داعش وتركيا …صفحات التاريخ الأسود

173
عبدالرحمن محمد –

التاريخ الأسود الدامي لتركيا كُتب بأقلام مغموسة بدماء مئات الآلاف من الضحايا، كما خطّته من قبلهم غزوات جنكيز وهولاكو عدو الحضارات، وبدت ملامح منها وعلى شاكلتها تظهر من جديد، مع ظهور الجماعات المتطرفة والمرتزقة في العديد من المناطق غير المستقرة وظهورها بشكل واسع في مناطق شمال وشرق سوريا، وتحت مسميات عدة عرفت  فيما بعد بدولة دولة الإسلام في بلاد العراق والشام وعُرفت اختصاراً بداعش.
ما من تنظيم أو جماعات تشابهت في التوجه والفكر الهدام؛ كما تماثل فكر داعش وفكر تركيا، من حيث المعاداة للتراث الإنساني والموروث الثقافي للشعوب وبخاصة الموروث الكردي الثقافي، وعمل على تدمير التراث الكردي وصهرِه ومحاولة محوه من الوجود، وجرائم تركيا بحق الأرمن واليونانيين وغيرهم ما زالت في الأذهان وفي كل يوم تقوم داعش بتنشيط تلك الذكرى الأليمة وإرجاع تلك المجازر إلى الأذهان ليتبين لكل صاحب بصيرة إن داعش نسخة “طبق الأصل” عن تركيا الطورانية.
تدمير وتطهير عِرقي وثقافي
تتبادل تركيا و داعش الأدوار، فقد تعرض الأرمن والكرد الإيزيديين والآشوريين في كري سبي- تل أبيض وتل تمر وسري كانية وشنكال للتهجير والتدمير الممنهج، وكانت سري كانيه فاتحة محاولات الاحتلال والتنكيل والتهجير، عن طريق محاولة المئات من مرتزقة جبهة النصرة سنة 2013 م لاحتلالها، ومن ثم هاجمت تل أبيض بإسناد من استخبارات تركيا، وكانت كري سبي– تل أبيض مسرحاً لانتهاكات جسيمة، وتم خطف أكثر من 1000 كردي وهُجر البقية قسراً هرباً من بطشهم وفجرت بيوتهم، وكان العوائل الأرمنية في تل أبيض التي تعتبر من المجتمعات القديمة في المنطقة لاقت ذات المصير، بينما العشرات من العوائل الأرمنية في المدينة هُجِّروا قسراً وتم تحويل كنيسة الأرمن الأرثوذوكس في وسط المدينة إلى معسكر تدريب شرعي ومقراً لقادته بعد حرق كل مقتنياتها المقدسة وتدمير المعالم المسيحية فيها، حتى إن داعش بنت سجناً ضمن الكنيسة وحولت المدرسة الأرمنية إلى مركز تعليم الشرعية وتعذيب وذبح البشر في ساحتها وداخل حرمها المقدس. واعترف العشرات من المرتزقة بتسهيل دخولهم للمنطقة بمساعدة تركيا.
القتل والحرق والتدمير بحجة التكفير
المسيحيين من السريان والأرمن  تاريخهم في سري كانيه عريق عراقة المدينة، وكانت المدينة تضم ثلاث كنائس هي كنيسة مار توما الرسول للسريان الأرثوذكس وكنيسة مريم المجدلية للسريان الكاثوليك وكنيسة الأرمن. وقد تعرضوا خلال هجمات مرتزقة جبهة النصرة وداعش وغرباء الشام إلى التهجير القسري وتدمير للكنائس الثلاثة وحرق لمقتنياتها، كما خطف عدد منهم وما يزال مصير العديد منهم مجهولاً.
وكذلك كان حال الإيزيديين في مدينة سرى كانيه  في حي زرادشت وريفها، المتواجدين في 15 قرية في ريف المدينة، وفي قرية الأسدية جنوب كري سبي،  حاولوا إجبار الأهالي على اعتناق الإسلام وأمطروا الأهالي بالرصاص وقتلوا عدداً منهم واختطفواً عددا آخر ثم أقدموا على حرق القرية بعد كل ذلك.
العديد من القرى لاقت ذات المصير كقرية دردارا وقرية جافا الإيزيدية، فقد أُفرغت بالكامل خوفاً من الإرهابيين الذين كانوا يتخذون من الجانب التركي انطلاقة لهجماتهم، وتعرض أهلها للخطف أو الإعدام أمام أهاليهم رمياً بالرصاص أو تعذيباً.
العديد من القرى الإيزيدية والسريانية وبما يفوق35 قرية أُحرقت، وتم تدمير أماكن العبادة فيها، كما شن مرتزقة داعش في 23 شباط 2015 هجوماً على منطقة خابور في ريف تل تمر والذي ضم 35 قرية آشورية، وخطف خلالها قرابة 220 آشوري بين رجال ونساء وأطفال، ودمروا قراهم وأحرقوا مزاراتهم وكنائسهم فيها.
ما أشبه اليوم بالأمس
مئة وبضع سنوات مرت على مجازر الأرمن التي ارتكبتها تركيا الطورانية بحق الأرمن والعديد من الشعوب الأخرى، التي كانت تحت سيطرتها، وهي فترة ليست بالطويلة في عمر الشعوب،  تلك النزعة الهمجية والشوفينية ما زالت تتجدد في كل يوم بصور ووقائع جديدة، وتتغير الأمكنة والأزمنة لكن هي ذات النزعة والثقافة والتوجه الظلامييّن، واليد الملطخة بدماء الأبرياء والأحرار، تتجدد المآسي بأساليبها ووجوهها البشعة، وثقافتها المعادية للخير والمثل العليا، ولكن ثقافة الخير والتسامح وقبول الآخر تسمو، وأصوات الحناجر التي تدعو للسلام والحب تطغى على أصوات الرصاص، وتغني للحرية أغنيتها الأبدية.