، ومن ثم فعلى الحكومة الألمانيّة أن تدعم عمدة اسطنبول المنتخب أكرم إمام أوغلو”.
أدان أكرم إمام أوغلو قرار لجنة الانتخابات، قائلاً إنها خاضعة لتأثير الحزب الحاكم. وأضاف: “لن نقبل المساومة على مبادئنا، فهذه البلاد بها 82 مليون وطني سيقاتلون حتى اللحظة الأخيرة من أجل الديمقراطية” وطالب أوغلو أنصاره بضبط النفس، قائلاً: “دعونا نكون صفاً واحداً وأن نلتزم بالهدوء، وسننتصر، سننتصر ثانية”، ووصف أوغلو قرار إعادة الانتخابات بأنه “خيانة”.
وكالعادة رفضت أنقرة الانتقادات الموجهة إليها على لسان الناطق باسم الخارجية التركيّة. فيما تسبب القرار بتسخين الحراك الشعبيّ وخروج مظاهرات منددة بسياسة الحكومة، فهل تكون الانتخابات ستكون لتوجيه رسالة ديمقراطيّة بلهجة حازمة وتسقط مشروع أردوغان من حسابات الصناديق، وتكون سبب عزلته الداخليّة؟!
 ديمقراطيّة الحمقى
يضربُ أفلاطون مثلاً عن سفينةٍ ركابُها من الحمقى، تواجه رياحاً عاتية في عرضِ البحر، فيسودُ الهرجُ والمرجُ بين الركاب، ويتجادلون حول أسلوب قيادة السفينة، ثم يتفقون على إجراء تصويت، ونظراً لفرقِ العدد؛ فإنّ رأي الحمقى يفوز ويسقط رأي القبطان، فتغرقُ السفينةُ بمن فيها.
الانتخابات هي لعبة أردوغان المفضلة، لأنّها تمثل الديمقراطيّة العدديّة (ديمقراطية الحمقى). فالتزوير يتم في بيئة الانتخابات أكثر من الصناديق نفسها، إذ يتم التلاعب بالظروف وتُسخّر مؤسساتُ الدولةِ الإعلاميّة والأمنيّة وتُقادُ حملاتُ التخويفِ والتحذير من الفوضى الافتراضيةِ وتُستثمر المشاعرُ الدينيّة وقضية الأمن القوميّ وتُبذلُ الوعود المجانية، اي هو (خيار اللاخيار الانتخابيّ). الانتخابات البلدية الأخيرة كشفت بداية الصحوة فهل تستمر؟
بلدية إسطنبول!!
تأتي أهميّةُ المدن بالانتخابات كونها تجمعاتٍ سكانيّةً كبيرةً، فالانتخابات معادلةٌ عدديّة تتعلقُ بحجمِ التصويت بصناديق الاقتراع. صحيحٌ أنّ الأصواتِ في الأريافِ والبلداتِ البعيدةِ قد تعطي أرجحيّةً انتخابيّة، ولكن لا يُعتدُّ بها بتحديدِ مستقبلِ البلادِ وإحداثِ التغييرات، فالمدنُ الكبرى هي مسرحُ تنفيذِ أيّ انقلابٍ.
تتصدرُ إسطنبول مدن تركيا بثقلها الانتخابيّ إذ تضمُّ أكثر من عشرة ملايين ناخب، وأيّ متغيرٍ بنتيجةِ انتخاباتِها يدلُّ على اتجاهٍ المزاج العام، ولذلك اعتبر المراقبون، فوزَ المعارضة بإسطنبول ضربة رمزيّة قوية لأردوغان وحزبه الحاكم. وقد حذّر أردوغان أثناء الاستفتاءِ على تعديلِ الدستورِ أنصاره من خسارةِ أصواتِ إسطنبول. ولأنّ الانتخاباتِ البلديّة مؤشر شعبيّة الأحزاب السياسيّة قبل الانتخابات البرلمانية التالية، قال أردوغان: “إذا أخفقنا في إسطنبول، سنفقدُ قاعدتنا الشعبيّة في تركيا برمتها”، واستثمر أردوغان العامل الدينيّ لكسب الناخبين وقال: “إن خسرنا إسطنبول سنخسرُ القدس، وسنخسر أمة الإسلام”.
