خالد عكاشة: “لا يمكن السماح لتركيا الراعية للإرهاب لعب أيّ دور في سوريا”

162
شهد العالم هزيمة داعش على يد قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا. ولكن؛ ربما يعود داعش للظهور مجدداً؛ ذلك أنه زرع فكره في العديد من المناطق التي احتلها وربما بمسميات أخرى، وتلعب دولة الاحتلال التركي الدور الأساسي في تغذية داعش والمرتزقة الأخرى. ولذا؛ لا يمكنها أن تلعب دور التسوية في سوريا، فهي تدخلت في الشأن السوري؛ لتحقيق أطماعها باحتلال الأراضي السورية، فما تقوم به في الشمال السوري ليس سوى احتلال عسكري قائم يفسر أطماعها في ضم الأراضي السورية بالقوة. وحول هذه النقاط والوضع السياسي الراهن؛ أجرت وكالة فرات للأنباء حواراً مع عضو المجلس القومي المصري لمكافحة الإرهاب ورئيس المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية خالد عكاشة، وجاء الحوار على الشكل التالي:
ـ كيف تقيّمون التحديات الأمنية وأولويات الرؤية الشاملة لمكافحة الإرهاب في ضوء الهزيمة المكانية لمرتزقة داعش في سوريا والعراق؟
ربما نكون على أعتاب فصل جديد في حياة داعش الذي وصل في 2014 لمرحلة السيطرة على الأراضي وكان في أقصى تمدد ممكن لها، واليوم سنتحدث عن فصل جديد في حياة داعش، صحيح فقد قدرته في السيطرة على الأراضي وحدثت هزيمة مكانية كما اسميتها، وفي الحقيقة هي تسمية دقيقة. لكن؛ الهزيمة المكانية لن تنسحب من حياة داعش، بل ستدخله في طور جديد من أطوار العمل المسلح والخطط التنفيذية التي سيقوم بها على الأرض.
ـ فيما يتعلق بالمواقف الدولية، هل ترى أن هناك إدراك لأولوية هذه المرحلة، فيما يتعلق مثلاً بموقف التحالف الدولي وغيره من الأطراف المعنية بمكافحة الإرهاب؟
لا؛ في الحقيقة أنا أنظر لهذا الأمر بتشاؤم والأطراف الدولية حتى الآن، وحتى بعد هزيمة داعش، هي لم تحسم خياراتها الاستراتيجية ربما حتى هذه اللحظة، ومواقفها مرتبكة إلى حد كبير ولا زال بها قدر لا يستهان به من التخوف والقرارات والمواقف السياسية والعسكرية تتخذ على الأرض ويتم نقضها بعد أسابيع وربما بعد شهور، والقرارات تتخذ وربما يتم اتخاذ قرارات مضادة في التوقيت نفسه، وهذه المؤشرات جميعها تدرك عدم إدراك المقبلين عليها أولوية المرحلة.
ـ هل هناك أمثلة على ذلك؟
أبرز الأمثلة عندما نتحدث عن الشمال السوري، هناك ارتباك لدى التحالف الدولي في عملية صياغة ما بعد هذه الهزيمة المكانية، في بعض الأوقات القوات الأمريكية تعلن انسحابها ثم تعاود مرة أخرى التمسك بالتواجد، وتحاول أن تضفي عليه طابع الرمزية. طبيعة الأرض والأوضاع والمعادلات على الأرض تجعلها تجد نفسها أنها أمام حاجة إلى زيادة عددية للمقاتلين والمعدات وغيره، والمعضلة الأساسية والتي ستلقي بظلالها على المشهد القادم، هو أن النزاع على سوريا حتى الأن لم يحسم أمره، والخروج بهذه النتائج المتوازنة في أغلبها يؤسس لشكل آخر من أشكال الصراع واستدامته. وما تقوم به تركيا هو أخطر ما يؤسس للصراع القادم في سوريا نتحدث عن قوى إقليمية طامعة في مقدرات الشعب السوري وتحاول إيجاد مظلات أو مفاهيم مغلوطة كذريعة لتدخلها مثل موضوع الحدود الآمنة.
ـ إذا ما تحدثنا عن اتفاقية أضنة؛ هل من المسموح لتركيا بالتدخل في الشمال السوري من خلالها، كيف تقيّمون ذلك في ضوء مفهوم الأمن القومي العربي؟

هذا أبرز النماذج على مفهوم التشوه الاستراتيجي الذي تقع فيه الأطراف الإقليمية على وجه التحديد أكثر من القوى الدولية، وهذا تجاوز كبير لما تقوم به تركيا، وإلحاح على مفهوم ومصطلح يتم الترويج له منذ بداية 2018 وحتى اليوم في 2019 لا يوجد أحد داخل أو خارج سوريا لديه القناعة بمبررات وجود الحدود الآمنة داخل سوريا. ثم لماذا لا تنشأ تركيا مثل هذه الحدود على أراضيها، ولا يوجد على الإطلاق توافق حولها بين الأطراف الموجودة، ناهيك عن النظام السوري والشعب السوري نفسه. ولن تقبل أطراف عديدة داخل سوريا وخارجها وجود تركيا داخل الأراضي السورية، وصناعة ما تحاول أن تطلق عليه الحدود الآمنة، كيف نتحدث عن هذا المفهوم ونحن نتحدث عن انتهاء الصراع في سوريا؛ لأنه مفهوم مغلوط، بل الخوض في هذا المجال سيفتح الصراع من جديد ولن يساهم في إنهاءه على الإطلاق، ويضرب التوافق الداخلي السوري في الصميم لو كان نتاج الثماني سنوات هو اقتطاع أراضي من الوطن السوري والسيطرة عليه من قبل تركيا على وجه التحديد. ولا نذيع سراً، بأن الجميع ينظر لتركيا التي تجلس في مؤتمر سوتشي وأستانة وغيرها كراعية للمليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وتجلس على مقعد لتمثل التنظيمات الإرهابية ولتتحدث باسمهم في المحافل، وهذا الأمر ليس سراً على الإطلاق، ولا يمكن السماح لدولة إقليمية، لعبت هذا الدور، أن تكون دولة مؤسسة لما بعد الدولة السورية، هذا شيء لا أعتقد أن أحداً سيقبل به.
