الإرهابُ من عبواتٍ لقنابلَ موقوتةٍ

171
تحقيق/ رامان آزاد –

الإرهابُ ظاهرةٌ لا تنفصلُ عن السياق التاريخيّ ولا الثقافيّ العام، وهي حالة تراكميّة معقّدة، متعددة المستويات، وما تمّ إنجازه في المرحلة الأخيرة بريف دير الزور كان نوعيّاً، وجاء تتويجاً لجهودٍ كبيرةٍ ومراحل كثيرة بدأت في كوباني ومنبج وتل أبيض (كري سبي) والطبقة والرقة وكامل ريف الحسكة ودير الزور، وكان الباغوز الحلقة الأخيرة فيه، وما كان كلّ ذلك ليتحقق مجاناً، بل فاضت أرواحٌ، وخفقت قلوبٌ طفقت تطلب الحرية.
مجرمو حرب وليسوا أسرى
ما تمّ إنجازه هو تحريرٌ المدن والبلدات والقرى لتمكين من العودة إلى بيوتهم ومتابعة حياتهم وإنهاء حالات التشردِ والنزوح، بمعنى هو دحرُ الإرهاب جغرافيّاً، فيما لا يزال مطلوباً بذلُ المزيدِ من الجهودِ وأخذ الحيطة والحذر، فالإرهابُ زرع عبوات الموتِ في كلِّ مكان ومن الصعوبةِ بمكانٍ الحصول على خرائط تفصيليّة دقيقة بأماكنها، رغم أنّ مقاتلي قسد يبذلون أقصى جهودهم في عمليات إزالة الألغام ولا يسمحون للأهالي بالعودة إلى بيوتهم إلا بعد تأمينها، إلا أنّ حوادث معدودة متفرقة صُودفت لانفجارِ العبوات والألغام، الأمر الذي يتطلبُ تعاوناً مباشراً من الأهالي للإعلام عن أيّ اشتباه.
ثمّة نوعٌ آخر من العبوات ليس من السهلِ ملاحظته، وهم الأفراد الذين تسكن عقولهم أفكار التطرف ممن ذاب بين الجموع الكبيرة للأهالي فهم من أبناء المنطقة، وتمكّنوا من التحفّي عن الأنظار، وبعضهم كانوا عناصر لدى داعش، وهم على قلتهم إلا أنّهم قنابل موقوتة قابلة للانفجار في مواقيت غير محسوبة، متى سُحب مسمار أمانها. ولذلك؛ يتطلب الأمرُ يتطلب الحيطة والانتباه.
المسألة ليست لأنّ التحريرَ لم يكن ناجزاً ولم يستوفِ أشراطه، بل لأنّ الإرهاب هذه طبيعته، وهكذا يبدأ، من غزو العقولِ واحتلالها وحشرِ أفكارِ التطرفِ والكراهيةِ فيها، وعندما يتمُّ استئصاله جغرافيّاً فهو يعودُ إلى بداياته فكراً فقط، دون ظهورٍ علنيّ على الأرض.
لا يمكن اعتبار الإرهابِ بأيّ صورةٍ كانت أنّه يمثل حالة معارضة أو رفضاً لنظامٍ سياسيّ ورغبةً في التغيير، بل هو انقلاب كليّ على قوانين الحياة وتهديد للسلامة العامة والوجود الإنسانيّ، وبذلك يمثل أخطر جائحة يمكن أن تصيب المجتمعات الإنسانيّة، ولعلنا نصدم وتنعقد ألستنا أمام مشهد انفجار عبوة أو تفجير انتحاريّ في سوقٍ يضجُّ بالحياة والحركة وفجأة يهتز المكان مع صوت رعدٍ مدوٍ، وتتحول الأجساد المتكملة التي كانت تسعى في السوق إلى أشلاء متناثرة ويصطبغ المكان بالدم، فيما أنين الجرحى يصمّ الأذان. هذه هي الصورة العامة والنمطيّة للإرهاب فيما تتعدد صوره التفصيليّة.