اكتسبت بلدية إسطنبول أهميّة سياسيّة كبرى منذ عام 1963، نظراً لدورها بتحديد الحزب الفائز بالانتخابات العامّة التالية، ففي ستينات القرن الماضي؛ فاز حزب العدالة (غير الحزب الحاكم اليوم) ببلدية إسطنبول، فكانت النتيجة فوزه بالانتخابات العامة التالية. وحدث ذلك أيضاً مع حزب الشعب الجمهوريّ بالسبعينيات، وحزب الوطن الأم بالثمانينيات، وحزب الرفاه بالتسعينيات ومن بعد حزب الفضيلة، وانتهاءً بحزب العدالة والتنمية الذي حافظ على بلدية إسطنبول في جعبته الانتخابيّة.
وتأتي استثنائيّة الانتخابات الماضية لكونها أنهت مرحلة ربع قرن من الإدارة الإسلاميّة للمدينة التاريخيّة، وليعودَ للذاكرةِ ما جرى بانتخابات عام 1994 يوم فاز أردوغان برئاسةِ بلدية إسطنبول مرشحاً عن حزب الرفاه الإسلاميّ، بزعامة نجم الدين أربكان، وكانت منطلقَ عمله السياسيّ. فإسطنبول أكبرُ خزانٍ للناخبين ويعوّل عليها بأيّ تغيير سياسيّ بالبلاد، وتزيدُ مرارة النكسةِ الانتخابيّةِ عندما تقترن خسارتها مع مدن كبرى وازنة كأنقرة وإزمير ما شكّل ضربة معنويّة كبيرة لأردوغان ولحزبه، رغم أنّه لا يزال أكبر الأحزاب التركيّة.
نظراً لأهميّة الانتخابات بالمرحلة الحالية وحساسيّتها دفع العدالةُ والتنمية بعددٍ من وزرائه السابقين والسياسيين المخضرمين والمؤثرين بالحزبِ للمنافسة على رئاسة البلديات الكبرى، فرشّح رئيس الحكومة الأسبق بن علي يلدرم لبلدية إسطنبول بعدما استقال من منصبه رئيساً للبرلمان، معتبراً أنّ “من يفوز بإسطنبول، يفوز بتركيا”.
للبلديات دورٌ اقتصاديّ هام ومسؤوليّة إداريّة وماليّة، وبخاصة الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة، وبحسب إحصائيّة 2014 يعمل في بلدية أنقرة أكثر من 10 آلاف شخص، فيما يتجاوز عدد العاملين ببلدية إسطنبول 20 ألف شخص، وهذا عدا التعهّدات والمناقصات الكبيرة والاستثمارِ الأجنبيّ.. وقد تعهد أردوغان بتنفيذ مشاريع كبرى تعترض عليها الدول الكبرى، كمشروع قناة إسطنبول المائيّة.
لماذا بهذا التوقيت؟
في توقيت بالغ الحساسيّة يكشف النقاب عن زيارة قام بها محامو القائد أوجلان إلى إيمرالي في 2/5/2019، وأنّ القائد قد دعا قوات سوريا الديمقراطيّة إلى حل المشاكل في سوريا ضمن إطار وحدة الأراضي السوريّة والديمقراطيّة المحليّة بضمانات دستوريّة دون الدخول في صراعٍ مسلحٍ مع الأخذ بالاعتبار الحساسيّة التركيّة. وأنه دعا إلى “مفاوضات ديمقراطية” بين تركيا والكرد وحلّ مشاكل تركيا ومشاكل المنطقة، بعيداً عن الحرب وسبل العنف الجسدي، بل عبر القوى الناعمة، أي قوى العقل، والقوى السياسية والثقافية.
وتعددت تقييمات هذا اللقاء، وذهب البعض للحديثِ عن تغيّرٍ بالموقف التركيّ، وأنّه تمهيد للسلام مع سوريا وربط ذلك مع الورطة التركيّة في إدلب بعد انتهاء صلاحية سوتشي وتسخين الميدان الإدلبيّ واستهداف الجيش السوريّ لمركز تركيّ وإسقاط حوامة تركيّة.