ـ مارست تركيا انتهاكات عدة من التغيير الديمغرافي والتهجير والنهب وغيره، حيث تحاول إيجاد أذرع عسكرية لها في المدن السورية، ما توصيفكم لذلك، وهل ما تقوم به في شمال سوريا يمكن أن نسميه احتلالاً بالفعل؟
 هو يسمى احتلال، وجود قوات عسكرية وآليات ومعدات عسكرية على أراضي دولة اخرى هو ليس له تعريف سوى الاحتلال وليس له تفسير سوى أنه احتلال عسكري، سواء سينظر إليه على أنه مؤقت أو دائم أو يفسر أطماع في احتلال هذه الأراضي أو ضمها بالقوة أو غيرها، كل أو مثل هذه النماذج مجتمعة لا توصف إلا بكونها احتلال عسكري، قولاً واحداً. ولذلك؛ لم يخجل القادة العرب جميعهم ولم يتحدث أحدهم إلا بلهجات مباشرة التدخلات الإقليمية ومواطئ الأقدام ومواطئ النفوذ، وتحدث عن ذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي بلهجة هي الأوضح والأبرز، ولكن الأمر تحدث عنه الكثير من القادة والرؤساء العرب حول أن هذه الأمور غير مقبولة وتتخذ الكثير من الأشكال، ولكنها غير مقبولة وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح، وستكون هذه التحركات والمساعي من قبل دول إقليمية أخرى سواء تركيا أو غيرها، ستكون سحابة تمر مثل كثير مما مر على الدول العربية وسيعود الأمر إلى نصابه.
ـ ما ملامح التصور المصري فيما يتعلق بمصير المرتزقة الأجانب الأسرى، وهل مصر معنية بفكرة المقاتلين الأجانب، وهل من بينهم مصريين؟
هذا الأمر بالطبع يشغلنا وهو في أولويات وأهم اهتمامات الدولة المصرية ربما مصر تحتفظ لنفسها بحق السبق في ذلك، منذ أكثر من عامين كاملين، وقبل أي من الأطراف يتحدث عن عودة او انتقال المقاتلين، ومصر تضع المصطلحين بجانب بعضهما البعض؛ لأن الخطر ليس متعلقا فقط بعودة المقاتلين ولكن على سبيل المثال مصر لديها أقل عدد ممن هم منخرطين في صفوف التنظيمات الإرهابية. وهناك دول كثيرة لديها أعداد أكبر، وهناك أكثر من عشر دول كاملة وفق الإحصائيات العالمية تسبق مصر في عدد المرتزقة، وهو الهاجس الذي يشغل بالنا، وربما لهذا السبب مصر تصر على دمج مصطلح انتقال المقاتلين بجوار العائدين. هناك نقل حقيقي يحدث لهذه المجموعات وهذه المليشيات من ساحة صراع لساحة صراع أخرى لإنتاج مزيد من التهديد ومزيد من العمل الإرهابي وتأمين حياة هؤلاء.
ـ ما الأسبقية التي تحتفظ بها مصر لنفسها في هذا المجال؟
منذ عامين كاملين، والرئيس عبد الفتاح السيسي في أول زيارة له لفرنسا في عهد الرئيس الحالي، تحدث في المؤتمر الصحفي المذاع والمعلن وأفرد مساحة مهمة جداً للرد على وسائل الإعلام وهم يسألونه حول التهديدات القادمة، فتحدث عن الخطر وانتقال المقاتلين وعودتهم إلى مناطق أخرى واشار لنقطتين على وجه التحديد، لم يكن الكلام عاماً، بل محدد، وهو أن سيناء وليبيا نقطتين مرشحتين بقوة لتحريك التنظيمات أو مجموعات منهم أو من يتلقون الهزيمة ويتم استرداد الأرض منهم سواء في العراق أو في سوريا، أن ينتقلوا إلى هذه البؤر ويعيدوا إنتاج الخطر مرة أخرى.
ـ هل من كلمة أخيرة تختمون بها هذا الحوار؟
السياسة المصرية أو ما يمكن أن نطلق عليه استراتيجية مصرية للتعامل مع هذا الملف، أعتقد أنه سيكون في سياق دولي أو في سياق إقليمي لم يتشكل بعد؛ لأن حتى الآن لم تضع عمليات المكافحة أوزارها، والمسألة تتطلب أكبر من هكذا دراسة وتبيان للمواقف، من سيساعد ومن سيعمل بشكل مشترك وبشكل فعلي وإيجابي في محاصرة هذا الملف أو علاجه من الدول، حتى تعلن مصر تحركاتها وخطواتها، ولكنها أبدت استعدادها للدخول مع الأطراف المعنية كافة بمتابعة هذا الملف والحد من أخطاره، ويكون هذا شكل من أشكال المواجهة مع الإرهاب خلال الفترة القادمة.