الإيغور من هاربين إلى إرهابيين

204
تحقيق/ رامان آزاد –

نجحت أعداد من الإيغور بالهجرة إلى الدول المجاورة، وسافر الآلاف منهم سراً إلى تركيا عبر دول جنوب شرق آسيا؛ هرباً من الاضطرابات في “شينجيانغ” وقمع السلطات الصينيّة، فيما تستغل تركيا مظلوميتهم وقوداً في مرجل خطتها، فتدعم الحركة الإيغوريّة وتقود التنظيمات العرقيّة التركيّة في سياق طموحاتها التوسعيّة في سوريا وخطتها بالمنطقة. أنقرة حوّلت الإيغور من مظلومين مضطهدين إلى عصابات قتلة، ومن هاربين إلى إرهابيّين.
عرقيّاً الإيغور هم أتراك، وكلمة “الأويغور” uyğur تعني “الاتحاد والتضامن” فيما السلاجقة وأتراك تركيا ينحدرون من قبيلة “الأوغوز oğuz “، ويعيش الإيغور في (تركستان الشرقيّة) غرب الصين وتسميه الصين إقليم شينجيانغ (أي الحدود الجديدة). ويبلغ عدد سكان الإقليم حوالي 21 مليون نسمة، منهم 11 مليون من الإيغور، مع أقليات أخرى (الكازاخ والقرغيز والتتر والأوزبك والطاجيك). ويعتبر الإيغور أنفسَهم جزءاً من القوميّة التركيّة، ويدينون بالإسلام ويتحدثون باللغة الإيغوريّة، وهي لغة قارلوقيّة، من اللغات التركيّة، وتُكتب بالحروف العربيّة.
 على خطا داعش والنصرة
لم يكن للإيغور أيّ بنية تنظيميّة في بداية القدوم الإيغوريّ. لذلك؛ التحقوا بمرتزقة “داعش”، لكن في منتصف عام 2016، أعلن الحزب عن “عدم شرعيّة خلافة داعش”، ودعا للعمل لإقامة خلافة إسلامية بشروطها الشرعيّة والسياسيّة الصحيحة.
نشر مرتزقة داعش نهاية شباط 2017، مقطعاً مصوّراً عنوانه “أولئك هم الصادقون” هدّد فيه شخصُ من إيغور الصينَ بتنفيذ عمليات إرهابيّة غير مسبوقة، حيث قال: “أيها الصينيون الذين لا يفهمون لسان الناس، نحن جنودُ الخلافة، وسنأتي إليكم لنوضح لكم بلسان السلاح، ونسفك الدماء كالأنهار ثأراً للمسلمين”. وظهر بالإصدار أطفالٌ إيغور يتدربون على السلاح. وأبدتِ السلطات الصينيّة إثر ذلك قلقها الشديد.
بعض الإيغور بايعوا النصرة وهؤلاء شكّلوا عام 2013 الحزب الإسلامي التركستانيّ لنصرة أهل السنة TIP. والذي يعُرف بقربه العقائديّ من “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وهو الفرع السوريّ للحزب الإسلاميّ التركستانيّ الذي أسسه أبو محمد التركستانيّ عام 1997، ويدين قائده الثاني عبد الحق التركستانيّ بالولاء للقاعدة وكانت له علاقات قوية بالملا عمر، وتحرّك مقاتلوه بين باكستان وأفغانستان خلال العقد الماضي.
 شراسة بالقتال حتى إعلان الإمارة
ومنذ عام 2013 يقاتل “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ” إلى جانب “النصرة”، في معارك ريف إدلب، فيما استقرّت مجموعاتُ التركستان الأولى بريف اللاذقية إلى جانب مقاتلين أوزبك وشيشان، قبل التحوّلِ لاحقاً إلى الداخل السوري، وتحديداً مدينة سراقب بريف إدلب، ومناطقَ بريف حماة. ويؤكّد شريط فيديو نُشر لاحقاً، أنّ التركستانيّ، قاتل مع النصرة عام 2013 في الرقة والحسكة وحلب وفي أحراش كسب شمال اللاذقية.
في 25/4/2015 سيطر جيش الفتح والذي ضمَّ مجاميع عدة ومعه التركستانيّ على مدينة جسر الشغور في إطار علمية سُمّيت “معركة النصر لتحرير الجسر”، وفي خطوةٍ ذات دلالة رمزيّة رفعوا رايتهم وسط المدينةِ. كما سيطروا على أريحا وإدلب وخان طومان.
