مهرجان المسرح…مسرح المجتمع والحياة

77
عبدالرحمن محمد –

للعام الرابع على التوالي ورغم كل المعوقات والصِعاب يُقام مهرجان الشهيد “يكتا هركول” في إقليم الجزيرة وفي اليوم العالمي للمسرح وبالتزامن مع يوم المسرح الكردي الذي كان باستشهاد رائد المسرح الكردي “الشهيد يكتا هركول” الذي جعل من جسده مشعلاً ومن روحه مثالاً ومنبراً لحب الثقافة والأدب والمعرفة، فكانت إقامة المهرجان باسمه وفي هذا التاريخ عُرفاناً بعظمة مكانته وعلو شأنه في قلوب وضمائر كافة أبناء شعبة وبالأخص مُحبي المسرح.
 المجتمع على خشبة المسرح
ما من شك إن المسرح أبو الفنون بجدارة وعلى خشبته لابد من تعانق الصوت والصورة، الحركة والسكون، والموسيقا والضوء، وإحساس الممثل وصدى روح المخرج ورهافة ودقة تفاصيل الحدث الذي يقدمه النص، ليقدم للركن الثالث والأهم في المسرح هو الجمهور، وجمهور المسرح في إقليم الجزيرة ليس بالجمهور صاحب التجربة الطويلة مع المسرح، فالمنع والرقابة والصهر كان حال المسرح الذي كان غائباً ومغيباً قبل ما شهدته المنطقة من ثورة شاملة، ولهذا فإن عمر المسرح كفن جماهيري في إقليم الجزيرة عموماً لا يكاد يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. والمسرح كفن ممارس أيضاً ما زال يفتقر للتجربة والحرفية والمهنية الحقة وبهذا يتماثل الجمهور مع العاملين في هذا الفن من حيث محدودية التجربة والمتابعة وأهمية ما يقدم، غير إن السمة الأساسية التي جمعت النسخ الأربعة من المهرجان هي المسرح الملتزم بقضايا المجتمع والثورة.
 آفاق واسعة وخُطى محدودة
في كل حدث ثقافي كان أم اجتماعياً أو اقتصادياً، يفترض الاستفادة من التجارب السابقة وهكذا كانت تجربة المسرح بنسخه الثلاث السابقة، وكانت التغييرات جذرية في بعض الأمور من جهة الإعلان عن المهرجان والتواصل مع المؤسسات والجهات المعنية محلياً وحتى عالمياً وتجاوز القائمين على المسرح العديد من تلك العقبات، ومنها ضعف الإعلام والتواصل واستقدام خبرات مسرحية للتقييم والنقد والصالة وخشبة العرض، ويبدو أن اللجان التي تابعت العمل منذ البداية توفقت بانتقاء الأعمال المشاركة التي تقاربت مستوياتها وكان التنافس بينها واضحاً من حيث الموضوع والتوجه والحضور اللافت الذي واكب أيام المهرجان.
 التجربة والنقد البنّاء خطوات نحو مسرح مجتمعي
ككل عام كانت الخطوة الهامة والمميزة في مهرجان المسرح الحوار الذي كان يعقب كل عمل ومناقشة الأعمال المُقدمة بين الجمهور وكادر المسرحية من ممثلين وفنيين وكاتب ومخرج وغيرهم، وتفسير بعض النقاط وشرح بعضها والاستفادة من النقد الذي كان بناءً في مجمله، وبذلك كان الجمهور على بينة ودراية بالكثير مما قد يلتبس عليه من أمور قد لا يفهم المراد بها للوهلة الأولى، الخطوة الأخرى كانت انتقاء الأعمال المشاركة والتي كانت في مجملها متقاربة المستوى، وأظهرت – برأي الجمهور- بعض الأعمال والممثلين في مستوى النجومية والتألق ما يشجع على مزيد من الإبداع، الأمر المميز الآخر والذي استحق التقدير الجمهور الكبير والواسع الذي تابع المهرجان بشغف واهتمام منقطع النظير، فيما كانت بعض النقاط الأخرى والملاحظات التي همس بها جمهور المهتمين والمتابعين وهي أن المهرجان لم يستطع مرة أخرى وكما في الكثير من الحالات أن يلتزم بمواعيد العروض التي حددها مسبقاً ولأكثر من مرة كان الجمهور ينتظر لفترات طويلة لغياب عضو في فرقة أو في لجنة ما، وفي ختام المهرجان كانت الآراء متباينة حول منح الجوائز والتقييم، وأيضاً الكم الكبير من شهادات التقدير التي وزّعت هنا وهناك مما أفقد تلك الشهادات والجوائز قيمتها لكثرتها، وعدم تشجيع الأعمال التي تشجع على تقدم المسرح المحلي وكتّاب المسرح لأن جائزة أفضل نص ذهبت لنص أجنبي  مترجم ومُعد.
المسرح مرآة المجتمع بكل ما  تعنيه الكلمة ولعلنا الآن أحوج من أي وقت مضى إلى مسرح مجتمعي، لنكتسب مجتمعاً يفهم المسرح ويرى فيه ذاته، وأن كان مهرجان المسرح فرصة لتطويره ودفعه للأمام فالأجدر أن لا تقتصر النشاطات المسرحية على المهرجان بل أن يصبح المسرح نشاطاً اجتماعياً وفنياً وثقافياً تعيشه ويعيش فينا.