لن تخمد نار نوروز

115
أزهر أحمد –
كلما اقترب مركبنا من شاطئ الأمان تتقاذفه العواصف الهوجاء القادمة من حقد عثالة من لا جذور له، ليُجبِرنا إلى العودة إلى وسط بحر هائج مياهه من دموع أمي الباكية.
الكل يُكشر عن أنيابه والكل يبيعنا شعارات ملونة في مجالس وقصور وأروقة مُفرغة من الحقيقة، مما يجبرنا للتمسك أكثر بنوروزنا وأهازيجنا وإشعال النيران على قمم جبالنا، والقفز فوق النار في أزقة شوارعنا المنسية، ووفاءً لبنادق شهدائنا في كل شبر من كردستان والشرق الأوسط والعالم بأسره، لأنه مُدان لمصانع الرجولة في جبالنا الأبيّة الشامخة، فنوروز حقيقتنا والافتخار والاحتفال به من أماني شهداءنا ومعتقلينا وجرحانا.
ما زلت أقول أنها لحظات في تاريخ السفهاء وقرون في قاموس الشرفاء، لحظة تمزيق ذاك الغازي لدفاتري التي حملت بين طيات صفحاتها ألوان براءة الطفولة، وكتبي التي لطالما حلم بها الشرفاء وعُذِبَّ لأجلها المناضلين خلف القضبان، وأنا أتذكر مثل هذا اليوم من العام المنصرم  أزيز الرصاص وأصوات أبواط الغزاة وألسنة الدخان وقهقهت الطغاة في عفرين، ومرداء  السلطان وهم يبعثرون ألعابي وصوري، ويزيلون كلمة نوروز من على جدار غرفتي.    وأتذكر لحظات تمزيق دفاتري وكتبي المزينة بأحرفٍ كردية.
 فأصوات ألحاننا الرائعة في نوروز ما زالت باقية في مخيلتي لحظات الخروج في الفجر إلى قمم جبال كرمينج، ولحظات إشعال شعلة نوروز ولحظات التجمع حول الفرق الفلكلورية وكأنها في مسابقة وصدى كلماتهم المُعبِرة سياسية كانت أم اجتماعية أم فلكلورية، تمتزج بالألحان وصوت البِزق كل هذا كان يُعيدنا إلى حقيقتنا ويعيد للشارد الناسي والمتناسي حقيقته، وكأنه ماء يروي العطشى ويعيد للأذهان أحلامهم المنسية بظلم الغازين في ثورة تحمل جراح الماضي وصدى أصوات أناشيدهم تزيد الأمهات إصراراً لعشق الحقيقة، وللأطفال بعشق الطبيعة في نوروز.
لن أبكي بعد اليوم وأنا استعد للاحتفال بنوروز، لن أبكي لفراقي صخور وزيتون عفرين لن أبكي لألم والدتي، لن أبكي لفراقي منزلي، لن أبكي لتذكر كوابيس الأشباح في مزرعتنا، لن أبكي أمام أعين الملتحين، ولكن فقط سأبكي في نوروز عندما أتذكر بعض من كان ينطق بلغتي وهو يرتدي ربطات العنق الحمراء بلون دم أخوتي، وهو يصدر الفرمانات بحرمان من تبقى من أخوتي من الاحتفال بعيد النوروز حيث نكر حقيقته، وشارك الغازي والحاقد والظالم في نهش لحم أخوتي والتمثيل في جثمان الرفيقة بارين عندها فقط سينتابني البكاء.
سيزداد صدى صوتي بثورة لا تعرف الانتظار، وتُقدس من يثأر لنا لنكون هناك نحتفل بنوروز.
قد تمتزج قطرات الدمع بقطرات الدم لتحتضنها الأرض معلنةً ولادة علقم ونبتة تثأر من المعتدي.
وفي نوروز ولحظات تهجيري من منزلي أزدادُ كرهاً للغازي وللمنافق وللخائن كلما ارتفعت نار نوروز وتعالت الأهازيج، وأصبح أقوى عزيمةً وحباً للانتقام. وسيزداد صدى صوتي رعداً  وعاصفةً، وأفضح ذاك المرتدي ربطة العنق الحمراء، ليتعلق بغصن شجرة الزيتون فتشتد عقدة ربطة عنقه ضيقاً لتحمر العينان وليُقذف الخائن في مزبلة التاريخ، ألا إنني ما زلت أتذكر أصوات قهقهته وهي تمتزج مع قهقهة الغازي والملتحي، وأزيز الرصاص وليتابع الجميع تمزيق دفاتري وصفحات كتبي، حقيبتي، ويمزق الأوغاد ذكرياتي. ليزداد صراخي وعهدي للانتقام، وارتفاع ألسنة اللهب في نوروز.
تأملت الموقف وكلام الطفلة العفرينية وهي تجمع بعض الإطارات لتستعد للاحتفال بنوروز متفائلةً بيوم جديد، وازدت يقيناً حينها بقرب تحرير عفرين، فلم يكن مني سوى أن أقول لها صغيرتي لن تخمد نار نوروز، مهما حاول الطغاة إخمادها ولن تصمت الحناجر المنادية بالحقوق والحرية.