في الباغوز تنتهي الحكاية….

245
تحقيق/ رامان آزاد –

الباغوز تختزلُ اليومَ قصةَ دولةِ الوهمِ، التي قالوا عنها “باقية وتتمدد”، وها هي اليوم “فانية وتتبدد”، ومساحات شاسعة من عشراتِ آلاف الكيلومترات أصبحت تُقاس اليوم بالأمتار، ولعلها أنفاقٌ تحت الأرض أكثر منها على ظاهرها، لا بل إنّ جنودَ الخلافةِ المزعومة يخرجون تباعاً من الجحورِ ويستسلمون في صَغَار بعدما عاندوا الحقيقة، ولم يؤمنوا أنّهم إلى زوالٍ.
الموتُ العابرُ للحدودِ
“داعش” المرعبُ والجاثومُ الذي انفلت من عقال التاريخ، وخرج يرهب الناس في الريف والحواضر والقرى والبلدات ويفرض قوانينه الجائرة بالقوة عليهم، ويتفنن بأساليب القتل تبعاً لفنون الفتوى، ليجعلها طقوساً اعتياديّة، فراح الابن يقتلُ أباه أو أمه بدعوى التكفير، وحمل الأطفال السلاح فقتلوا وذبحوا وقد امتلأت عقولهم الغضّة بفكرِ التزمتِ والتعصّبِ الأعمى وكراهية الآخر؛ لأنّهم أصبحوا “أشبالَ الخلافةِ”، وأما نساؤه فقد قَدِمنَ من أطرافِ الدنيا ومارسن جهادَ النكاحِ وأصبحن جواري وإماء في ظل “الخلافة”، وباتت المرأة تنتقل من ذمة جهاديّ إلى آخر، بالمقابل نساءٌ اُختطفن وتمّ بيعهن في أسواق النخاسة عبيدات.
فجأة طوى الزمن من عمره قروناً طويلة وعاد بنا إلى الوراء، ليستحضر كلّ تفاصيله وخلافاته، والناسُ أصبحوا ضحايا الابتزاز فهجروا بيوتهم خوفاً يتقدّمهم الأدلاءُ عبرَ حقول زُرعت بعبواتِ الموتِ التي إن لم تنسف حياتهم، بترت أحد أطرفهم وشوّهتهم أو أعطبتهم، وبذلك. وإذا كانت كلُّ شعوب الدنيا حاضرها وسابقها تفاخرُ بصنعِ الحياة والمساهمةِ في تطويرها، إلا أنّ تنظيمَ الوهمِ فاخَرَ بالقتلِ وأساليبه (بالرصاص، حرقاً، ذبحاً، إغراقاً، ورمياً من المباني، وحتى الدفن حياً) ولتبدو عقوباتُ الجلد المقيتة جُنحاً بسيطةً أمام هولِ الكوارثِ التي حاقت بالناس، والتي لا يمكن حصرُها وعدُّها، فما زالت الجثثُ تُنتشلُ من قريةِ الفخيخة ومنطقة البانوراما بمدينة الرقة والمئات منها مجهولة الهوية، فالمقابر جمعت القتلة والضحايا.
داعش سيتحول إلى قصة بالذاكرة لا يسع المرء تصديقها، والحق أنّها لم تصنع نفسها بنفسها، ففي عالمٍ يتمًّ فيه رصد البعوضِ ومراقبةِ كائناتٍ مجهريّةٍ وسبرُ أغوارِ البحارِ ورصدُ الفضاءِ، لا يصعُبُ أبداً متابعةُ تحركاتِ طوابيرِ العرباتِ الطويلة تنتقلُ من منطقةٍ لأخرى، أو حركةَ انتقالِ الجهاديين عبر المنافذِ الحدوديّةِ الرسميّةِ والمطارات، ولا يخفى على أجهزة الاستخباراتِ كلها حكاية تشكّلِ النواةِ الأولى لخلايا الإرهابِ، وبذلك فإنّ أطرافاً كثيرة (دولٌ، حكومات، مؤسسات رسميّة أمنيّة وإعلاميّة) كانت حاضنة الإرهاب، وأولهم الحكومة التركيّة ومسؤولوها والحزبُ الحاكم فيها.
