قراءة في معركة تحرير طرابلس

61
فادي عيد –

في بيان حاسم أعلن المتحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية اللواء أحمد المسماري إطلاق عملية تحرير طرابلس، كي يعلن بداية معركة هي الأهم على الصعيدين السياسي والعسكري. معركة طال انتظارها وصبر عليها الليبيون الشرفاء كثيراً جداً. ولكن؛ جاءت اللحظة، فكيف جاءت تلك اللحظة الحاسمة، وما وراء كواليس ذلك المشهد التاريخي، فلكم قراءتنا التحليلية.
أولاً ما لا يعرفه الكثيرون إن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة بلقاسم حفتر، عمل على تطويق طرابلس منذ أسابيع، فكل يوم كان يقترب منها إلى أن عمل على تطويقها، وبداية تحرير طرابلس كانت مع إطلاق الجيش الليبي عملية تحرير الجنوب بمنتصف كانون الثاني الماضي، والتي حققت فيها الرجمة (مقر القيادة العامة للجيش الليبي) مكاسب سياسية على الصعيد الدولي أكثر من المكاسب العسكرية بالميدان، بعد أن أعلنت كافة قبائل الجنوب تضامنها مع الجيش الليبي ضد الإرهابيين والمرتزقة.
ومنا هنا قدمت المؤسسة العسكرية الليبية نفسها للخارج كلاعب سياسي بارع يجيد حل أعقد الأمور بالخطاب بعد أن دخل الجيش العديد من المناطق في الجنوب دون إطلاق رصاصة واحدة، وكعسكري نظامي منضبط يستطيع فرض الحسم العسكري عند الضرورة والوقت فى أي معركة مسلحة، وهو الأمر الذي تفتقده كل الكيانات العسكرية في طرابلس، والتي هي بالأساس مليشيا لا جيوش نظامية. وهي النقطة التي أجبرت دول وأنظمة غربية كانت ترى فى بقاء العصابات فى الحكم على طرابلس ومن ثم ليبيا ضمان لاستمرار مصالحها فى ليبيا، ولكن الأمور أثبتت العكس بعد أن تحولت طرابلس وما حولها إلى أكبر مورّد للمهاجرين غير الشرعيين لدول جنوب أوروبا.
وفى خطاب المسماري؛ نستشف بوضوح على عدم اعتراض المبعوث الأممي غسان سلامة لما يقوم به الجيش الوطني الليبي، وهذا غير مفاجئ؛ فنحن نتذكر كيف تغير تعامل الأمريكيين في الملف الليبي مع حضور السفيرة الأمريكية ستيفاني ويليامز كي تفرض حضور بلادها بجوار الحضور الفرنسي والإيطالي في ليبيا، ومن ثم توجيه غسان سلامة نفسه. وكذلك كان ضرورياً فى ذلك التوقيت فى ظل ما يحدث بالجزائر الملاصقة لحدود ليبيا الغربية إطلاق عملية تطهير الغرب الليبي، استباقاً لأي سيناريو قد يحدث مستقبلاً في ظل ما تشهده بلد المليون شهيد من حرب تكسير عظام فى الكواليس سواء بين أجنحة الداخل (رجال اعمال، جنرالات سابقين وحاليين، معارضة، وإسلاميين)، أو الصراع الذي يتطور كل يوم بين المستعمرين القدامى ودول إقليمية، ولا ننسى أن ليبيا تمثل تحدي هام لثلاثي العربي “مصر، الإمارات، السعودية”، فهي حلبة مبارزة شرسة بين ذلك الثلاثي من جانب وقطر وتركيا من جانب أخر.
ولذلك جاء لقاء الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان مع المشير خليفة حفتر فى قصر اليمامة بالرياض، بالتزامن مع لقاء الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد في الإسكندرية، وهي الزيارة إلى شملت جولة لقاعدة محمد نجيب العسكرية الواقعة بالقرب من الحدود الليبية.
فشمال إفريقيا يفرض نفسه على جدول أولويات الثلاثي العربي، بحكم ما يحدث فى ليبيا والجزائر من تطورات، وبحكم أن الأمر في الشام بات مقتصراً على معادلة لا أحد يستطيع تغييرها أو تعديلها إلا برضا الكبار فقط (الأمريكي والروسي) وكل من سيحاول السير عكس تلك المعادلة سواء كان الإيراني أو التركي سيدفع الثمن غالياً جدا.
ولا يفوتنا أن الأمور فى شمال إفريقيا لن تتوقف عند ليبيا والجزائر فقط، بل ستمتد لموريتانيا أيضاً التى تستعد لاجراء انتخابات فى حزيران القادم قد تكون هي الأكثر سخونةً في ظل ما أقدم عليه قادة التحالف الانتخابي للمعارضة الموريتانية من تشكيك في مصداقية الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران القادم، بعد انتقادهم الناري للجنة المستقلة للانتخابات، كي ننتظر صراع بين ثلاثي “المعارضة، الإسلاميون، مرشح المؤسسة العسكرية ولد الغزاوني”.
عموماً؛ طرابلس حان وقتها يا حكومة الفرقاطة، ولا عزاء لكم غير في نفس سرادق عزاء حزب العدالة والتنمية التركي، وبالتأكيد ستتكفل الدوحة بمصاريف العزاء الذي لن يحضره أحد سوى ما تبقى من قيادات التنظيمات الإرهابية الموالية لهم في سوريا والتي تم شحنها ونقلها سريعاً فى الساعات القليلة الماضية من سوريا إلى ليبيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذ الدول الراعية للإرهاب في ليبيا والتي باتت معروفة للعالم أجمع.