قام “التركستانيّ” بتنفيذِ مجازر باللاذقية طالتِ الأهالي بالتعاون مع “الفرقة الأولى الساحليّة” من المكوّن التركمانيّ والتي أسستها حركة “الذئاب الرماديّة” التنظيم التركيّ المعروفُ بتطرّفه القوميّ، والذي تبنّى إسقاط الطائرة الروسيّة “سو 25” عام 2015 فطالبت روسيا بتسليمها زعيمه المدعو ألب أرسلان جيليك، إلا أنّ المخابرات التركيّة أخفته.
وكانت مساهمة التركستان بارزة إلى جانب مرتزقة النصرة وجند الأقصى بالسيطرة على مطار أبي الضهور العسكريّ في 9/9/2015. وتفيد تقارير صحفيّة بأنّ التركستانيّ خسر خلال معارك بريف إدلب مع بداية عام 2016 أكثر من 230 قتيل. وشارك التركستانيّ في معارك حلب وحصار الفوعة وكفريا عام 2015.
استمرَّ تدفقُ التركستان عبر تركيا حتى مطلع 2016. وتداول الحديث عن تجاوز عددهم 8000 مقاتل وانضمَّ لهم سوريون كانوا مقاتلين سابقين بفصيل “جند الأقصى” ومقاتلون من حلفايا بريف حماة وغيرهم، فضلاً عن كتيبة الغرباء المنضوية تحت راية التركستانيّ.
 وفي تموز 2017 شاركت التركستان مع مرتزقة هيئة تحرير الشام للسيطرة على القرى الحدودية وطرد مرتزقة حركة أحرار الشام منها.
4/12/2018 كشف ما يعرف بالزعيم العام للتنظيم الإرهابي “الحزب الإسلاميّ التركستاني”، جند الله التركستانيّ، عن حدود ما أسماها “إمارة” التركستان الصينيين شمال سوريا، وتمتد من “جبل التركمان” إلى سهل الغاب. وتشمل الإمارة المزعومة منطقة جسر الشغور ومناطق أخرى.
حرب تطهير دينيّة مذهبيّة
ينتشر الدروز شمال إدلب ضمن 18 قرية، وهناك عدة قرى وبلدات بإدلب أهمها بلدتي الغسانيّة واليعقوبيّة. ومع سيطرة الميليشيات المنضوية تحت راية جيش الحر والفصائل الجهادية، المدعومة تركياً، على مناطق في ريف إدلب، هددوا الدروز بالإسلام أو بحد السيف، إما الهجرة القسريّة أو الأسلمة. وفي 2014 سيطر مرتزقة داعش على المنطقة، فكُلّف شرعيٌّ سعوديّ يدعى سعيد الغامدي ” بتعليم الدروز أصول الإسلام”، وإلّا الذبح!، ومن بعدهم سيطرت جبهة النصرة وحزب الإسلاميّ التركستانيّ على المنطقة عام 2015، فقاموا بتهديد الدروز والمسيحيين، بدفع الجزية وتعلم الإسلام وفق طريقتهم وضمّ أطفالهم ما بين 10-14 سنة لمعسكرات التدريب، فقوبل الأمر بالرفض واُرتكبت أفظع مجزرة بحق الدروز بقرية قلب لوزة راح ضحيتها أكثر من 40 درزيّاً وهُجروا بعضٌ قسراً وأسلم آخر، عدا عمليات الاغتصاب والخطف الممنهج.
هدم مقاتلو الحزب الإسلاميّ التركستانيّ الأويغور الكنائس السوريّة ومجّدوا أعمال التدمير، وفي ساحات حمص وإدلب تعاون الحزب الإسلاميّ التركستانيّ مع الكتائب الأوزبكيّة وجبهة النصرة. وفي جسر الشغور. قام “التركستانيّ والنصرة” بعملية تطهير للوجود المسيحيّ بريف جسر الشغور، فهدم مقاتلو “التركستانيّ” الكنائسَ ورفعوا أعلامهم فوق ركامها وفوق صليب الكنيسة، ومن الحوادث البارزة ذبح مسيحيّ وزوجته بتهمة العمالة للنظام، فيما قالت قناة العربيّة السعودية أنّ المنطقة علويّة. ونشر مقطع فيديو لهجوم على كنائس جسر الشغور وانتهاك حرمتها من قبل كتيبة “التوحيد والجهاد” الأوزبكية و”التركستانيّ”.
بالتزامن مع الانتهاكات بحق أهالي جبل سماق وقرى الريف الغربي والشمالي لإدلب؛ زاد توافد الإيغور إلى هذه المنطقة سواء من المقاتلين أو من العوائل وأيضاً إلى مناطق الشهباء. فقد طلب قائد الكتائب التركستانيّة أبو رضا قدوم المزيد من التركستانيّين إلى سوريا والانخراط بمجتمعها لمحاربة العلويين، يوم احتلال مدينة جسر الشغور.
