الصين… طموحُ الطريق وهاجسُ الحريق

206
تحقيق/ رامان آزاد –

تتابعُ الصين مجريات الحدث السوريّ لاعتبارات جيواستراتيجيّة وأمنيّة، بعدما باتت بؤرة استقطاب الإرهاب في العالم. وواصلت الصين سياستها الناعمة إزاء الأزمة السوريّة، واعتمدت سياسة التدخل التدريجيّ؛ فكانتِ البداية بالمواقف والتصريحات السياسيّة، وفي حديث ذي دلالة بعيدة قالت الخارجيّة الصينيّة بداية الأزمة: “سوريا بوابتنا على البحر المتوسط”، واستخدمت بكين أكثر من سبع مرات حق النقض (الفيتو) إلى جانب روسيا لقطع الطريق أمام التدخل الغربيّ وإدانة دمشق.
اتهامات لأنقرة وهواجس من الإرهاب
تراقب بكين منذ بداية الأزمة السوريّة حركة هجرة مواطنيها الإيغور إلى سوريا، عبر “مكتب التعاون العسكريّ الدوليّ” بالتعاون مع الاستخبارات التركية وتسعى لمحاربة المقاتلين “الإيغور” بتهمة “الإرهاب”، وتعتبر وجودهم في سوريا دليلاً لثبوت التهمة، وأيدت صحّة الاتهام بوجود أفراد إيغور ضمن صفوف مرتزقة (داعش)، وتفضل تصفيتهم في سوريا لمنع عودتهم إلى البلاد.
أدّت التسهيلات التي تقدمها المخابرات التركيّة للإيغور، ونقلهم إلى سوريا إلى توتّر بالعلاقات التركيّة الصينيّة؛ وتتابع بكين نشاط آلاف الإيغور؛ يعملون في جمعية التضامن والتربية في تركستان الشرقيّة، يقدمون مساعدات إنسانيّة للسوريين، فالدور التركيّ ينبئ عن دعم الإيغور للقتال في إقليم شينجيانغ.
في 13/7/2015 وجّهت الصين اتهامات للاحتلال التركي بمنح الإيغور، وثائق هوية ثم تسهيل سفرهم لسوريا والانضمام إلى مرتزقة “داعش” الوهابيّة، تستخدم أنقرة الإيغور للضغط على الصين، وتحريكهم ضدها، لإقامة دولة (تركستان الشرقية).
لا تتوقف أنقرة عن توجيه الانتقادات للحكومة الصينيّة حول إجراءات القمع والتضييق الدينيّ والثقافيّ بحق الإيغور، وآخر المواقف انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجيّة التركية حامي أقصوي في 9/2/2019، ما سمّاه سياسة الصَّهر العرقيّ الممنهج للسلطات الصينيّة تجاه مسلمي الأويغور، ومعسكرات إعادة التثقيف، داعياً الصين إلى إغلاق المعسكرات وأضاف: “لم يعد سراً أن أكثر من مليون من الأويغور يتعرضون للاعتقالات التعسفية والتعذيب وغسيل الأدمغة السياسية، في معسكرات الاعتقال والسجون في الصين”.
وفي 25/2/2019 طالب وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو، السلطات الصينية بوقف الانتهاكات التي تطال حقوق أتراك الايغور في اقليم تركستان الشرقية. وجدد أوغلو مطالبة تركيا للسلطات الصينيّة بوقف انتهاك حقوق أتراك الإيغور واحترام الحريات الدينيّة للأقليات المسلمة بتركستان الشرقيّة.
فيما تشهد مدن تركيّة تظاهرات احتجاجيّة ضد سياسة الصين بحق الايغور كل فترة وأخرى وفقاً لمواقف الحكومة التركيّة، وبذكر أنّ تركيا تعهدت في 3/7/2015 بترك الأبواب مفتوحة أمام هجرة الإيغور الفارين من الصين.
تأخر التوضيح الصينيّ بشأن تصريحات سفيرها بدمشق حول عزم بكين المشاركة بمعركة إدلب، ساهم بتضخيم موضوع المشاركة العسكريّة الصينيّة، رغم أنّ السياسة الصينيّة تبدي دائماً، حذراً بالغاً حيال إرسال قواتها للقتال خارج البلاد. ورغم إعلانها الدائم تأييد لمحاربة الجماعات الإرهابيّة كداعش في سوريا والعراق، إلا أنّها لم تنخرط عسكريّاً بالتحالف الدوليّ الذي تقوده واشنطن لمحاربة مرتزقة داعش.
