الانتخابات المحلية التركية تُزلزل عرش حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا

182
كارلوتا جال ـ نيويورك تايمز البريطاني –

خطوة بخطوة وعلى مر السنين، سعى رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا، إلى ضمان عدم قدرة أي منافس على تحديه، فقام بتهميش الخصوم وتطهير الجيش والشرطة والمحاكم كما روع الصحافة، وعزز سلطاته في الدستور، وفي الوقت نفسه وعد الأتراك بمستقبل اقتصادي مشرق. لذلك؛ كانت مفاجأة كبيرة يوم الاثنين الأسود بالنسبة له عندما ظهرت نتيجة التصويت في الانتخابات البلدية التي جرت في أواخر شهر آذار المنصرم، وأظهرت أن حزب أردوغان لم يفقد السيطرة فقط على أنقرة، المركز السياسي، بل وإسطنبول المركز التجاري في البلاد، ومدينته التي قدمت الدعم له طوال السنين الماضية. وحتى لو لم تكن النتائج نهائية، فقد بلغ حد الزلزال السياسي الأكثر لهز وزعزعة سلطة أردوغان خلال ما يقرب من عقدين من السيطرة غير المتنازع عليها بشكل أساسي على رأس السلطة في تركيا، الحليف في الناتو ذي التأثير الكبير الإقليمي في المنطقة.
مراقبة الصناديق وعدم التخلي عنها من قِبل المعارضة
ونشرت مراقبين ليس فقط لتدقيق قوائم الأصوات ولكن أيضًا النوم على أكياس من صناديق الاقتراع المختومة للحماية من أي تلاعب محتمل من قبل أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، حزب أردوغان، وقالت إيليدا كوج أوغلو، 28 سنة، نائبة رئيس فرع حزب الشعب الجمهوري المعارضة في إسطنبول، التي كانت تنام بنفسها على بعض أكياس الأصوات: “نعتقد أنهم لم يتمكنوا من تزوير الانتخابات، ولم يكونوا يتوقعون منا أن نكون منظمين بهذا الشكل والوقوف في وجه أي تلاعب بالأوراق”. ولا تعني النتائج أن أردوغان، الذي تستمر فترة رئاسته لمدة أربع سنوات أخرى سيغير من سلوكه، والذي يشمل تعزيز القيم الدينية على حساب العلمانية، وتوثيق العلاقات مع روسيا في مقابل علاقات أكثر برودة مع الناتو، لكن الانتخابات أظهرت أن أردوغان لديه نقاط ضعف كثيرة ما قد تحمل الأيام المقبلة الكثير من الصعوبات بالنسبة له.
يقول أسلي أيدينتاسباس، الباحث البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “إنها كارثة بالنسبة له”، “نحن نعرف الآن أنه ليس كما كنا نظن بأنه لا يقهر ولكن حدث العكس”. كان اقتصاد تركيا الضعيف، الذي نما بسرعة لسنوات في ظل حكم أردوغان أنهارَ خلال العام الماضي على رأس اهتمامات الناخبين، على الرغم من تحذيرات أردوغان من أن المشكلات ليست من صنعه. ومنذ آذار الماضي تجاوزت البطالة العشرة بالمائة، لتصل إلى الثلاثين بالمائة بين الشباب، وفقدت الليرة التركية ثمانية وعشرين بالمائة من قيمتها في عام 2018 وتستمر بالنزول، بينما بلغ التضخم عشرين بالمئة.
وتقول كوج أوغلو إنها وزملاؤها فهموا خلال ساعة واحدة من إغلاق صناديق الاقتراع ليلة الأحد أنهم كانوا يشاهدون التغيير الأكثر أهمية في تركيا منذ تولي أردوغان السلطة، حتى المناطق النائية في منطقة إسطنبول الكبرى أظهرت هزيمة لمرشح أردوغان لمنصب عمدة المدينة. وحتى ليلة الاثنين، لم يتم الإعلان عن النتائج من المجلس الأعلى للانتخابات بشكل كامل ولم يقبل حزب أردوغان الهزيمة في إسطنبول، لكن الحصيلة أظهرت أن مرشح المعارضة، إكرام إمام أوغلو، يتقدم بنسبة 99 بالمائة من الأصوات التي تم عدها.