وأبرز سمات المقاتل “التركستانيّ” الشراسة وحمل السلاح ولو على مائدة الطعام. وعدم الابتسام، ولهم مع المقاتلين الشيشان والأوزبك، دورٌ كبيرٌ بالسيطرة على المنشآت العسكريّة ويصف عبد الله المحسينيّ مقاتلي التركستانيّ بأنّهم “الأول بالجهاد، لا يعرفون العودة للوراء”. فهم يتميزون بالحنكة ويأخذون الخطوط الأمامّية بمعارك للدفاع عن المدن الاستراتيجيّة بمحافظة إدلب، كجسر الشغور والمناطق المحيطة بها، ووُصفوا بأنّهم “السلاح السريّ للمعارضة السوريّة”، ويمتلكون أسلحة متطورة، كالصواريخ المضادة للدروع، وقد صمدوا بمعارك منطقة “الجب الأحمر” الجبليّة الوعرة ضد الجيش السوريّ.
التركستان في سوريا
لا توجد إحصائيّة دقيقة لعدد التركستان ولكنهم بالآلاف ويتحدث البعض عن تجاوزهم عتبة العشرين ألف مع عائلاتهم، ما يجعلهم نقطة مفصلية في أيّة تسوية قادمة، رغم أن إقليم شينجيانج الصينيّ بأغلبيته الإيغوريّة المسلمة، يبعد عن سوريا أكثر من 20 ألف كم، إلا أنّ آلاف المقاتلين، اصطحبوا عائلاتهم معهم وصلوا إلى سوريا خلال السنوات الماضية، وازداد العدد مع استمرار تضييق السلطات الصينيّة على السكان، وفرضها مؤخراً قائمة محظورات تتعلق بالحد من ممارسة الإيغور لحقوقهم الثقافيّة.
المميز بهجرات الإيغور الأخيرة إلى سوريا، أنّها لم تعد هجرة لمقاتلين أفراد، بل تحوّلت إلى هجرة عائلات بأكملها. والسبب أنّ الإيغور بعمومهم فقراء وغير متعلمين، وروابطهم الأسريّة قوية ولديهم نزعة اغترابيّة سياسيّة من المجتمع والحكومة الصينيّة، وهذا سبب هجرتهم إلى سوريا وجلب أسرهم كاملة معهم فيما عُرف “هجرة العوائل”. وهذا وجه الاختلاف مع الجهاديين الآخرين.
وتبلغ تكلفة الرحلة 3000 دولار للشخص الواحد، إذا كانت لدى المهاجر أوراقٌ ثبوتيّة تركيّة، وتصل التكلفة إلى تسعةآلاف دولار إذا كان المُهاجر مطلوباً من السلطات الصينيّة. ويمرُّ الإيغور في رحلتهم بثلاثة بلدان رئيسيّة، قرغيزستان وأوزبكستان وصولاً إلى أذربيجان، حيث يصبحُ التنقل أيسر وأسهل إلى تركيا ومنها يُدخلون إلى سوريا. وقد قام الحزب ببيع بعضِ أسلحته لتمويل هجرة الإيغور من تركستان الشرقية إلى سوريا.
في سوريا يعاني الإيغور صعوبة التأقلم فينغلقون على أنفسهم في مجتمعات خاصة، ويعيشون في قرى ريف إدلب الحدوديّة التي نزح أهلها، ومعظم مهاجري الإيغور في سوريا هم في الأصل ريفيون من غير سكان المدن الكبرى في إقليم شينجيانج.
وتشارك نساء الإيغور في معسكرات خاصة، يتدربن فيها على حمل السلاح. ولجأ بعض الإيغور في مطلع عام 2017 إلى مدينة إدلب مع أسرهم، واتخذوا من منازل مهجورة لموالي النظام مكاناً لهم. ويملك “الحزب” حالياً دبابات وأسلحة ثقيلة، غنمها مقاتلوه من معاركه. ويقيم داعش أيضاً معسكرات خاصة بالنساء حيث يقوم بتدريبهنّ على السلاح والقتال، ولا تتزوج نساء داعش إلا من التركستان، ولا يختلطن بنساء المجتمع المحليّ بإدلب.
كما قاموا إنشاء مدارس خاصة ليتعلم بها الأطفال القرآن الكريم واللغة العربية والتدريب العسكري، وكيفية إنشاء جيل على الفكر المتطرف.