11/4/2017 وقد ازداد القلق الصينيّ من تنامي قوّة المرتزقة الإيغور في سوريا واحتمالات عودة هؤلاء إلى الداخل وقيامهم بعمليات تزعزع الأمن، ما دفع بالصين إلى رفع مستوى تعاونها العسكريّ مع الجيش السوريّ بغية دعمه في قتال هؤلاء، فضلاً عن رغبتها بتوسيع دورها العسكريّ بالعالم، وبخاصة الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد زوّدت دمشق حكومة الصين بأسماء أكثر من 221 إرهابيّاً إيغوريّاً، وطلبت الصين معلومات تفصيليّة عن أماكن وجودهم، وخرائط ميدانيّة لمعسكراتهم والدعم التركي لهم. وحصلت سوريا على ثماني طائرات مسيّرة صينيّة لرصد تحركات المرتزقة “الإيغور” في إدلب، ويتم التنسيق مع وزارة الدفاع الروسيّة للتصدي لهم والتركيز على قطع الدعم التركي عنهم.
وترى الصين أن اكتساب حزب تركستان الإسلامي لأي نفوذ ضمن تشكيلات المعارضة السورية المتشددة، من شأنه أن يحول إقليم شينجيانغ إلى أفغانستان ثانية، وقد يستقطب مرتزقة، ليس فقط من أبناء الإقليم، وإنما كذلك من جنسيات مختلفة، لا سيما وأن ثمة اتهامات لدولة الاحتلال التركي بدعم هؤلاء المرتزقة، وهو ما يفسر الاعتراض التركي على شن أي حملة عسكرية ضدهم في إدلب.
وخلال عرض عسكريّ في تشرين الثاني 2017، هدد “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ” بوضوح الحكومة الصينيّة، وكان العرض الأول من نوعه، اُستعرضت فيه عشرات العرباتِ العسكريّة، ودبابات «T62»، ورشاشات ثقيلة. ولعل هذا التهديد يشير إلى انتقال المعركة بين الحزب والحكومة الصينيّة إلى سوريا، وقد أعلن “أبو رضا التركستانيّ” والذي يعتقد أنّه سوريّ، مسؤوليته عن هجوم انتحاريّ في أورومتشي، في أيار 2014، وهجوم آخر في ميدان تيانانمين في تشرين الأول 2013. وقد شهد عام 2009 أعمال عنف دامية في إقليم شينجيانغ.
تدخّلٌ عسكريّ بدائرة الاحتمال
مع بروز نشاط المرتزقة الإيغور وزيادة نفوذهم أُجبرت بكين على تعديلٍ جادٍ في أهداف سياستها الخارجيّة بالشرق الأوسط، وفي آذار 2016 عيّن الرئيس الصينيّ شي شياو يان مبعوثاً خاصاً لسوريا وأسندت إليه مهمة سريّة متعلقة بضمان أمن الصين الداخليّ، بالتنسيق مع القوى العسكرية الموجودة في سوريا (روسيا، إيران، وسوريا)، بهدف تدمير الحزب الإسلامي التركستاني الذي يقاتل في الأراضي السورية. وفي 16 آب زار وفد عسكريّ صينيّ دمشق، وناقش مسألة القضاء على مرتزقة الحزب الإسلاميّ التركستانيّ، وآفاق التعاون الثنائيّ.
 في بداية آب 2018 كثّفتِ الصين الاتصالات فيما يخصُّ ملف إدلب، فهي تشعر بقلق حيال تنامي قوّة المرتزقة الإيغور في سوريا واحتمالات عودتهم إلى الصين، لذلك تتابع التفاهمات الدوليّة حول التناقضات حول مصير المرتزقة الأجانب في سوريا، وطريقة التخلص منهم. ولذلك؛ زادت الصين تعاونها العسكريّ مع دمشق، فضلاً عن الدعم الاقتصاديّ.
وكان المبعوث الصيني الخاص إلى سوريا زار دمشق، في 19/4/2016، وفي 9/12/2016 وكرر موقف بلاده الداعي لحل الأزمة السورية بالطرق السلمية والدبلوماسيّة، لكنه لمّح إلى احتمال مشاركة بلاده عسكريّاً في سوريا عبر التأكيد على وقوف بكين إلى جانب دمشق في حربها على الإرهاب حتى استئصاله بالكامل. واقترح المبعوث الصيني “تشكيلَ قوةٍ موحَّدةٍ جادة لضرب الإرهاب وتطهير المنطقة من بؤره، فالإرهاب خطر عالمي يُهدّد كل دول العالم”، وفق موقع “الصين بعيون عربية”.
