المثقف والمتعلّم

199
أحمد اليوسف –

هناكَ جدلية نسمعها مؤخراً بشكل دائم وهي هل كل المتعلمين مثقفون، وهل كلُّ المثقفين متعلّمون؟
التعليم بابٌ واسعٌ متعدد الجوانب، ولكن الثقافة بابٌ أوسع وجوانبه مفتوحة ولا محدودة، تتوقف على قدرة الراغب في المزيد للوصول إلى ما يريد وتظمأ نفسه للحصول عليه من شتى المعارف والعلوم والخبرات في جوانب الحياة.
وعلى هذا الأساس سنقدّم بعض النقاط التي تحدد من هو المتعلّم ومن هو المثقف وسنختصر ذلك حسب المساحة المسموح لنا بها في هذه الزاوية، على أمل أن نوفّق في تبيان هذه المسألة الدقيقة فالتعليم والثقافة صنوان لا يفترقان في نظر الجميع إلّا أن الحقيقة التي لا بدّ من ذكرها هي أنّه وبلا شكّ يوجد بون شاسع بين المثقف والمتعلم، فإذا نظرنا إلى المثقف من باب النضوج الفكري والعلمي والاجتماعي والقدرة على توظيف ما لديه من المعارف في مختلف الميادين العلمية والأدبية والاجتماعية، لتصبح جزءاً من السلوك العام للفرد وتعكس القدرة على التفاعل الإيجابي مع المواقف والأحداث.
ندرك تماماً أن ليس كل شخص حاصل على شهادة جامعية مهما علت مرتبته، يستحق أن تطلق عليه كلمة مثقف، وإلا لجردنا كل أولئك الذين لا يحملون شهادات ممن يتسلحون بالمعرفة العامة ويستثمرونها إيجابياً من صفة مثقف، ولجاز لنا أن نطلق صفة مثقف على كل حاملي الشهادات، وهذا بلا شك يجانب الصواب.
ما ذكرناه، لا يعني بالضرورة إمكانية بناء جدار فاصل بين المثقف والمتعلم، فقد يكون المثقف متعلماً، وقد يكون المتعلم مثقفاً لكن ليس بالضرورة كذلك أن يكون كل مثقف متعلم وكل متعلم مثقف، فالمثقف بالمجمل على درجة أعلى وأوسع من الوعي والإلمام والتنوع المعرفي مما هو لدى المتعلم، والمثقف بالمجمل لديه قدرة أكبر للتعبير عن الذات وتوظيف حصيلة المعرفة المتنوعة التي لديه في الموقف المناسب، أما المتعلم فعلمه يكون في مجال محدد أو أكثر، فالمتعلم، إن تفوق عمودياً على المثقف بحكم التخصص في مجال أو أكثر، فإن المثقف يتفوق على المتعلم أفقياً بحكم التنوع والنضج المعرفي والقدرة على استثمار هذه المعرفة بالكم والكيف الذي يتطلّبهُ الموقف.
ومن الصفات الرئيسة التي يجب توفرها في المثقف، هي القدرة على التأثير في الآخرين وإلا ما الفائدة من كم هائل من الثقافة والمعرفة لدى شخص ما، إن لم يستطع توظيفها والتأثير بالآخرين وبالتالي ظهور نتيجة هذه الثقافة على سلوك المثقف نفسه وسلوك الآخرين.
ولا بد من صفات يمتاز بها المثقف عن المتعلم، إذ هو بالمجمل شخص مبادر ومتابع ومطّلع ومحايد ومنطقي، ولديه من الخبرة التراكمية والتجربة المصقولة الكافية، فهو مبادر في الحصول على المعرفة ومتابع ومطلع لمجريات الأحداث بشكل عام، وهو محايد في الحكم على المواقف يترفع عن الشخصنة والأنا، ومنطقي في توظيف المعرفة والخبرة والتجربة واستدراجها حسب الأولويات، وهو شخص على درجة عالية من الذكاء وسرعة البديهة.
وأخيراً يجب أن يكون لدى المثقف قدرة على التفاعل مع مجتمعه والقدرة على النقد البنّاء والقدرة على الربط والتحليل والاستنتاج.
وبذلك نكون قد بيّنا قدر المستطاع الفرق بين المثقف والمتعلّم، فلنقس قدارتنا ونرى لمن ننتمي نحن؟ للمثقفين أم للمتعلمين فقط؟