طيلة أربع سنين ونيف اعتمد مرتزقة داعش القتل سلوكاً عاماً للسيطرة على المناطق، ومارس طقوساً هجينة فيها الساديّة والوثنيّة، وكان ترديد التكبير شكلاً طقسيّاً يكمل المشهد الرهيب، وحتى في أناشيدهم مارس المرتزقة الإرهاب فهددوا وتوعدوا، وكان القتل ضروباً عجيبة (الرصاص، النحر، الحرق، الإغراق، والرمي من أماكن عالية، وحتى بالركل) ولم يتورعِ المرتزقة عن تقطيع الأوصال، كما انتزعوا من الطفولة براءتها فجعلوها “أشبال خلافتهم المزعومة” فيما كان الدهس سلوكاً إرهابيّاً خاصاً بشوارع أوروبا.
كان يُفترض بهذا العالم الذي يخشى الإرهاب ويحتسب لمخاطره أن يُبدي حجماً كبيراً من التعاون في مكافحة الإرهاب ومن ثم مسألة محاكمة أفراد داعش الذين وقعوا في قبضة قوات سوريا الديمقراطيّة، وأن يرتقيَ إلى مستوى المسؤوليّة الأخلاقيّة بهذا الشأن. والواقع أنّه خذل القيم الإنسانيّة، وبشكلٍ يثير الريبة تم تداول مسمّى الأسرى أو المحتجزين ليمنحَ حقوقاً مجانيّة للإرهابيين لا يقرّها الضميرُ الإنسانيّ ولا القانونُ الوضعيّ؛ لأنّ من أُلقي القبضَ عليهم مجرمون محترفون امتهنوا القتلَ وارتكبوا جرائمَ حربٍ متسلسلة تعافُها الفطرة السليمة وتعدّوا قوانين الحرب بقتلِ المدنيين العزل بدافع عرقيّ أو مذهبيّ. وأما أسيرُ الحرب؛ فهو العسكريّ أو المقاتل الذي ينتمي لطرفٍ حاز على شرطِ الشرعيّة وقاتل العسكريين في الطرف الآخر، ثم وقع في قبضة الطرف الآخر أو سلم نفسه له.
الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحدِّ، فالموقف الأكثر سوءاً هو بياناتُ الحكوماتِ وتصريحاتُ مسؤوليه بعدمِ الاستعدادِ لاستعادةِ رعاياها الذين مارسوا الإرهاب والقتل، وكانت على علمٍ بهم عندما غادروا ليلتحقوا بجبهات الجهاد المزعومة، وراحت مواقف الدول تتأرجح بين موافقة مواربة ثم الفتور أو التنصل من مسؤوليتها، وكأنّها وجدت في بلادنا مكبَّ نفاياتها.
مما لا شكَّ فيه أن ضرورة المحكمة تنبثق من صعوبة الاحتفاظ ببضعة آلاف من المرتزقة رهن الاحتجاز لفترة طويلة وهم رعايا نحو 50 دولة، فالمماطلةُ لا طائلَ منها أبداً، كما أنَّ تشكيلَ محكمةٍ كهذه سيعيدُ شيئاً من الثقةِ بالعدالة الدوليّة ويعزّزُ مبدأ الحياديّة بالمحاكمة، ما يضمن تحقق العدالة، ويكون له تداعيات إيجابيّة، إلا الحكومات المتورطة مباشرة بدعم الإرهاب. ولذلك؛ فالموقف الأكثر منطقيّة هو تداعي كلّ الدولّ ذاتِ العلاقة للتعاونِ لعقد محكمة دوليّة لمحاسبة الإرهابيين، حيث تتوفر مستلزمات المحاكمة، من أدلة ماديّة وشهود لإجراء التحقيقات اللازمة وجمع البيانات وتوثيق المعلومات، وحيث يمكن للضحايا أن يشهدوا بأم العين بقية العدالة في العالم.
 محاكمة الجريمة حيث وقعت
ربما نتفهم على مضض خوف الحكومات من عودة المرتزقة الإرهابيين من سوريا بعد أن مارسوا كلَّ أنواع الإجرام، والمسألة تتصل بأمن المجتمعات، وقد شهدت كثيرٌ من مدن أوروبا حوادث إرهابيّة مفجعة. ولكن؛ من غير المفهوم ألا تبدي الحماسة لمحاسبة الإرهابيين، ومن المواقف الإيجابيّة ما صدر عن حكومة السويد، في تصريح لصحيفة أفتونبلادت في 6/3/2019 طالب رئيس الحكومة السويديّة ستيفان لوفين بمحاكمة دوليّة لمرتزقة داعش بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجاء التصريح بالتوازي مع معركة تحرير الباغوز. وفي اليوم التالي جدد وزير الداخليّة السويديّ ميكاييل دامباري الطلب نفسه وقال في حديثه للإذاعة السويدية: “نرى أنّ عدداً من بلدان الاتحاد الأوروبيّ، وبينها السويد، لا تخطط لإعادة مواطنيها من بين مقاتلي داعش”.