قال السفير “تشي تشيانجين” في 1/8/2018 أنّ جيش بلاده مستعد للمشاركة مع الجيش السوريّ بمعركة إدلب أو أيّ مكان آخر في سوريا لمكافحة الإرهابيين وبخاصة “الإيغور”، في حين اعتبر الملحق العسكريّ الصيني بدمشق “وانغ روي تشنغ” أنّ الأمر يحتاج لقرارٍ سياسيّ. وأكد السفير “تشيانجين” أنّ بلاده تعتبر مكافحة “الإرهابيين” في سوريا لا تصب في مصلحة الشعب السوريّ فحسب؛ بل في مصلحة الشعب الصينيّ وشعوب العالم. وشدّد على أن الجيش الصينيّ يتعاون عسكريّاً لتحييد “الإرهابيين” من أقلية الإيغور الذين قدموا من الصين للمشاركة في الحرب السوريّة، لا شك أن عنوان الصحيفة المقربة من الرئيس أردوغان، تعكس قلق الاحتلال التركي من الحماس الصينيّ لفتح معركة المصير بإدلب. خاصة أنّ بكين أرسلت موفداً خاصاً إلى دمشق عقد اجتماعات مع أرفع مستوى للمسؤولين بدمشق.
وتمَّ تداول نشر وحدتين معروفتين باسم نمور سيبيريا ونمور الليل، للمحاربة في سوريا. وفي آذار 2018، تحت عنوان الدعم اللوجيستي والطبيّ وتدريب الجيش السوريّ وإرسال مستشارين عسكريين صينيين ومعدات عسكرية وذخائر، رغم نفي التقارير مساعداتها العسكرية للنظام السوري، وتحصر تعاونها بالإمدادات الإنسانية فقط. وبمعزل عن مدى صحة التدخل العسكري الصيني المحتمل، فالصين تتابع باهتمام مصير هؤلاء المرتزقة الذين يضمون بضعة آلاف يحملون جنسيتها، خصوصاً وأن الأطراف المؤثرة في الملف السوري تخوض حالياً، نقاشات حول كيفية التخلص من هؤلاء المسلحين. ويبقى الدافع الأساسيّ لأيّ دورٍ عسكريّ صينيّ محتملٍ في سوريا هو القضاء على مرتزقة الحزب التركستانيّ، وتوجيه رسالة تخويف للإيغور لديها، مفادها أنّ أيّ نشاط مسلح لحمل الحكومة الصينيّة على الخضوع لمطالبها أمرٌ مرفوضٌ وسيُاجه بالقوة.
وإن كان التدخل العسكريّ لم يثبت إلا أنّ الصين قدمت مساعدات ماليّة وصلت إلى 7 مليارات دولار لسوريا. وحصلت على تسهيلات بحريّة بالقاعدة البحريّة الروسيّة بطرطوس، كما تتطلع لتعزيز موقعها كأحد أكبر مستثمرين في تمويل إعادة إعمار سوريا، بالتوازي مع روسيا وإيران. ولكن؛ مراقبون يقللّون من جدوى مشاركة الصين في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، ويرون مصلحتها بتحقيق الأمن، بدل الدعم الاقتصاديّ، بمنع تنامي قوة مرتزقة الحزب التركستانيّ الذين اكتسبوا خبراتٍ قتاليّةً عالية في سوريا.
 ثروات الإقليم وطريق الحلم الصينيّ
تبلغ مساحة إقليم شينجيانغ 1.6 مليون كم2 وتعادل سُدس مساحة الصين، عاصمتها أورومتشي، ولها حدود مع ثمانية بلدان (منغوليا وروسيا وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان، وباكستان والهند)، وبذلك لها أهمية في التواصل مع العالم الخارجيّ. وتتمتعُ بوفرةِ الثرواتِ الطبيعيّة، يصل إنتاج النفط فيها إلى 8 ملايين برميل في اليوم ويقدّرُ الاحتياطي بنحو 8 مليارات طن. وتنتج سنويّاً 600 مليون طن من الفحم الحجريّ، وفيها 6 مناجم يستخرج لأجود أنواع اليورانيوم، إضافة لمعادن أخرى منها الذهب. والزراعة مزدهرة فيها وتوفِّر تركستان الشرقيّة 40 % من الدخل القوميّ الصينيّ.
