سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الشهادة… ثقافة الشعوب الحرة

أحمد اليوسف –

غداً سنكون على موعدٍ بعيد الأعياد وأسماها وأجلّها وأغلاها، عيد الضَحى الذي يطلع من شقوق الظلام، وعيد الندى حين يعانق زهراً فتتفتح الأكمام، عيدُ الأرض والتراب والشجر والحياة بأسرها، نعم إنه عيد الشهداء، الشهداء الذين مهما قلنا فيهم لن نصل إلى سموّهم ورفعتهم، فهم بلا شك أنبل البشر وأكرم وأجلُّ من في الدنيا، وكيف لا وهم من منح الروح لتحيا الشعوب، ولا أدري ولا يمكن أبداً أن يوجد في هذه الدنيا ما هو أثمن من الروح، والشهيد يجود بها من أجل حرية بلاده وشعبه.
الشهادة هي القيمة الإنسانية الأسمى في نفوس البشرية، لأنها القيمة التي تقوم على مبدأ اطلب الموت تُوهب لك الحياة، الحياة الخالدة التي تجعل من الشهيد الإنسان الأكرم على الإطلاق، فهو الذي طلب الموت لتوهب الحياة الحرة الكريمة لمن يبقون بعده. وهي أسمى مراتب العطاء والجود والمجد الذي لا يُطال، وأرفع القيم الإنسانية، فهي تقوم على إيمان راسخ وعقيدة لا تتجزأ، وعشق للحرية ورفض عظيم للذل والهوان، إنها المروءة التي ما بعدها مروءة، والإباء الذي ما بعده إباء، والإيثار الذي ما بعده إيثار، وأيّ إيثار أكبر من أن تبذل روحك ودمك في سبيل أن يحيا أبناء شعبك بحرية وأمن وسلام؟ أيُّة عظمة أكبر من أن تطعم أشلاءكَ للموت وتتذوق مرارته من أن أجل أن تمنح حلاوة العيش لأبناء شعبك.
لعمري إنهم القادة المعنويون، والسادة الخالدون، لذلك فإنّ الاحتفال بهذا العيد يذكّرنا بقيمة الشهادة السامية، واستحقاق الشهداء أن تخلد اسماؤهم في ذاكرة التاريخ إلى الأبد، فمن الشهادة نتعلّم أن الحياة بلا حرية لا تساوي شيئاً، وحياة الذل موتٌ في الحقيقة، والموت في الحرية حياة دائمة بل حياة وسعادة أبدية مطلقة. الشعوب التي تملك ثقافة الشهادة وتعيها جيداً، شعوب لا تقهر ولا تُكسر ولا تُضام لأنها تتربى على الشموخ وعشق الحرية، والأنفة وبذل النفيس في سبيل عيشٍ كريم. مهما قلنا ووصفنا وتحدثنا فالشهادة أرفع وأسمى وأجلّ مما نقول ونصف.
“فوق التراب ينزف جرحكَ ثائراً…ليزيلَ آخرَ ما تبقّى من بقايا الذل في أرض الجلال…هي لحظةٌ قد تشبهُ الموتَ المحقق… إنّما هي مشهدٌ فيه اختصارٌ للجمال…هل ترى أغلى من الأنفاسِ نمحنها لتحيا أمّةٌ… قد كان أحمقُ من يظنُّ بأنها ترضى بذلٍّ ذاكَ من ضربِ الخيال”.
نعم إن كل من يظن أن الشعوب التي تربت على ثقافة الحرية والشهادة، سهلة المنال، يكون واهماً وستأتيه الصفعةُ منها، فهي شعوب لا يمكن أن تكسر وتقهر لأنها تعلمت أن تبذل الروح ولا تتنازل عن حريتها وكرامتها وعزّة ترابها. فلنتعلم من الشهداء فلسفة العطاء والبذل، وأخلاق الكرم والإيثار والمروءة.
ولنكن أمناء على دمائهم الطاهرة الزكية، فهم منحونا أمانة غالية، منحونا الحرية والسلام من أجل أن نستمر ونبني المستقبل، فالمسؤول والموظف والمعلم والعامل، كل هؤلاء مسؤولون عن المحافظة على هذه الأمانة، وأن يصنعوا الحياة التي رسمها الشهداء بدمائهم.