مشاركة المرأة بتحرير الباغوز من المسائل التي يجدر التوقف عندها؛ فالمقاتلاتُ الكردياتُ مصمماتٌ على تحرير ما تبقى من نساءٍ مختطفاتٍ خلال اجتياح المرتزقة لشنكال في آب 2014، وأما المقاتلاتُ العربياتُ فالسببُ يعودُ للجورِ والقوانين الظالمةِ التي فرضها المرتزقة على النساء خلال احتلاله للمناطق، وقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر 16/3/2019 مقالاً بعنوان “مشاركة حاسمة للمقاتلاتِ العربيّاتِ والكرديات في معركة الباغوز” ومما جاء في المقال “في الخطوط الأماميّة من جبهة الباغوز، شرق سوريا، تشاركُ ثلاثُ شقيقاتٍ في المعركةِ الحاسمة للقضاءِ على تنظيم داعش الإرهابي. ميساء 25 عاماً، وهيفاء 22 عاماً وصفاء 20 عاماً، المتحدرات من مدينة دير الزور، قرّرن القتالَ جنباً إلى جنبٍ، مجتمعاتٍ في موقعٍ عسكريّ متقدم يرصدن منه نيرانَ المعاركِ وألسنة الدخان، فوق آخر جيبٍ يسيطر عليه عناصر “التنظيم” بالجهة الشرقيّة من بلدة الباغوز”.
الباغوز موقعٌ تمّ اختياره
لطالما كانتِ الباغوزُ قريةً صغيرةً منسيةً بريف دير الزور الشرقي، في أقصى شرق سوريا، على مسافة 1 كم من الساترِ الحدوديّ بين سوريا والعراق، ويفصلها نهر الفرات عن مدينة البو كمال الحدوديّة، حيث يسيطرُ الجيش السوري وحلفاؤه، والجسر الذي يربط بين الباغوز والبو كمال مدمر اليوم، وجرت اشتباكاتٌ عديدة للسيطرة عليه. تمتدُّ بلدة الباغوز على طول 1.5كم على الضفة الشمالية لنهر الفرات. وتحيط بها تلالٌ من الناحية الشماليّة الشرقيّة، أي أنّها تقع بين النهر والتلال، وهو ما منحها تحصيناً جغرافيّاً. استفاد منه المرتزقة، فعبر الباغوز كانت تمّ عملياتُ الدعم والمساندة والتنقل فاكتسبت أهميّة استثنائيّة عسكريّاً ووفق بيانات المكتب المركزيّ للإحصاء بلغ عدد سكانها 10689 نسمة عام 2004. واليوم تتوجه كلّ أنظار العالم إلى الباغوز فهي مركز الحدث، فقد سقطتِ الأوهامُ وظهرت الحقيقة جليةً واضحةً، ومرتزقة داعش يدخلون في الباغوز معركة الرمق الأخيرِ والزوالِ. ويوماً بعد آخر تتقلصُ المساحةُ الجغرافيّةُ التي يسيطرون عليها.
تتصدر الباغوز المشهد السوريّ، إذ أنها أضحت الجيبَ الأخيرَ الذي يتحصنُ فيه مرتزقة داعش وتقف قوات سوريا الديمقراطيّة على مشارفها القريبة جداً، وتدورُ اشتباكاتٌ عنيفةٌ جداً داخلها، والمؤكد أن مقاتلي قسد ليسوا عاجزين عن حسمِ المعركةِ التي بدأت قبل أكثر من شهر بمحيطها، بالتوازي مع القصف الجويّ والمدفعيّ. ولكن؛ الاشتباكات توقفت أكثر من مرة لإفساح المجال لخروج المدنيين وحتى مرتزقة داعش المستسلمين من البلدة مقابل أسرى أو مختطفين لديهم.
ويبدو أنَّ المرتزقة قد استعدوا للمعركة الأخيرة بمنطقة شرق الفرات. فالانكساراتُ المتتابعة والخسائر الكبيرة كانت مؤشرات لمعركة من هذا النوع، فضلاً عن المعارك التي وقعت في الجانب العراقيّ وسيطرة الجيش العراقيّ على الحدود من طرفه، الأمر الذي تطلب تنسيقاً بين قوات سوريا الديمقراطيّة والجيش العراقيّ. ولكن؛ المعلومات تشير إلى أن المرتزقة قد حصّنوا المنطقة بحقول ألغام مكثفة، ما يصعّب اجتيازها، فضلاً عن وجود شبكة أنفاق يتحصّنون داخلها، ومن الواضح أنّهم عملوا عليها لفترة طويلة، وأنَّهم اختاروا الباغوز ميداناً لها؛ كونها تتمتع بتحصين جغرافيّ ووجود تلالٍ، وقد استماتوا بالدفاع عنها، فالاشتباكاتُ دارات في محيط الباغوز وتمّت محاصرتُها في أيار 2018.