وفي 21/3/2019 قال المتحدث الرسميّ باسم الحكومة البلجيكيّة في تصريح صحفيّ: “إنّ مجلس الأمن القوميّ البلجيكي، في جلسة عقدها برئاسة رئيس الوزراء، شارل ميشيل، أعرب عن دعمه لفكرة تحقيق “العدالة الدوليّة”، بالتعاون مع بلدان أخرى، بحق “الدواعش الأوروبيين” المحتجزين”. وكانت صحيفة “كورونا تسايتونج” النمساويّة، قد اقترحت محاكمة مرتزقة داعش من خلال محاكمات خاصّة تحت إشراف الأمم المتحدة، وأن ذلك يعتبر حلاً مرضياً لكلّ الأطراف.
في 25/3/2019 طالبت قوات سوريا الديمقراطيّة، بإقامة محكمة دوليّة في شمال سوريا، ودعتِ المجتمعَ الدوليّ لإنشاء محكمة دوليّة خاصة للنظر في جرائم داعش ومرتزقته ومحاكمتهم في شمال وشرق سوريا، وأشارت في بيانٍ إلى أنّ المرتزقة يجب أن يخضعوا لمحاكمة “في مكان وقوع الفعل الجرميّ”، وأن “تتم المحاكمة بشكل عادل ووفق القوانين الدوليّة، وبما يتوافق مع العهود والمواثيق المعنية بحقوق الإنسان”.
وإذ أخذ تأييد فكرة المحكمة من قبل الدول الأوروبيّة منحىُ تصاعديّاً، تحفظت الولايات المتحدة. ولكنها؛ دعت كلّ الدول إلى استعادة مواطنيها المتهمين بالمشاركة في القتال إلى جانب  مرتزقة داعش الإرهابي. وقال المبعوث الأمريكيّ الخاص لسوريا، جيمس جيفري: “لسنا بصدد دراسة هذا الاحتمال في الوقت الحاضر”، إلا أنّه أشار إلى أنّ بلاده ستمارس ضغوطاً على هذه الدول لتستعيد مواطنيها، سواء كانوا مسؤولين عن جرائم أم لا”، وهذه الدول لم تبذل ما يكفي من الجهودِ لاستعادتهمِ وإيجادِ المخرجِ القانونيّ لمحاكمتهم.
المحامي، كلايف ستافورد سميث، من منظمة “ريبريف” غير الحكوميّة، أشار إلى أنّه يمكن للمجتمع الدولي تقديم الدعم اللوجستيّ والقانونيّ للإدارة الذاتيّة في شمال سوريا لإنشاء محاكم محليّة وفق المعايير الدولية، وأما كبار قادة الإرهاب فيمكن أن يمثلوا أمام محكمة دوليّة وبذلك يكتمل سياق المحكمة.
 من يعارض قيام المحكمة الدوليّة؟!
من المسائل التي يجدر الوقوف عندها، هي أنّ القوات التي حاربت الإرهاب ودحرته هي قوات سوريا الديمقراطيّة والتي تسعى دولة الاحتلال التركي جهدها على إلصاق تهمة الإرهاب بها، عبر الانتقاص من شرعيّتها وترى أنّ إقامة محكمة كهذه سينتزع الشرعيّة المستحقة من دول العالم بوجودها مع مجلسها السياسيّ، وهو ما تخشاه أنقرة. وأما المسألة الثانية؛ فإنّ أنقرة تعارض أصل القضية، فلا تريد أن يخضع المرتزقة الإرهابيون لأيّة محكمة وألا يُعرّضوا للتحقيقات فهم بنوك معلومات؛ لأنّها متورطة مع كلِّ الإرهابيين في جرائمهم، ومعظم المرتزقة لديهم وثائق رسمية مهمورة بخاتم المؤسسات الرسميّة التركيّة. من جهة أخرى. ومن شأن المحكمة أن تحكم بتعويضات ماديّة للمواطنين المتضررين.
