عندما ينطلقُ الصاروخُ قبل امتلاكه!

234
تحقيق/ رامان آزاد –

ربما من الصحيح أنّ الصاروخ إس-400 انطلق قبل تنصيبه بل قبل شرائه، ولأنّ الصاروخَ متطورٌ فقد أصاب الهدف، ولطالما تباهى صانعه بدقته، وقد دخل سوق تجارة السلاح، تلك هي حكاية أنقرة مع صفقة الصواريخ الروسيّة والتوتر الذي أصاب العلاقة الاستراتيجيّة مع واشنطن، هي صفقةٌ ارتبك بائعها وشاريها.
لا يمكنُ فهمُ أيّ حدثٍ مستقلاً عن سياقه، ولا يمكنُ إيجادُ تفسيرٍ سياسيّ لحدثٍ بمعزلٍ عن الحراكِ السياسيّ العام، وأسبابه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ولدى تناول السياسة التركيّة في ظلِّ حكومة العدالة والتنمية تستوقفنا جملةُ قضايا، يمكنُ إجمالها زمنياً في منحيين تاريخيّ ومعاصرٍ.
 تصديرُ الأزمة الداخليّة
المشكلة في تركيا تتعلقُ بالبعدِ التاريخيّ وتحديداً بالسلطنةِ العثمانيّة واعتبارِها التاريخ المجيد ومحل اعتزازِ الأتراكِ، يوم كانت إمبراطوريّةً تمتدُّ على ثلاثِ قاراتٍ، ولكنَّ التناقضَ يكمنُ بتفاخر أنقرة بالنقيضين فمن جهة التقاليد الأتاتوركيّةِ العلمانيّةِ والميراث الطورانيّ وقطيعةِ العربِ، ومن جهة أخرى السلطنة العثمانيّة الإسلاميّة وأنّها دولة الخلافة؛ ما يتطلب الانفتاح على العرب. ويشملُ المنحى التاريخيّ المشكلاتِ الداخليّةَ والقضايا الحقوقيّة، فهي تندرجُ ضمنه لكونِ كلِ المكوّنات التي تعاني التهميشِ والإقصاءِ ليست طارئةً على الجغرافيا، بل متأصلة تاريخيّاً، وتختزنُ في ذاكرتها حقباً من العنفِ والعَسَفِ والمجازرِ والإبادةِ وهؤلاء هم الكردُ والأرمن والعلويون. أما المنحى الآخر فهو الإرهابُ وهو طارئٌ استجدَّ مع ظروف الأزمة السوريّة وتحوّلِ البلادِ إلى بؤرة الإرهاب ودور أنقرة فيها، بالتوازي مع تبنيها مشروع العمق الاستراتيجيّ والانفتاحِ على المنطقةِ العربيّة، فالسياسات التركيّة لم تلتزمِ الحيادَ، بل فرضت حضورَها الميدانيّ المباشر بالاحتلال أو عبر الوكلاء والمرتزقة الموالين لها.
أما التهديدُ الإرهابيّ الذي تتحدث عنه دولة الاحتلال التركي، فهو حالةُ استثمارٍ محضّة، أدواتها عابرو الحدود من المرتزقة، ولا يمكن إدراجهم بالتاريخِ والواقعِ الوطنيّ، إلا أنّ حكومة أنقرة توجّههم كيفما تشاء، لمحاربةِ خطرٍ افتراضيّ، يتمثلُ بالتوجّهات المقاومة لمشروعها الاستعماريّ التوسعيّ، من مكوناتِ أصيلة تاريخيّة ثقافتها السلام. كالكرد الذين حُرموا حقوقهم القوميّة والثقافيّة نتيجة ظروف تاريخيّة واتفاقاتِ ما بعد انهيار الدولة العثمانيّة والحرب العالميّة الأولى، وتولّي حزب “الاتحاد والترقّي” السلطة فدفع المجتمع باتجاهاتِ التتريك، وأسرف بسفك الدماء.
