ثقافة غير قابلة للذوبان

63
أحمد اليوسف –

حين تكون المجتمعات عريقة، مُحافِظة على ثقافتها، مؤمنة بها ومطمئنة اليها، منسجمة معها ومشبعة روحها بها، فلا يمكن لهذه الثقافة أن تموت، أو تذوب في ثقافات أخرى، مهما عانت من محن ومؤامرات وضعف في مجتمعاتها، وانكسارات في نفوس أبنائها، ومهما واجهت من ثقافات قوية، مستحكمة، تبقى راسخة صامدة أمام الأعاصير، فجذورها ثابتة في الأرض عبر السنين. هذه الثقافة لا تذوب، بل هي التي تُذيب وتُصهِر داخلها ما تلقاه من ثقافات وتجعلها جزءاً من نسيجها. هذه الثقافة لها سحر يخطف الأبصار، وتأثير يأسر الألباب.
ثقافات الشعوب متأتية من إرثها المعرفي ولكل شعب إرثه وليس بالضرورة أن يكون جيداً أو سيئاً ولكنه إرث يعتزّ به ذلك الشعب ولقد رأيت شعوباً إرثها ربما سيئ، ومنها عندما تتشاجر الكلاب أو الديكة يقيمون الرهان على المنتصر وأخرى عندما يتشاجر البشر يقيمون الرهان وهذا يعني فقدان الجانب الإنساني ولكن شعوبنا سابقاً تتدخل لفض النزاعات بين البشر وقد يلحقهم أذى يؤدي إلى القتل أحياناً ويسمون من يتدخل (حاجوز؛ أي يكون حاجزاً بين المتشاجرين)
وهذا إرثنا الحقيقي ويحمل الطابع الإنساني، وشعبنا بكل مكوناته يحمل الطابع الإنساني، فهو شعب طيب بفطرته يحمل من الفرات نقاءه، وطيبته.
فهكذا شعوب تحمل في ثقافتها الجانب الإنساني، لن تضمحل ثقافاتها ولن تندثر، لأن الحضارة كلها تقوم على الجانب الإنساني، وما يقوم على مبدأ إنساني يستمر ويدوم ما دامت الحياة.
ومن الثقافات التي لا تندثر أبداً ويتميز كل شعب بها عن الآخر بطريقة قولها ودلالتها، الأمثال الشعبية هي خلاصة خبرات وتجارب الشعوب عبر التاريخ، وواحدة من ثقافات الشعوب الأصلية، التي يتغنى بها الناس في حياتهم اليومية، فلكل مقام مقال. ولكل موقف أو حالة مثلها. لكننا أحياناً ما نستحضرها لتفسير ما عجزنا عن فهمه أو التعامل معه، أو لوصف موقف حالي لندعم هذا الموقف أو التجربة، خصوصاً بما يتعلق في علاقاتنا الشخصية، يدفعنا ذلك لأن نؤكد على أنفسنا أن التجربة التي نمر بها تشابه تجارب ماضية للآخرين قبلنا،، وبالتالي تفسيرها والنتيجة واحدة. وهذا ما يساعد على نمطية التفكير والأفكار. تختلف ثقافات شعوب العالم بعضهم البعض كذلك لغتهم، أذواقهم، عاداتهم، ، ألحان أغانيهم، مزاجهم، طرق تعبيرهم، وبالتالي لا يمكن أن ينسجموا إلا مع تراثهم، ومن هنا نستنتج أن ثقافات الشعوب وتراثها العريق لا يمكن تذويبه أو تجاهله أو النيل منه فهو متجذر فيها بالفطرة.
هذا هو لسان حال “هبة الشيخ” خلال أسفارها العديدة التي تأخذك معها فيها دون ترتيب أو استعداد، يكفي أن تحمل حقيبة على ظهرك وتسير معها في صحراء مصر أو تطير إلى لبنان ومنها إلى إسبانيا أو تمكث في أحد المشافي الآسيوية لتتعلم طريقة استشفاء محلية لأحد البلدان الآسيوية، وحينما تتجول في شوارع تلك البلدان وترى المعابد البوذية فتجد أحد الكهان يقف على بابا المعبد ينادي (تبرعوا من أجل بناء معبد) فتكتشف حينها أن ثقافات شعوب العالم الثالث تتشابه في أمور عديدة مثلما تتشابه الظروف السياسية والاقتصادية والجغرافية .