كما هددت موسكو على لسان رئيسها بوتين أنقرة بكشف الأدلة بدعم الإرهاب بعد إسقاط المقاتلة الروسيّة 24/11/2015، واتهمتها بشراء النفط المسروق من الإرهابيين، وجاء التهديد الروسيّ في سياق الضغوط السياسيّة والحملة الإعلاميّة لاستدراج أنقرة إلى تموضع جديدة. وليظهر لاحقاً شخص يُعرف بـ”وزير نفط المرتزقة” يؤكد العلاقة وتلقي الدعم.
لكن، ورغم وجود عشرات الأدلة والبراهين الموضوعيّة حول العلاقة التي تربط أنقرة بتنظيمات متشددة في سوريا، كثيرة، ستبقى تلك الرؤى مطروحة من زاوية اتهامات سياسية دون طائل حقيقي لها، ما لم تتمكن الأطراف السورية والأخرى المعنية، سواء عربياً أو دولياً، من دفع المجتمع الدولي لإقرار محكمة دولية، كونها السبيل الأنجع وربما الوحيد لمحاسبة أطراف أجرمت بحق السوريين، والتي حولت بلادهم رماداً.
أوروبا قبول مع التنفيذ
الموقف الفرنسيّ برفض عودة الإرهابيين عبر عنه الرئيس الفرنسيّ إيمانوبل ماكرون في 27/2/2019 قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “إن محاكمة مقاتلي داعش الفرنسيين الذين تم أسرهم في العراق وسوريا، يجب أن تتم في الدول التي يواجهون فيها اتهامات”. وأوضح الرئيس الفرنسيّ أنّ بلاده ستطلب تحويل عقوبات الإعدام المحتملة ضد المتهمين في تلك الدول، إلى أحكام بالسجن مدى الحياة. وشدّد على أن بلاده لن تقوم بإعادة مرتزقة داعش من الفرنسيين بسوريا والعراق، إلى أراضيها، مشدداً على أن باريس دائماً ما تحافظ على وجهة نظرها بخصوص هذا الموضوع.
وجدد وزير الداخلية الفرنسيّ كريستوف كاستان رفض بلاده لعودة الإرهابيين، وأشار إلى أن بلاده لا تنظر في “إعادة جماعيّة” للمرتزقة الفرنسيين وعائلاتهم المحتجزين في سوريا رغم أن هذه الفرضيّة جرت دراستها في وقت ما.
وقد سبق الأمريكيّ موقف باريس ففي 16/2/2019 دعا الرئيس الأمريكيّ ترامب، حلفاءه الأوروبيين لقبول، ومحاكمة أكثر من 800 مرتزق أوروبيّ من مرتزقة داعش، تحت طائلة إطلاق سراحهم. والمفارقة أنّ ترامب نفسه أصدر في 21/2/2019 أمراً بخصوص مصير هدى مثنى (24 عاماً)، الملقبة بـ”عروس داعش”، حاملة الجنسيّة الأمريكيّة، فيما أكد وزير الخارجية الأمريكيّ بومبيو في بيانه أن “هدى ليست مواطنة أمريكية، ومن ثم لا يمكنها الدخول إلى الولايات المتحدة، حيث لا تمتلك أساساً قانونياً لذلك، فلا جواز سفر أمريكيا سارياً لديها، ولا تمتلك تأشيرة دخول للبلاد”.
وكان مصير مرتزقة داعش الأجانب مضمون المحادثات التي أجرتها وزيرة الدفاع الألمانيّة أورسولا فون دير ليين في 12/4/2019، في البنتاغون، وهو الملف الذي سبب خلافات مع واشنطن. وقالت الوزيرة الألمانيّة: “أكّدتُ مرة أخرى أننا سنعالج كلّ حالةٍ على حدة”. وأضافت: “لكننا مقتنعان بأن المشكلة الرئيسيّة تتمثل بجمع الأدلة في المنطقة حول النشاطات الإرهابية”.
لازال الكثير من العملِ يجب إنجازه لتجفيف منابع الإرهاب الفكريّة، وبذلك يبطل مفعول القنابل الموقوتة وما يُعرف بالخلايا الدائمة، وحل مشكلة المرتزقة الأسرى بمن فيهم النساء والأطفال، فمخيم الهول تجاوز طاقته الاستعابيّة ويضم حوالي 72 ألف شخصٍ، والمطلوب تأمينه من كلّ النواحي. وعليه؛ فإنّ جوهر عملية إعادة الإعمار هو ترميم العقل.