تسعى حكومةُ أنقرة عبر تدخّلها في سوريا لتصدير مشكلاتِها التاريخيّةِ الداخليّة ولفت الأنظار خارج الحدودِ، وإحراز إنجازات عسكريّة تحت يافطة “الأمن القوميّ”، وصرف عوائد تلك الإنجازات داخليّاً اعتباراً من الاستحقاقات الانتخابيّة وتقاسم السلطة وتوجّهات المشروع السياسيّ. وبهذا تعقدتِ المشكلاتُ الداخليّة مع تعطّلِ حلِّ الأزمة السورية، وتدخّلِ روسيا المناوئة لها، والطامحةُ بالعودةِ للواجهة العالميّة بأيّ ثمنٍ، أما واشنطن فالبراغماتيّة تحددُ أهدافها وتعملُ على استمرارِ ضمانها، بينما تعيش الجارة إيران حالةَ المواجهةِ مع الغربِ منذ الإطاحة بالشاه، وتتصدر المشهدَ الإسلاميّ، وفي الطرف الأوروبيّ هناك الجارة اليونان والعلاقة الحسّاسة التي تحتاجُ إعادةَ نظر، بالإضافة إلى تعقيدات المنطقة.
تشخيصٌ سليمٌ وعلاجٌ سقيمٌ
الواقعُ أنّ دولة الاحتلال التركي تواجه تحدياتٍ كبيرةٍ إذ اكتشفت بعد مرور نحو قرنٍ أنّها تعيش مأزقاً حقيقيّاً. ولذلك؛ رُفِعَ شعارُ “صفر مشاكل” عنواناً رئيسيّاً مع دخول الألفيّة الثالثة ووصولِ حزب العدالة والتنمية للسلطة، فالسلطنةُ مجرّدُ ميراثٌ وتاريخٌ انتهت مفاعيله، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ حاضرٌ دونُه عراقيل كثيرة، وشروطٌ ليس بالوسعِ تلبيتها، فأنقرةُ اكتشفت أنّ أهميتها في عيونِ الغربِ تتأتى فقط من دورٍ وظيفيّ تؤديه في إطار الناتو.
بذلك راحت أنقرة تبحثُ عن هويةٍ مستقلةٍ وتأكيدِ ثقلها الإقليميّ، فوجدت نفسها فجأة في مأزق حقيقيّ لأولِ مرّةٍ بعد قيامِ الجمهوريّةِ، فهي رغمَ مظاهر قوتها وقدراتها الصناعيّة متخمةٌ بالتناقضاتِ، سريعةُ العطبِ، محتملةُ الاشتعالِ، والخطرُ الحقيقيّ يكمنُ بالداخلِ وليس الخارج، ويتعلقُ بعقمِ النظام السياسيّ، فلا استجابةَ لمطالب الكرد، ولا اعترافَ بمجازرِ الأرمنِ ولا قبولَ بخصوصيّةِ العلويّةِ، في إعادة لمشهد فرضِ الأسلمة على إسطنبول والتنكّر لتاريخها المسيحيّ الذي انتهي باحتلالها عام 1453. وبذلك أضحت تركيا دولة أحاديّة بكلّ شيءٍ في اللغةِ والثقافةِ والدينِ والمذهبِ واحتكارِ الحزبِ للسلطةِ وصولاً للنظامِ الرئاسيّ الذي كرّس سلطةَ الفردِ.
وينبثقُ الإشكالِ من عقليّةِ الحكومةِ التركيّةِ، وعدم إقرارها بعواملِ المشكلةَ لها الذاتيّة والداخليّة، وأنّها مشكلةٌ بنيويّة ستستمرُ ما لم تتغيرِ العقليّةُ، وقد شهد العالمُ سلوكياتِ الحكومةِ التركيّة بمدن باكور وتحويلَ ساحاتها إلى ميادين حرب، والانقلاب على الديمقراطيّة ورفض نتائجِ الانتخاباتِ البرلمانيّةِ، واعتقال النواب، غير عابئة بأصوات ملايين الناخبين، والانتقال عبر الحدود وتدويل المسألة الوطنيّة. ويأتي اتهامُ الحزب الحاكمِ للمكوناتِ الوطنيّةِ بالإرهابِ من قبيلِ الإسقاطِ، بالتنصلِ من الاتهام وإلصاقه بآخرين.