مع الانكسارات المتتالية للإرهاب؛ أصبحت الباغوز ملاذ المرتزقة الهاربين من العراق ومناطقَ سوريّة، ولعلها كانت حلقة ربط بين طرفي الحدود؛ ذلك لأنّ المرتزقة اعتمدوا أسلوب حفر الأنفاق الكبيرة وجعلوها مقراتٍ وملاجئَ ومستودعاتِ ذخيرةٍ. وبالإمكان إدخال العربات فيها، ولا يُستبعد أنّ بعضَ الأنفاقِ الرئيسية كان يربط بين طرفي الحدود ما يسهّل الانتقال بين البلدين. وما يدعم هذه الفرضية أنّ قيادة قسد اتخذت قرار استئناف الحملة واقتحام الباغوز بناءً على معلوماتٍ مستقاة من المراقبة أفادت بعدم وجود مدنيين في الداخل ومع اشتداد المعارك بدأ المدنيون بالخروج وكانوا بالآلاف رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخ، كما خرج من المئات من المرتزقة وسلموا أنفسهم بعدما تيقنوا بحتميّة الانكسار؛ الأمر الذي فرض إيقافاً مؤقتاً للعمليات ريثما يخرج كلُّ المدنيين.
معوقاتُ المعركةِ
من المتوقع ألا تطول المعركة الأخيرة إن بدأت بصورة فعليّة، فقوات سوريا الديمقراطية تسيطرُ على مداخلِ ومخارج قرية الباغوز كافة ومن ثلاث جهات، فيما الجهة الرابعة أو الجهة الجنوبية فهناك نهر الفرات، وقال قائد حملة عاصفة الجزيرة، جيا فرات: “إنّ المرتزقة محاصرون ضمن مساحة لا تتجاوز 700م2. إلا أنّ المرتزقة يتلاعبون بموضوع الأسرى لديهم من مقاتلين مختطفين ومدنيين الذين أضحوا دروعاً بشريّة ويحاولن عبر المماطلة لكسب مزيدٍ من الوقت، وإخراج عوائلهم في معركة باتت محسومة في وقوعها”.
وجودُ المدنيين المحتجزين دروعاً بشريّة هو أهم العوائق؛ لأنّ تحريرَ الإنسان هو الهدفُ الأساسيّ للحملة، ولا تتوفر معلوماتٌ دقيقةٌ عن عدد المدنيين السوريين والمخطوفين والأسرى وعوائل المسلحين من نساء وأطفال، وقد ذكر أحد القادة العسكريين، أنّ مرتزقة داعش يحتفظ بهم داخل الأقبية والأنفاق تحت الأرض، وهي تنتشر بكثافة بالمنطقة وتتطلب تعاملاً من نوعٍ خاصٍ إما بالتدمير أو الإغلاق، بعد تأكيد خلوها من المدنيين، ومع ضمان سلامة مقاتلي قسد. ولهذا تم فتح معابر آمنة لإخراج الحد الأقصى من هؤلاء قبل بدء عمليات الحسم النهائيّ، بالتوازي مع تخفيف وتيرة القصف، فيما لم تتوقف الاشتباكات بصورة قطعيّة ولا العمليات الخاصة،
ومن جهة أخرى؛ فالمناطق المحيطة بالقرية ومداخلها مزروعة بشكلٍ مكثفٍ بالألغام ما يشكّل خطراً على المدنيين الخارجين وكذلك مقاتلي قسد ويعرّضهم لمخاطر إضافيّة ويزيد من الخسائر.
سبق لقادة المرتزقة الميدانيين أن طالبوا عناصرهم بالبيعة يبايعُ على الموتِ، فيما يُربطُ منفذو الهجماتِ الانتحاريّة بالقيود والسلاسل داخل السيارات المفخّخة، ويُعتمد أسلوب العربات المفخخة والانغماسيين لإطالة أمد المعركة التي باتت شبه محسومة، بالإضافة محاولة استدراج مقاتلي قسد ليكونوا أهدافاً سهلة لرصاص القناصة أو الألغام، وهذه هي الصورة التي استعد بها المرتزقة للمعركة وجهزوا القرية وفقها. ولذلك؛ يفضّل مقاتلو قسد تكتيك القصف المكثّف لإنهاكِ المرتزقة وإيقاعِ أكبرِ الخسائرِ في صفوفهم وتدميرِ مخازنِ الذخيرةِ وإحكامِ الطوق وتضييقه تدريجيّاً لإجبارِهم على الاستسلام الجماعيّ أو القضاء عليهم ولا خيارَ ثالث.