إعلان الهزيمة التي رُفِضت من حزب العدالة والتنمية
في مؤتمر صحفي في وقت متأخر من الليل في إسطنبول، قال إمام أوغلو إنه يثق في المؤسسات التركية أكثر من حزب العدالة والتنمية لتأكيد فوزه، وقال: “لا أتوقع هذا من الحزب”، و”لسنوات قادمة لن يقبل حزب العدالة والتنمية فوزي”، يمنح رؤساء البلديات المعارضين في أهم مدينتين في تركيا لحزب الشعب الجمهوري فرصاً بارزة لإظهار كيف يمكن أن يحكم بشكل فعال، مع السيطرة على الخدمات البلدية من جمع القمامة إلى النقل الجماعي، وقد وعد إمام أوغلو بأنه بصفته عمدة إسطنبول بتدقيق الكتب، وهو احتمال قد يخلق مشاكل جديدة لحزب العدالة والتنمية إذا كشف عن أدلة على الفساد تحت سيطرة الحزب الحاكم. كان الحزب الشعب الجمهوري الذي تعرض لانتقادات طويلة بسبب عدم التنظيم، للمرة الأولى مستعدًا جيدًا للانتخابات. قام إمام أوغلو، البالغ من العمر 49 عامًا، عمدة مقاطعة السابق، بتعبئة آلاف المتطوعين لمراقبة كل صندوق اقتراع في منطقة العاصمة الكبرى وتسجيل عدد الأصوات في تطبيق مصمم خصيصًا، مع إعطاء الحزب جدولة مستقلة خاصة به وقالت القيادية الحزبية كوج أوغلو: “لقد تمكنا من مقارنة أرقامنا مع أعدادهم”. جاءت لحظة حاسمة الساعة 9 مساءً يوم الأحد عندما ألقى أردوغان أول خطاب له في المساء، مدعيا فيه فوز حزب العدالة والتنمية بشكل عام في الانتخابات البلدية، فتوقفت لجنة الانتخابات فجأة عن نشر نتائج الانتخابات في إسطنبول، وكذلك توقفت وكالة أنباء الأناضول شبه الرسمية، عن بث الاخبار، وهي والتي تتابع على نطاق واسع في ليالي الانتخابات باعتبارها المصدر الذي تفضله الحكومة لإظهار النتائج.
وقال أوزغور أونوهيسارشيكلي، مدير صندوق مارشال الألماني التابع للولايات المتحدة في أنقرة، وهو معهد أبحاث، إن معسكر الرئيس شهد بالفعل الطريقة التي سارت بها الاصوات في الانتخابات وأوقف العد. قال: “لقد أوقفوا ذلك ليفكروا فيما يمكنهم فعله”، وأضاف: “كان هناك نقاش حول نوع من التدخل. لقد كنا خائفين للغاية حينما توقف الفرز”، حسبما ذكرتكوج أوغلو. وأشارت إلى العديد من الانتخابات السابقة عندما توقفت لجنة الانتخابات عن الإفصاح عن تفاصيل الإحصاء والفرز، واستؤنفت في وقت لاحق وأظهرت قفزة غير محتملة في الأصوات لصالح الحزب الحاكم. يقول أنصار المعارضة إن هذا حدث في الانتخابات السابقة لرئيس بلدية أنقرة، وخلال فرز الاستفتاء على الدستور لعام 2017 الذي منح أردوغان مزيدًا من السلطات التنفيذية وحتى في الانتخابات الرئاسية في حزيران وعندها فشلت جهود حزب الشعب الجمهوري لإعادة الفرز في عام 2018 عندما أنهارَ نظام الكمبيوتر الخاص بالحزب، واعترف مرشحه في وقت لاحق الهزيمة. ولكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً، عندما أعلن مرشح أردوغان، بن علي يلدريم، رئيس الوزراء السابق، عن فوزه في إسطنبول، أعلن إمام أوغلو على الفور على الملأ وتحدث إلى الجمهور، أنه كان يقود السباق ولديه سجلات لإثبات ذلك، وأدلى بعشر تصريحات علنية عن تقدمه خلال تلك الليلة.