التركستان أداة تركيّة
قدّمت دولة الاحتلال التركي للتركستان الدعم والرعاية، في إطار سياستها التوسعيّة وخطة التغيير الديمغرافيّ في المناطق الحدوديّة، فاتخذوا مستوطناتٍ خاصة مع عائلاتهم التي جاءت معهم بزعم الجهاد بسوريا، واختاروا المنطقة حيث حاضنة الولاء للدولة العثمانيّة على خلفيّة جذورهم التركمانيّة.
يواصل أردوغان الحديث عن معاناة الإيغور واضطهاد الحكومة الصينيّة لهم، وصرّح مراراً أنَّ الإيغور هم السلف الشعب التركي، وأنَّ الرابط التاريخيّ والعرقيّ بين تركيا والإيغور وثيق الصلة لا يمكن اجتزاؤه، وقال مرةً: “تركستان الشرقيّة ليست فقط ضمن الموطن التركيّ وإنما هي مهد التاريخ، الحضارة والثقافة التركيّة، وشهداء تركستان الشرقية هم شهداء منطقتنا”.
استخدم أردوغان المواطنين الصينيين كجيش مرتزقة وقد أعطاهم جوازات سفر تركيّة ليمروا نظاميّاً عبر آسيا الوسطى ويصلوا إلى تركيا. واعترف مسؤولو الهجرة أنَّ هذه الجوازات خاصة وستصادر منهم باستثناء الصينيين الذين يُسمح لهم المرور قانونيّاً للوصول لتركيا.
تتلاعب تركيا بالوقت ريثما تنقذ ما تستطيع من رؤوس قادة الإرهاب (الكبيرة) بإدلب وتسريبهم إلى بلدانهم بمبررات كثيرة العلاج والسفر لأداء مناسك الحج، والحقيقة أنّ الوضع الداخليّ الاقتصاديّ التركيّ المتردّي ووضع أنقرة الإقليميّ والدوليّ والعجز عن استقبال مزيد من اللاجئين، كل ذلك يحتم عليها الانصياع للرغبات الدوليّة ومنها الروسيّة والصينيّة. ونشرت دولة الاحتلال التركي قوات كبيرة على حدودها مع سوريا، لمنع فرار المرتزقة إلى أراضيها.
الميزات التي يتمتع بها الإيغور هي عددهم الكبير وتكاتفهم في بيئات خاصة، والمعاملة التركيّة الاستثنائيّة لهم والحصانة التي يتمتعون فيها من قبل المخابرات التركية، والسلاح النوعيّ الذي ترسله لهم أنقرة. وبذلك تحوّل الإيغور بفعل التدخل التركيّ من مظلومين مضطهدين هاربين تحولوا إلى إرهابيّين في سوريا، فأنقرة؛ هذا دأبها تخلق البؤر السرطانيّة، وتصنع القنبلة الموقوتة وتضبط تفجيرها وفق توقيت أنقرة وانتخاباتها وسياساتها.
دعم الاحتلال التركي التركستان وتجميعهم على الحدود يأتي ضمن طموحاتها التوسعيّة لخلق مبرر التدخل لاحقاً بحجّة الحفاظ على أمنهم، وتأمل أنقرة الحفاظ على الإرهابيين كقوةٍ ضاربة بالمنطقة وتطوير جيبٍ تركيّ في قطاع إدلب، وفق نموذجها بقبرص، عبر التغيير الديمغرافيّ وتشكيل حاجز بشريّ من الموالين لها وتجمع جهاديّ تديره استخباراتها. والكرد هم أول المستهدفين من مشروعها، وبمقارنة الأجزاء الواقعة تحت الاحتلال والنفوذ التركيّ (جرابلس، الباب، عفرين، وشمال إدلب) نرى أوجه التشابه بالسياسة التركيّة لاحتلال الأراضي السوريّة، وتتضمن التتريك والتهجير القسريّ أو صهر المجتمع الموجود في بوتقته الثقافيّة، واستجلاب أفراد من العرق التركيّ من داخل سوريا أو خارجها يضمن ولاءها فيسهل الاحتلال فيما بعد.
إنّ أيّ عمليّة عسكريّة ضد الإيغور ستكون مفصليّة؛ لأنّهم يشكّلون خط الدفاع الأول ولن تكون سهلة، لأنّهم مقاتلون شرسون، ومن ثم الدعم التركيّ المطلق لهم، ولا يمكن التكهن بما ستقوم به دولة الاحتلال التركي، بالإضافة لأسباب أخرى تتصل بطبيعة التوافقات الروسيّة التركيّة؛ فإنّ ساعة الصفر لعملية عسكريّة في إدلب لم تحن، إذ من شأنها العمليّة أن تفتح النقاش حول عفرين المحتلة، وهذا سببٌ إضافيّ للمماطلة التركيّة.