مُعتَقل لدى داعش: “كانت لحظة خروجي من السجن كلحظة ولادتي من جديد”

131

روناهي/ الطبقة – يروي أحد المواطنين من الطبقة، والذي كان مُعتقلاً لدى مرتزقة داعش عن إجرام المتطرفين بحق المواطنين العُزّل واتهامهم بالباطل، وبأن لحظة خروجه من معتقلهم والذي كان يُلقب ببرج الموت، كانت كلحظة ولادة جديدة له في الحياة.

عاش الكثير من أبناء المنطقة في حالة من عدم الأمن والاستقرار أثناء سيطرة مرتزقة داعش على المنطقة، حيث طغى أمراء المرتزقة على أغلب الناس البسطاء وكان بعض مرتزقتهم يكيلون التهم جزافاً على أشخاص لا علاقة لهم بهذه التهم، وذلك لمجرد التشفي بهم، وخاصةً لمواقفهم تجاه أشخاص وصلوا إلى مرتبة عالية بين داعش، فكانت تكال لهؤلاء التهم بحجج واهية لمعرفتهم شخص كان مُقرب من فلان أو كان لا يحب أن يختلط بفلان، وبهذه الحجج تم اعتقال العديد من الأشخاص وبعضهم تم معاقبته بالقصاص أو بالسجن أو بالجلد، وسنتعرف من خلال تقريرنا هذا على أحد هؤلاء السجناء؛ ليروي لنا سبب اعتقاله وسجنه في المعتقل لدى متطرفي داعش.

ألوان العذاب في معتقلات داعش

بعد تحرير المنطقة على يد قوات سوريا الديمقراطية من قبل مرتزقة داعش، هنا تبدأ الصورة وتصبح أكثر وضوحاً وتظهر المعاناة التي كان يعاني منها أهالي هذه المناطق، على سبيل المثال أهالي الطبقة لم ينسوا “برج الموت” أو “برج الأمنيين”، والذي كان أحد أكبر المعتقلات في المنطقة يسبب القلق للأهالي، حيث كان من يدخله لا يرى النور وقد يصل به الحال إلى الموت بالقصاص، ولا يخرج منه إلا القليل بعد أن يشاهد ألوان العذاب حسب وصف من دخل هذا المكان، وكان توجيه التهم بصور مختلفة، وربما عندما تسأل عن أبسطها يُقال لك أنت عميل لفلان وعميل للتحالف وأنت مرتد، كما أن أهل الرقة لم ينسوا أبداً النقطة “11”، والتي كانت أهم النقاط الأمنية لداعش في سوريا والعراق.

تبقى تلك الأحداث السيئة في الذاكرة في مخيلة أهالي المنطقة، وخاصةً ممن دخلوا تلك المناطق بالتحديد. وفي لقاء أجرته صحيفة روناهي مع أحد المعتقلين في سجون داعش في المنطقة والذي فضل عدم ذكر اسمه واكتفى بالأحرف الأولى منه، حيث اُتهِمَّ هذا الشخص بأنه من أتباع الطريقة الصوفية وأنه ينشر الأفكار الشركية في المنطقة، وهذا الأمر يؤدي بصاحبه إلى القصاص دون محاكمة عند المرتزقة.

وخلال اللقاء بدأ (ط، خ) بسرد قصة سجنه لدى الأمنيين وأسباب اعتقاله، وقال: “في يوم من أيام شهر تشرين الأول في عام 2016م، قامت دورية لأمنيي داعش المقنعين بمداهمة منزلي واصطحابي لمكتب الأمنيين في الحي الثاني مقابل المركز الثقافي، وبعدها تم تحويلي إلى البرج أو ما يسمى برج الموت المعروف في منطقة الطبقة، وقد كان تحليلي للموقع من خلال معرفتي لشوارع مدينة الطبقة، لأنني كنت معصوب العينين، أدخلوني إلى غرفة فيها مرتزَقين من مرتزقة داعش لا يبلغ عمرهما 17 سنة، بقيت يوماً واحداً وفي اليوم التالي تم استدعائي للتحقيق وأنا مغطى الرأس لا أرى شيئاً، وكان المحقق يسألني بأسلوب فظ عدد من الأسئلة؛ من أين أنت؟ وسألني عن الطريقة الصوفية، وكنت أجيبه بطريقة لا أترك له دليلاً على أني من الأشخاص المنتمين إلى الطريقة الصوفية لكي أنجو من القصاص، وأمر أحدهم بوضعي في غرفة التأديبيات وليس المنفردة، وكانت المنفردة أرحم”.

