تباين الآراء… وعلاقته بمفهوم التعايش المشترك

83
ليلان جمال –

رُقي الحياة البشرية يتطلب وعي مكونات المجتمع في التعامل وفق القواسم المشتركة بين هذه المكونات على أسس التعايش المشترك والتأسيس عليها من منطلق الاختلاف لا التشابه، وليس هناك في العالم من إدارة لإدارة هذا الخلاف وإنهائه، حتى لا يتحول إلى صراع. فهناك حكمة المبادئ الإنسانية ومنظومة القيم الأخلاقية للتعامل الاختياري لا القسري والإجباري، وبذلك تستمر الحركة لتنتج الإبداع بفهم مشترك لا بفهم خاطئ بالرأي الأحادي، ولا بأسلوب العزل والتهميش ورفض الآخر الذي يخالف الرأي والأسلوب والسلوك، وهكذا؛ فإنه لا مناص من التعايش لتتماسك الإدارة إنسانياً وسياسياً.
فالتعايش معناه الحياة والمساواة والألفة والحوار العلني والضمني بناءً على قواسم مشتركة بين مختلف مكونات المجتمع الواحد، لا يؤذي فيها أحدهم الآخر وهي دلالات حديثة للتعايش عبر قبول آراء الآخرين مهما كان نوع الاختلاف بالرأي. ولو ألقينا نظرة على تاريخ الأمم عبر مختلف المراحل والفترات، لوجدنا أنه من أبرز أسس استمرارها وبقائها وقوتها، هو مدى إمكانية تعايش أفرادها مع بعضهم البعض، وترابطهم مع إداراتهم والمشاركة في إدارة شؤون أقاليمهم. وكثير من الدول تلاشت وتفككت بسبب التناحر على أمور كثيرة كان بالإمكان أن يتفقوا عليها ويتقبلوا بعضهم البعض في قواسم مشتركة لا يضر فيها طرف بالطرف الآخر. لكن؛ في كثير من الأحيان نزعة التسلط والسيادة لرأي محدد وفرضه قسراً وجبراً على الجميع، هو أول خطوة من خطوات الانكفاء على الذات لإعطاء قرارات فوقية متكررة قسرية على الطرف الآخر، مهما كانت الأساليب والممارسات المتبعة. لذلك؛ تؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار هذا المجتمع.
فالمجتمع أمة إنسانية والدولة أمة سياسية وللأفراد والجماعات حق الخصوصية والهوية ضمن الإطار المجتمعي، والدولة هي إطارهم المشترك الذي يمثلهم بوحدات سياسية على أساس من المواطنة الديمقراطية، منضبطة بحقوق وواجبات متساوية ومتكافئة في ظل منظومة الحق والعدالة، لا أن يكون هناك الصهر المجتمعي لحساب الصهر السياسي وأن يقزم التعايش على حساب الصيغ الحضارية المتقدمة للتعايش. إن الدول الديمقراطية والمتحضرة استطاعت عبر سيادة مفهوم التعايش والوفاق والاتفاق على قواسم مشتركة، صهر أفراد شعبها في بوتقة واحدة تحت ظل التفاهم السلمي حول سبل العيش الكريم وتحت مظلة الأنظمة والقوانين، على اعتبار أن الشعب مصدر قوة الحكومات واستمرارها وازدهار الوطن ونهضته.
وهكذا نجد أنّ التباين في الآراء والاختلاف حول الأسلوب والسلوك المتبع بالإجراءات والقوانين والتشريعات بين الإدارة الذاتية الديمقراطية في الشمال السوري والشعب، هو أمر طبيعي، وهو أمر حتمي على الجميع تقبله واستيعابه، مع إبقاء أبواب النقاشات والحوارات مفتوحة. كل ذلك تحت ظل تفاهم وتعايش فكري مشترك؛ وذلك لأن التفاهمات والتعايش الفكري المشترك هما ضرورة وطنية وأمنية وسلمية وحاجة إنسانية وجودية لا مناص منها، والمصلحة المشتركة والمصلحة الوطنية والمجتمعية وهي التي تحتم على كافة الأطراف القبول الطوعي للتعايش بمختلف توجهاتهم. وعلى الأطراف كافة الرضوخ لحق التعايش السلمي لا الفرض القسري بسبب التناقض، أو أن يتم إلغاء الطرف الآخر وعدم الاعتراف بحقه بالوجود وهم في محيط واحد، إذا كنا نتحدث عن مجتمع متحضر، ولا أن يرتبط أحدهم بمصالح عدائية تهدف إلى هدم كافة القيم الاجتماعية والأخلاقية، عبر فرض قرارات وأفكار تخفي وراءها غايات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية في دور المؤامرة، وأكبر مثال على ذلك العدوان التركي على مناطق الشمال السوري الذي يهدف إلى تخريب التعايش التاريخي المشترك لشعوب المنطقة وذلك بغية فرض السيطرة ونهب خيرات المنطقة.
فالتعايش السلمي له كيان شخصي وهوية خاصة يحافظ عليها الفرد في وطنه كيفما كانت مكانته المجتمعية، لا أن تعصف العولمة في خصوصيتنا ومكانتنا، فعلى الجميع تنظيم وسائل العيش وفق قواعد وأسس تقبل بها كافة الأطراف، بتوافق وفق المصالح والضرورات المشتركة، كما يجب الحذر من حرب الإرادات وفرض الخطوط الحمراء والتي يتحول فيها الأمر إلى مواجهات في ظل فرضية التصعيد في معادلة وموازين مختلفة بين كافة الأطراف، فهناك أطراف داخلية وخارجية لها مصلحة في إثارة المجتمع وتصعيده في سياسة فرض الوجود والإملاءات وفرض الإرادة الفردية، وهذه تعتبر مجازفة من طرف الأنظمة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المواطن ضمن الضغوط المعيشية والعملية.