المرأة المقاومة

129
كلستان محمود عيسو –

المرأة هي ملكة المجتمع المتكامل الأخلاقي المبني على التعايش السلمي بإرادتها القوية الحرة، وبصفاتها التي تَخلِق الإبداع في الثورة، كما شهدنا على دور المرأة في الثورة الزراعية.
المرأة بهويتها وديناميكيتها تصبح جسر لعبور أجيال المجتمع الأخلاقي بتقدمها وتطورها، إلا أن الأنظمة الديكتاتورية الرأسمالية بأدواتها المبعثرة ومؤسساتها تسعى للنيل من جذور المرأة الحرة. مُنِعت النساء في كثير من الدول من حقها في العمل والمشاركة في البناء الحضاري، ويختلف وضعها من بلد لآخر، لكنها مازالت تعاني من الحرمان في كثير من المجالات، كما أنها تعاني من التمييز بينها وبين الرجل سواءً عند التقدم للوظيفة أو عند الترقيات أو عند اختيار المسؤولين والمشرفين، وحتى في الأجور فمازالت أجور النساء أقل من أجور الرجال حتى ولو كنَّ يؤدينَ نفس العمل، ولم تمنح المرأة حقوقها السياسية (انتخاباً وترشيحاً) في كثير من الدول العربية والإسلامية إلا منذ سنوات، بل إنها مازالت محرومة منها في بعض الدول العربية والإسلامية حتى الآن، وحتى في الدول التي أعطيت فيها حقوقها السياسية مازالت قوى كثيرة تحرّم مشاركتها، وتحجب عنها أصواتها لا لعدم الكفاءة والخبرة، بل بسبب الأنوثة فقط.
هنا نتحدث عن أرض “سوريا”، التي عاشت حالة من التنوع والتعدد الديني والقومي والعرقي والثقافي والفكري، و لكن لم تستطع النظم التي حكمت سوريا من تحويل هذا التنوع إلى إمكانيات إيجابية، وبرج الصمود من القوة في مفهوم المواطنة، وهي قضية معنوية قابلة للتطور، حيث نجد في ظل الأنظمة الاستبدادية ضعف في علاقة المواطنة، وشعوره بالتبعية لا بالانتماء، وبالرجوع إلى الدساتير التي خضعت في عهد الجمهورية، لم يتم ذكر المرأة في تولي منصب رئاسة الدولة لمعايير المجتمع بتاتاً، وبشكلٍ خاص الدساتير التي نصت في عام 1950م، و1973م، و 2012م.
فإن الصراع الدائر في الشرق الأوسط وخاصةً سوريا ليس بصراع عسكري أو سياسي، بقدر ما هو صراع مفاهيم واستراتيجيات ذات أبعاد عميقة، فالقوى الرأسمالية تسعى لتثبيت مشاريعها في المنطقة باذلةً في ذلك كل جهد، والشعوب هي من تدفع ثمن هذه المخططات فهي أي الرأسمالية تسعى إلى تفتيت النسيج المجتمعي والاستفادة من تنوع الأعراق والمذاهب والطوائف، لتجعلها جبهات في مواجهة بعضها البعض بغية أضعاف الكل وتسهيل السيطرة عليها وبالتالي تمرير مخططاتها، وهذا ما جعل الصراع بين الحداثة الرأسمالية والحداثة الديمقراطية تتبلور وتتوضح معالمها في الأحداث الأخيرة الدائرة في سوريا.
وفي خِضم النزاع الدائر في سوريا منذ 2011م، لعبت إدارة شمال وشرق سوريا دوراً كبيراً وجوهرياً في الدفاع عن حقوق شعوب المنطقة، واحترام خصوصياتها واتخاذها مبدأ الخط الثالث الذي حمى مناطقه من شتى أنواع المخاطر التي هبتها عواصف الحروب، وبعد مرور سنوات ثمانٍ على هذه الحرب، لم يعد خفياً على أحد بأنها الجهة التي تمثل السلام والضمان في دحر الإرهاب، هي القوات التي تشكلت في الشمال والشرق السوري من كل أطيافه.
فالنساء المقاومات في عفرين رمز المرأة الحرة، ومنحت المرأة للعالم من خصوصياتها أجمل القيم وأسماها، ولكن بظهور المفاهيم الذهنية الذكورية السلطوية بدأ الصراع البشري الأول بين الرجل والمرأة، بين العطاء والأنانية، لتنتقل في ما بعد بانتشار المفهوم الذكوري السلطوي إلى حياة المجتمعات عامةً، وتتحكم بتفاصيلها ومستوياتها كافةً.
تاريخ مديد ولازالت المرأة تعاني من السياسات ذات الذهنية الذكورية بأشكالها وأساليبها المتعددة والمختلفة، من ظواهر العنف ضد المرأة إلى كيفية تحويلها لظاهرة سلعة ومنها إلى ظواهر مختلفة باختلاف المجتمعات، وفي كل الأحوال تغيب المرأة عن مكانها الطبيعي في قيادة المجتمع، وسنحاول التحدث عن الواقع السوري عامةً وشماله خاصةً عندما تنطلق شرارة الثورة ولو لوهلة من زمن منح للناس الطمأنينة الداخلية، وتبدو أملاً جديداً لبداية جديدة.
المرأة في شمال وشرق سوريا غيّرت حقاً مفهوم العبودية، وحولت من مصطلح المرأة إلى العالم بأسره، حيث عملت بجهودها على توحيد طاقات من أجل خلق نظام اجتماعي ديمقراطي يحقق للمرأة الحرية والمساواة والعدالة.