إذاً العقدة ليست بعجز دولة الاحتلال التركي في مقدراتها، بل لأنّها لا تعترفُ بمشكلتها، والحلُّ لا يقيّم بصعوبته بل بضرورته؛ للوصولِ إلى الاستقرارِ ووضعِ حدٍّ للإدارةِ الأمنيّة وكمِّ الأفواهِ والتضييقِ على الحرياتِ، ووقفِ النزفِ وإدمانِ القتل والتدمير، وهذا التنكر للمشكلة يعزل الحكومة داخليّاً ويؤثر في حاضنتها الشعبيّة، وهو ما حصده أردوغان مؤخراً في الانتخابات البلديّة.
في المشهد الداخليّ تناصر الحركة القوميّة الحزب الحاكم بالتطرف ضد الكرد، ويعارضُ حزب الشعب الجمهوريّ استمرار الهيمنة على الدولة، بمقابل زيادة مساحة الحاضنة الشعبيّة لحزب الشعوب الديمقراطيّ الذي أبدى مناورة موفقة بالانتخابات البلديّة أدّت لصدمة الحزب الحاكم وخسارته المدن الكبرى.
إزاء هذا الوضع تدمج حكومة العدالة والتنمية كلّ التناقضات وأحلام الماضي والحاضر ودفعها خارج الحدود، في حربٍ شعواء أسبغت عليها شعارات دينيّة، ولا سبيل أمامها لتحقيق أجندتها إلا استخدام القوة، وتسخير مرتزقة موتورين منحرفين، لتتجاوز المأزق التاريخيّ، إذاً هو خيار القوة والعنف والتنكر للحقوق، ولا سقفَ لعدد الضحايا في سبيل تحقيق الهدف.
خذلها الغربُ فلجأت إلى موسكو
الحلُّ في تركيا يتطلب إعادة النظر بالدولة الوطنيّة وبمكوناتها، وبكيفيّة تشكلها المستقبليّ، عبر إيجادِ صيغةٍ بديلةٍ للأزماتِ تضمنُ للجميعِ حقوقاً عادلةً ومراعاة التوازنات والأحجام. وإلا؛ فإنّ أردوغان يسيرُ إلى نهايته، فمن يتهمهم بالإرهابِ مكوّنٌ تاريخيّ له هويةٌ ومعتقدٌ وقضيةٌ حقوقيّةٌ، وستصبحُ التهمةُ عبارةً جوفاءَ لا قيمة لها، ولن تقنعَ المواطنَ التركيّ مع تأزمِ الوضعِ الاقتصاديّ، وانكشافِ حقيقة احتضانه للمرتزقة، الذين يمارسون الإرهاب العبثيّ، ولا مشروع لديهم إلا الكراهية والقتل.
تعاملت أنقرة مع الأزمة السوريّة منذ بدايتها على أنّها قضيتها، ولم يتوقف أردوغان ومسؤولو حكومته عن التصريح، وإذا كان أردوغان قد بدأ بالنصح والوعظ بالبداية باعتباره كان الصديق المقرّب من دمشق طيلة العقد الأول من توليه السلطة، إلا أنّه سرعان ما انقلب تماماً وتموضع على الضفة المناوئة لها، تحت عنوان دعم الثورة وأصرّ على أنّ النظام فاقد الشرعيّة، ووعد “ثواره” بالصلاة بالمسجد الأمويّ بدمشق مع “انتصار الثورة”.
تأتي أهميّة سوريا لكونها بوابة الانفتاح التركيّ على العالم الإسلاميّ والعربيّ، وفق نظرية “العمق الاستراتيجيّ” بعد عقود طويلة من الانقطاعِ والتغريبِ، وفق التقاليدِ الأتاتوركيّة، وكانتِ المؤسسةُ العسكريّةُ وريثة هذه التقاليد وحاميتها. ولا يقتصرُ الانفتاحُ التركيّ على المنطقة العربيّة، بل إلى عمق آسيا، وحصيلة جمع التوجّهين الغربيّ الأوروبيّ والشرقيّ الآسيويّ، هي النظرية الأوراسيّة، أو التشبيك البريّ بين أوروبا وآسيا (التيلوروكراتيا)، مقابل القوى القادمة عبر البحار وحاملات طائرات الناتو (التالاسوكراتيا)، وهنا محلّ التلاقي بين موسكو وأنقرة.