تتبع الصين سياسة التضييق على الهويات الثقافيّة والدينيّة والعرقيّة وتعارض بقسوة دعوة الحزب الإسلاميّ التركستانيّ لقيام دولة إسلاميّة مستقلة في تركستان الشرقيّة ومحاربة الحكومة الصينية الذي وتتشدد في موقفها إزاء الهجمات الإيغور المسلّحة. وفي الوقت نفسه أضافت الحكومة إلى تعبير “الانفصال والانفصاليين” تعبيراً آخر هو “التطرف والمتطرفين”، الذي يشمل: العلماء وطلبة العلم الشرعي والمشايخ والأئمة والخطباء والدعاة، العائلة التركستانية برمتها إذا لم تلتزم بشروط الحكومة الصينية فيما يتعلق بالتعليم الديني والعبادات، كما عارضت بناء المساجد أو ترميمها، وتضع قيوداً على مضمون الخطب الدينية والدعوة والإرشاد، واللباس والمظاهر الإسلامية، والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينيّة.
ولكن الكلمة المفتاحيّة في الإقليم اليوم ليست الثروات فقط، بل مشروع طريق الحرير العملاق الذي يمرّ بالإقليم، الذي يتشارك الحدود البريّة مع لها ثمانية بلدان (منغوليا وروسيا وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان، وباكستان والهند) ما يعطيه أهميّة نوعيّة في هذا المشروع الذي تتوقع الصين أن تكون عائداته حوالي تريليوني دولار سنوياً ويصل أوروبا بالصين مباشرة، والمبادرة هي استراتيجيّة تنمويّة طرحها الرئيس الصينيّ تتمحور حول التواصل والتعاون بين الدول، وخصوصاً بين الصين ودول أوراسيا، تتضمن فرعين رئيسيين، وهما “حزام طريق الحرير الاقتصاديّ” البريّ ويتضمن ستة ممرات، وكذلك “طريق الحرير البحريّ”. كما يتضمن إنشاء سكك حديد بين الصين و30 مدينة أوروبيّة، ودعماً صينيّاً كبيراً ينقذ الاقتصاد اليونانيّ، وقد وافقت 68 دولة على المشاركة في المبادرة، التي أعلن عنها للمرة الأولى عام 2013. ولأجل المشروع اشترت بكين مرفأ كومبور قرب إسطنبول وهو ثالث ميناء تركيّ ونقطة الوصل بين البر والبحر أي الحزام والطريق. كما تبني الصين في بيلاروسيا مجمعاً صناعيّاً للتكنولوجيا في مينسك، وهو أكبر مجمع تقيمه الصين في الخارج.
خلافاً للصيغ الداعية إلى مواجهات جيوبوليتيكيّة كبرى بين القوى الرئيسيّة في النظام العالميّ بين قوى البر (التيليروكراتيا) والتي تعبّر عن الصين وروسيا وهي التي تناهض سياسات الهيمنة الأطلسيّة، وقوى البحر (التالاسوكراتيا) التي على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا ومن يسير في ركبهما، يؤكد أصحاب مشروع الحزام والطريق أنّه يتيح أعلى مستويات من التعاون والتبادل بين كل القوى العالميّة، فالصين ستتعاون مع روسيا في كلّ المنطقة الأوراسيّة الكبرى وتتجاوز بعض الحساسيات التاريخية أو المواجهة بين المشاريع الإقليميّة. وقد تعهد الرئيسان الروسي بوتين والصيني شي في أيار 2014 السعي إلى إيجاد فرص لدمج مفهوم الحزام الاقتصاديّ لطريق الحرير مع مفهوم الاتحاد الاقتصاديّ الأوراسيّ. وأما الهند فليس من مصلحتها أن تستمر في منافستها للصين في المحيطين الهادي والهنديّ، بل تجد الدولتان نفسيهما في مواجهة التحديات لتوفير سبل العيش اللائقة لما يقارب ثلاثة مليارات نسمة، وقد خطتا خطوات هامة بالتنسيق والتعاون عن طريق منظومة البريكس.
بذلك فالسياسة الصينيّة قد تشهد تحولاً محتملاً إزاء سوريا، وسائر دول المنطقة، وهي تفترضُ أنّ مشروعَ طريقَ الحرير الذي تحييه من شأنه أن يعزز السلام بالمنطقة، فيما يدها على مطفأة الحريق خوفاً من اندلاعها في عقر دارها، وقد يزيدها المرتزقة العائدون من سوريا…