في برج الموت؛ تشبيحٌ وضربٌ وإهانات

وتابع (ط ، خ) حديثه في وصف التأديبيات التي كانت موجودة في برج الموت خلال سجنه في البرج قائلاً: “كانت غرف التأديبيات عبارة عن باب بارتفاع متر فقط حيث  يصبح الإنسان بوضعية السجود للدخول إلى تلك الغرفة، وذلك على الركب حتى ندخل غرفة التأديبيات وهي بعرض 80 سم، الأكتاف تتلاصق بالجدران ولم نستطيع النوم ويوجد فيها إنارة وكانت بالنسبة لي كالقبر، وكان فيها أيضاً شفاط الهواء وهو جزء من العذاب النفسي بسبب الصوت الذي كان يصدره، وكان يسمح لنا بدخول الحمّام مرتين فقط في اليوم صباحاً ومساءً، ووجبتان من الطعام في الصباح والمساء، وكنت أشرب وأكل بشكل قليل حتى لا أضطر إلى دخول الحمام، ومن كان يطلب الحمّام كان يعذب عذاباً شديداً من قبل السجان، حيث كانت غرف التأديبيات مجاورة لغرفة التعذيب وأصوات من كان يعذب كانت تمزق قلوبنا، وكان التعذيب بشكل لا يوصف في الحقيقة من تشبيحٍ وضرب وتوجيه الإهانات والشتائم بشكلٍ مرعب جداً”.

اقتربنا من حالة الجنون

وأكد (ط ،خ) أنهم خلال الاعتقال اقتربوا من حالة الجنون وفقدان العقل من أهوال ما كانوا يرونه في المعتقل، وقال: “إن الأشخاص الذين حققوا معي هم من أبناء الطبقة، وتبين لي ذلك من خلال حديثهم ولهجتهم، وقد بقيت في التأديبية 5 أيام، وخلالها وصلت لمرحلة اليأس، وربما لو بقيت مدة أطول لكنت سأفقد عقلي وأصل إلى مرحلة الجنون، وكنت خلالها أقضي يومي وأنا مُحبط وكانوا يمارسون الضغوط النفسية عليَّ، وإن أكثر شيئاً كان يُقلقني أن قتلي سيكون أمام أهلي ومعارفي وأصدقائي، وأن تكون تهمتي بالعمالة للتحالف أو العمالة لأي جهة أخرى. لا يمكن أن تُصور ما يجول في نفسي فهو شيء مرعب جداً، وقد حقق معي في مسألة التصوف ومن التهم التي وجِهت لي التصوف والشرك وتفكيك المسلمين أو تشتيت المسلمين وتشويه الدين، وقد حرصت منذ دخول داعش إلى المنطقة ومعرفتي ببعض أفكارهم، أن لا يملك أحد دليل بأني من أتباع الطريقة الصوفية، وأن أكون بعيداً عن المجتمع، حتى لا يُضر أي شخص بمصادقته لي حتى لا يتهم بأنه من اتباع هذه الطريقة، ويكون مصيره مجهولاً”.

ولادة جديدة

وذكر (ط ، خ) قصة خروجه من معتقل داعش: “بعد انتهاء التحقيق معي في اليوم السادس من السجن تم تحويلي إلى مدينة الرقة إلى النقطة الأمنية لداعش، وكان معي من بين السجناء أحد مرتزقي داعش المسجونين لدى جهاز الأمنيين، ولم أعرف عندها إلى أين ستكون الوجهة ولكن سمعت البعض يقول أن اتجاهنا نحو مدينة الرقة، حيث كان الطيران في تلك الليلة كثيفاً، وعند وصولنا إلى أحد الأمكنة تم تغيير السيارة لتنقلنا إلى المكان المطلوب وهو عبارة عن مهجع، وبعد الاطلاع على وضعي تم إطلاق سراحي، ولكن رغم ذلك تركت في ذلك المهجع لفترة  10 أيام بشكلٍ مقصود، وخاصةً أن المهجع توجد فيه أكثر من 5 كاميرات مراقبة وعندما تحدثت مع السجان بأنه تم الإفراج عني لكنكم أرجعتموني للمهجع، قال السجان عندها أن هذا الخطأ تم بسبب النسيان، أما السبب الرئيسي في خروجي هو أن أحد مراصد الأمنيين في المنطقة أكد لهم بأني لست صوفياً، حيث كانوا يعتمدون في قراراتهم على تلقي المعلومات من مراصدهم المنتشرة بين الناس”.

وفي نهاية اللقاء مع (ط ، خ)، وصف لنا شعوره عند الإفراج عنه من المعتقل لدى داعش قائلاً: “كانت لحظة خروجي من السجن بمثابة ولادتي من جديد، وخاصةً بعد الكلام الذي سمعته عن برج الموت في الطبقة، لم يكن يخطر على بالي أني سأبقى على قيد الحياة بعد ذلك اليوم”.