وأما حديث البعض عن نية الاحتلال التركي بإنجاز اتفاق مع الكرد بشأن شمال سوريا، فلا يؤيده الواقع؛ لأنَّ التدخل التركيّ في سوريا هو محاولة لتصديرِ القضيةِ الكرديّة دون حلٍّ بالقفز عبر الحدود، وأنقرة انقلبت على الديمقراطيّة عندما أوصلتِ الانتخاباتُ الكردَ للبرلمان فأعادتِ الانتخاباتِ، ومن ثم اعتقلتِ البرلمانيين الكردَ كما تعتقلُ قادتهم.
وهناك من قال أنّ دولة الاحتلال التركي بصدد اتفاق مع الكرد في سوريا وتم تداول خبر عن لقاء مسؤولين من الاستخبارات التركية MIT، قد التقوا مؤخراً مع قائد قوات سوريا الديمقراطيّة مظلوم كوباني. وهذا الخبر أكّده كوباني خلال ملتقى العشائر السورية، وجود لقاءات غير مباشرة دون أن يشير إلى إحراز تطور بهذا الصدد واشترط انسحاب القوات التركيّة والمرتزقة من عفرين، وهنا تطرح جملة من الأسئلة عن المصداقية التركيّة، ماذا عن الاحتلال التركيّ لعفرين ودفعها بالإرهابيين إليها واستباحتها الكاملة للمنطقة، عن التغيير الديمغرافيّ؟ عن جدار التقسيم؟ عن ملاحقة مهجّري عفرين؟ عن محاولات بثِّ الفتنة العرقيّة؟!
واقعاً لا يمكن الوثوق بأنقرة أبداً، فهي تسعى للدخول إلى منطقة شرق الفرات بأيّ صيغةٍ كانت، ولو أتيح لها الدخول إلى عُمقِ الأراضي السوريّة ووصلت دمشق لن تتوقفَ عن الحديثِ عن ضرورةِ أمنها القوميّ، ولعلها تجد دورساً محدودةً باللغةِ الكرديّة في اليابان خطراً على أمنها القوميّ!! تُرى ما عددُ الكرد باليابان؟ هل اليابان دولةٌ مجاورة؟
علينا أن نتذكرَ أن كلَّ عملياتِ السلامِ التي دخلت فيها دولة الاحتلال التركي كانت تلاعباً بعاملِ الزمنِ، لتنقلبَ فيما بعد على استحقاقاتِ السلام، وهي حريصةٌ اليوم على تأمين ملاذاتٍ آمنةٍ للإرهابيين بأيّ ثمنٍ، وهذا ما يحدثُ عبر نقل عناصر النصرة إلى عفرين.
وفي السياق الكرديّ؛ يحاول أردوغان الإيهام بتحوّل إزاء العزلة المفروضة على القائد أوجلان بعدما بات آلاف المحتجين من السجناء المضربين عن الطعام يشكلون عبئاً  سياسياً عليه. فقد قالت جمعية حقوق الإنسان التركيّة في تقريرها المؤرخ 22/4/2019 إنّ أكثر من 3 آلاف سجين موزعين على 92 سجناً في تركيا أضربوا عن الطعام. وقد ارتقى سبعة منهم للشهادة خلال آذار، وتخشى أنقرة تداعيات الإضراب في قادم الأيام. فيما اعتبرها آخرون جزءاً من لعبة انتخابيّة يوم بها أردوغان تمهيداً لإعادة الانتخابات البلديّة في إسطنبول وإيجاد خرقٍ في جبهة الناخبين الكرد، والتعويض عن أصوات الناخبين القوميين.
بالمجمل؛ فإنّ إدراكُ التوقيتِ وعاملِ الزمن مهم جداً في السياسة، إذ لا صدفة أبداً فيها، ولا حُسن نية لدى العدو، ومن المؤكد أنّ أردوغان يحاول الالتفاف عل جملة من المسائل وليس غريباً على إعلامه التلاعب على التصريحات، وما يمكن فهمه أنّ أنقرة دخلت مرحلة اعتماد البدائل، وهي أولى علامات التغيير والتي ستبدأ مع خسارته مجدداً انتخابات بلدية إسطنبول.