ومع معاندةِ قسمٍ من المرتزقة، وهم بضع مئات من الأجانب يصعب تحديد عددهم بدقة، ورفضِهم الاستسلامِ، ويبدو أنّهم استعدوا لمعركة حتى الرمق الأخير، فإنّ اللافت غياب قادتهم البارزين، وعدم معرفةِ معلوماتٍ عنهم، ما يطرح السؤالَ حول أسلوبِ التنظيم غير الوضح إلا أن يكون الولاء الأعمى وغسيل العقول. كما تتعددُ جنسياتُ المرتزقة (العراق، مصر، السعودية، روسيا، تركستان، أوروبيون ومن دول شرق آسيا) ووفقاً لشهادات الخارجين فوقاني؛ فإنّ شخصاً سعوديّ الجنسيّة لقبه “الجزراويّ” أصبح أمير المرتزقة مؤخراً بعد مقتل سلفه.
رفض دول استقبال مواطنيها
أفاد كثيرون ممن خرجوا بأن الحياةَ أضحت صعبةً للغاية وخاصة بالنسبة للعوائل والأطفال، وأنّ الغلاء فاحشٌ ليتجاوزَ سعر كيلوغرام السكر 20 ألف ليرة والرز 15 ألفاً. الأمر الذي يشكّل ضغطاً كبيراُ على المرتزقة ويعجّل بخروجهم ويختصر من المجهود العسكريّ.
إجرائيّاً؛ يتم نقل الخارجين من الباغوز وجمعهم في نقطةٍ تبعد نحو 10كم عن البلدة، وتتمُّ الإجراءات اللازمة من تفتيشٍ وتسجيلِ لوائح بأسمائهم وأخذ بصماتهم وتصوير أوراقهم الثبوتيّة. ثم يُنقل المدنيون إلى المناطق الآمنة، والعوائلُ تؤخذ إلى مخيم الهول، حيث يُوزعون حسب فرز خاص بأوضاعهم.
وليبقى موضوع الأجانب شائكاً؛ فمن جهة ضخامة عددهم، ومن جهة ثانية الإجراء الذي يجب اتخاذه بحقهم وبخاصة أنّ دولاً مثل فرنسا وألمانيا ترفض استعادة رعاياها، فيما يكتظ مخيم الهول مع قدوم الأفواج الجديدة وليرتفع عدد المقيمين فيه إلى نحو 70 ألف.
روّجت بعض المواقع لخبر قبولِ قسد بهدنة مع المرتزقة تتضمنُ اتفاقاً على فتح معبرٍ آمنٍ إلى الحدود التركيّة ومنها إلى إدلب، إلا أنّ كلَّ الوقائعِ الميدانيّة لا تؤيدُ ذلك، كما أنّ قيادةَ قسد أعلنت في بيانٍ رسميّ رفضَها القطعيَّ طلبَ مرتزقة داعش، وأكّدت الاستمرارَ في المعركةِ حتى النهاية، وأنّ الخيار الوحيد المتاح هو الاستسلامُ وإلقاءُ السلاح. وما حدث لم يكن هدنة وإنّما تخفيفاً من كثافة القصف كي يتسنّى للمدنيين والمرتزقة المستسلمين خروجٌ آمنٌ من القرية. كما فشلت المحاولات في التوصل لاتفاقٍ لفتحِ ممرٍ آمنٍ إلى العراقِ أو إلى بادية دير الزور واسعة المساحة، جنوب نهر الفرات، والتي لا يزال المرتزقة يحتفظون فيها بمناطق سيطرةٍ لهم، وبذلك فلا وجود لأي صيغة لصفقةٍ حتى اليوم مع التحالف الدوليّ تتيح للمرتزقة الانتقال إلى منطقة أخرى في سوريا أو العراق.
ليس مبالغة أن الباغوز معركة باتت نتيجتها محسومة، وهي مسألة وقت لن يطول، ولعل أنقرة هي أكثر الأطراف امتعاضاً من نتائجها، وقد حاولت مدَّ حبل النتيجة كعادتها للإرهابيين عبر لفت النظر إلى مناطق أخرى والتهديد عدواناً على شمال سوريا، وبالتالي فالتهديد التركيّ هو أول التحديد بعد تحرير الباغوز والذي سيكون انتصاراً بحدود الجغرافية، فيما التحدي الأكبر سيكون الإرهاب التركيّ الذي يختل مناطق سوريا، وكذلك متابعة الخلايا النائمة وتجفيف منابعه الفكرية، وقد قام مؤخراً اثنان يستقلان دراجة ناريّة بإطلاق النار على مقاتلين؛ ما أدّى لاستشهاد أحدهما وإصابة الآخر.
وإذا كلّ إنجازٍ ميدانيّ يعتبر رصيداً سياسياً، فالأهم هو استثمارُ هذا الرصيد، والانطلاق بحوارٍ وطنيّ شامل سوريّ، سوريّ والتوافق حول حل سياسيّ، يُنهي معاناة السوريين وقد أتمّت أزمتها عامها الثامن.