تستبد بأنقرة فكرة الخذلان الغربيّ بعدة مفاصل وأهمها الموقف إزاء الانقلاب 15/7/2016، تلك المناسبة التي استثمرتها موسكو بحِرفيّة سياسيّة عالية لاستقطاب أنقرة، فجمعت في معادلة التموضع مفرداتِ الأزمة السوريّة والاختلاف مع واشنطن حول المنطقة الآمنة، وصفقة الصواريخ المتطورة إس 400 ومشروع الغاز ترك ستريم، (السيل التركيّ)، ولتصبح تركيا أهم عقدة غاز في العالم بعد تدشين خط الغاز الأذريّ (تاناب) في 12/6/2016.
صفقةُ صواريخ مثيرة للجدل
أثارت صفقة الصورايخ إس 400 الكثير من الجدل الذي بلغ الذروة مع تخيير نائب الرئيس الأمريكيّ مايك بنس أنقرة بين إلغاء الصفقة شرطاً للبقاء بالناتو أو إنجازها. ولكن؛ أنقرة أكدت مراراً أنّها بصدد إنجازها، وتمّ توثيق جوانبها الاستراتيجيّة والفنيّة، وكذلك سياقها الجيو سياسيّ الإقليميّ الأشمل.
ترافق انتقال روسيا إلى الواجهة الدوليّة مع تقديم نفسِها بلداً مُنتِجاً منافساً للسلاح النوعيّ ومنفتحاً على عقدِ صفقاته، بعد عقودٍ طويلة من السريّة التامة والاصطفائيّة التي اتبعها الاتحاد السوفييتيّ وحصر عقود السلاح بدولٍ محددةٍ؛ فيما تستند أنقرة إلى مبررين لإتمامِ الصفقةِ، الأول عدم استعداد واشنطن لنقل تكنولوجيا الصواريخ إليها عبر صفقة صواريخ باتريوت، رغم أنّ موسكو أيضاً نفت أن تتضمن الصفقة نقلاً للتكنولوجيا، والسبب الثاني رغبة أنقرة بتنويعِ مصادر السلاح وعدم الاقتصار على الغرب، فتركيا منذ أن أصبحت عضواً بحلف الناتو عام 1952 تتزودُ بأسلحة الناتو، وتصنعُ الطائراتِ الحربيّة بترخيص أمريكيّ.
بالمقابل أعلنت واشنطن بأنها بصدد إلغاء صفقة المقاتلات الحديثة إف-35 (الشبح)، لسببٍ تقنيّ وفي غاية الخطورة، فهذه المقاتلات يُفترضُ أنّ تبقى بالخدمة لعقودٍ قادمةٍ، وستتمكنُ موسكو من ولوجِ الشيفرة الإلكترونيّة الخاصة بها عبر رادارات إس-400، وبخاصة أنّ طواقم من المختصين الروس سيرافقون الصواريخ. وقد تشترط واشنطن للموافقةِ الحصول على معلومات استخباراتيّة بشأن منظومة الصواريخ الروسيّة، كما حدث عندما اشترت قبرص صواريخ إس 300، فنُقلت إلى اليونان بضغطٍ من تركيا والناتو، وحصلت واشنطن على معلومات مهمة.
خلافاً لتوقّع العديد من المراقبين؛ لم تُلغِ تركيا صفقة منظومة إس-400 بعد الانتخابات البلديّة في 31 آذار المنصرم، ولم تفرط بعلاقتها الناشئة مع موسكو استرضاءً لواشنطن، ما قد يعرّضها لحزمة عقوبات أمريكيّة انتقاميّة علاوة على تأجيلِ صفقةِ المقاتلات إف-35 وإيقاف برنامج الطيارين الأتراك، ومن ثم إلغاء الصفقة، ولتدخلَ العلاقة بين أنقرة وواشنطن مفصلاً جديداً، يجب أن تتهيأ له أنقرة جيّداً وتخفف من تداعياته الاقتصاديّة في مرحلة حساسة من تراجع شعبيّة الحزب الحاكم وارتفاع أصوات المعارضة، وإمكان تشكيل تحالفات قوية.