أردوغان مسؤول عما يسميه كثير من النقاد برئاسة إمبراطورية في تركيا، أشرف على قمع شديد وتطهير داخل الحكومة بعد محاولة انقلاب عسكرية فاشلة في عام 2016 ألقى باللوم فيها على منافسه منذ فترة طويلة، فتح الله غولن، الذي يعيش في الولايات المتحدة، وخلال حكم أردوغان، كانت تركيا أكبر سجن للصحفيين. لكن سيطرة أردوغان كزعيم لتركيا ترجع أيضاً بسبب مواقفه السياسية التي لم تكن بالموفقة، لطالما تساءل أنصار حزب الشعب الجمهوري عن سبب قيام قادتهم بتسليم الانتخابات بعد الانتخابات إلى أردوغان وعدم تقديمهم مرشحين جيدين لمنافسة أردوغان وحزبه، وكان تصميم المعارضة على شيء واحد هذه المرة، هو حشد الدعم عبر المجتمع وحتى داخل حزب أردوغان بدا وكأنه يتردد في التصويت الأخير.
ويقول أوزغور أونوهيسارشيكلى، رئيس صندوق مارشال الألماني في أنقرة: “لقد كانت المعارضة ثابتة، وكانت هناك علامات على إطلاق العنان للجمهور”، واصفاً الدعم الشعبي القوي على تويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، وبحلول الساعة الحادية عشرة من مساء الأحد، ظهر أردوغان في أنقرة واستسلم لفقدان مدينة واحدة على الأقل للمعارضة ما سميت بالنكسة الكبيرة. ثم نشر أشخاص داخل مقر حزب أردوغان لقطات من شاشات الكمبيوتر التابعة لحزب العدالة والتنمية تظهر مرشح المعارضة في إسطنبول يقود السباق، وقالت أسلي أيدينتاسباس من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن مؤيدي أردوغان كانوا يسربون المعلومات على ما يبدو بأنهم قد يخسروا إسطنبول.
لقد أصبح أردوغان بعيدًا بشكل متزايد على مر السنين، محاطًا بقصره الرئاسي الشاسع بواسطة دائرة أصغر وأصغر من المساعدين والوزراء، ومع إعلان النتائج، ظل هناك شك لدى المحللين السياسيين حول اتخاذهم القرار بالسماح بنشر النتائج الحقيقية للتصويت في إسطنبول صباح الاثنين، من أجل حماية العرف والإرث الانتخابي.
وقالت أسلي أيدينتاسباس أيضاً إن أردوغان، الذي كان دائماً يستمد شرعيته من صندوق الاقتراع ، كان يرى أنه من المستحيل تغيير النتيجة، “لم يكن هناك طريقة حقيقية”، ولم يجدوا طريقة للقيام بذلك دون أن يفقدوا الشرعية، وقال آخرون إن أردوغان كان يعرف المخاطر التي سيتعرض لها الاقتصاد إذا كانت هناك خلاف حول الانتخابات أو نزاع طويل، وقد تنخفض الليرة بشكل حاد، كما حدث في الصيف الماضي، مع تداعيات شديدة على الشركات وسبل العيش. من خلال قبول نتيجة الانتخابات، أنقذ أردوغان سمعة النظام الانتخابي التركي، الذي منحه شرعية على مدى السنوات الـ 17 الماضية، وقال مدير مكتب أنقرة لمشروع مارشال الألماني: “من خلال هذه الانتخابات، صرف أردوغان غموض الشك عن نزاهة جميع الانتخابات الماضية”.
أظهر ابتعاد أردوغان وحزبه في مدينته الأم، وهو المكان الذي يصفه كثيرًا بحب وعاطفة، نجاحًا غير متوقع من تحالف المعارضة، الذي أقنع الناخبين بالتصويت تكتيكيًا، على الرغم من خلافاتهم. وقالت أسلي أيدينتاسباس، التي تابعت حياة أردوغان عن كثب: “إن أصوات الكرد، وأصوات المحافظين غير السعداء الذين تركوا أردوغان، كانت بالغة الأهمية في النتائج”. بالنتيجة أن الانتخابات كانت انتصاراً حاسماً للمعارضة لأنه لن يتم إجراء انتخابات أخرى لمدة أربع سنوات ما سيكون لها نتائج على الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.