ما تعمل أنقرة واقعاً هو الإيحاء للشعب التركيّ باستقلاليّة القرار وعدم الخضوع للإملاءات، وقد اتخذت قراراً كهذا عندما رفضت انطلاق القوات الأمريكيّة من أراضيها عند غزو التحالف الغربيّ للعراق في 2003، وهي لعبة ابتزاز سياسيّة تُصرفُ عوائدها في الداخل لتعويضِ الخسارة الانتخابيّة.
اللافت أنّ موسكو كانت وِجهة الرئيس التركيّ في حادثين بغايةِ الحساسة، فكانت أولَ محطةٍ خارجيّةٍ بعد الانقلاب، واليوم بعد الانتخابات البلديّة، وهي رسائل يريد أردوغان توجيهها للداخل مباشرة من غير إبطاء. وسيلعب بالوقت بدل الضائع ريثما تُنصب الصواريخ نهاية هذا العام. ولكن؛ هذا التوجّه لا يخلو من مغامرة، إذ يجعل تركيا رهينة موسكو وعلى أرضها، وتدخل مرحلة “التبعية الاستراتيجيّة” لروسيا، ولعله يستكمل المسير بصفقة طائرات سوخوي 57 الخفية، ليكون الارتباط أكثر وثوقاً.
الجارة القريبة إيران تملك أحد أكبر ترسانات الصواريخ البالستيّة في العالم ومنها (سومار ومداه 600كم، وشهاب-3 ومداه 1500كم، قدر-1 ومداه 1800كم، سجيل ومداه 2000كم)، فهل تركيا مستعدة للوفاء باستحقاقاتِ الدورِ الوظيفيّ الذي أسنده الناتو لها وتواجه إيران مثلاً في أيّة مواجهةٍ قادمة وتستخدم الصواريخ ضد شريكة منصة أستانه؟ وهل لموسكو شروط محددة؟
اليوم تقف أنقرة على مشارف مغادرة الناتو، وعلاقاتها بمنتهى الحساسيّة، مع واشنطن التي عدّلت قرار الانسحاب من سوريا إلى البقاء. وأما خروج دولة الاحتلال التركي من الحلف أو الانضواء بالحلف الروسيّ فيتطلب من الحلف إعادة صياغة مجمل التموضع العسكريّ بتركيا، ووضع قاعدة إنجرليك الجويّة، وربما إيجاد البديل.
سيكون موضوع الثقة محلَّ الاختبار الجدّيّ، والخيار المطروح عدم قطع العلاقة والتقنين فيها، أيّ كلّ إقدام باتجاه موسكو سيقابله إحجامٌ للناتو، وإذ تدرك أنقرة أهميّة موقعها الجيواستراتيجيّ فستواصلُ ابتزازَ حلف الناتو، والتنسيق مع روسيا باعتبارها المايسترو الذي يقود الميدان السوريّ والتي ستجني عوائد مهمة للموقف التركيّ في زيادةِ نفوذها في أوروبا.
تركيا تتطلع لمرحلةِ ما بعد الأزمة لتكونَ شريكاً بعملية إعادة إعمار سوريا، بعد أن تستقر الصيغة النهائيّة للتغيّرات التكتونيّة (بنيويّة بالتركيبة الجيولوجيّة الأساسيّة). ومن المؤكد أنّها تراقب عن كثبٍ زيادة مساحة الدور الذي تلعبه كلٌّ من روسيا وإيران ولن تركن للصمت حيالها، فالصيغة المتاحة حالياً هي التنسيق والتعاون ولا تتطلبُ مصلحتها توتر علاقاتها مع الجوار الجغرافيّ وفقاً لنظريّة العمق الاستراتيجيّ، بل تتطلع إلى ما بعده حيثُ العمق الأوراسيّ.