الشركس… تاريخٌ حافل وثقافة عريقة

164
روز يشانوق –
طالما ذكرتنا كلمة “الشركس” بالأناقة والسمو والرفعة إلى جانب العراقة والإقدام لمن يعرف ماهية هذه الشعوب وعمق تاريخها، فالشركس اسم أطلق على جميع الشعوب التي كانت تسكن شمال القوقاز أو “القفقاس”، وهي مجموعة شعوب من الأديغا والشيشان تجمعها ثقافة وعرق مشترك، ويقول بعض المؤرخين ان الاسم الحقيقي للشركس هو “آنت “ANT، ولمجموع هذه الشعوب تاريخ حافل بآلام الهجرة والشجاعة والأصالة التي قلَّ مثيلها، والمنبع الأساسي لها هي ما كانت تعرف بـ “شركيسياً” التي تتبع لروسيا اليوم، فيما يعود أصلهم إلى الحثيين حسب دراسات لا تزال قائمة في بعض جمهوريات شمال القفقاس” وتضم الشيشان، الداغستان، اللاز، الاباظ، الانغوش، القرباغ، ناكورك، الجركس، الكولمنده، وسكان شمال قفقاسيا وهم من قبائل الأديغة من مناطق التاي، في غرب الصين – وشرق روسيا، وبسبب الحروب القيصرية الروسية التوسعية في المنطقة أُضطُرَّ الكثير من الشركس إلى الهجرة إلى الأراضي العثمانية أو الروسية بعد حروب ونزاعات استمرت أكثر من مائة عام.
للشركس لقب يعرف بـ “الأديغا”: وتعني “الشعب المتّحد”، أو الشعب النبيل أو الإنسان المتكامل، ويوجد لهم علم عليه اثني عشر نجمة وثلاثة أسهم، ولون العلم هو اللون الأخضر، وتمثل هذه النجوم القبائل الشركسية التي كانت في القفقاس والأسهم الثلاثة تشير إلى أكبر ثلاث قبائل، فيما يمثل اللون الأخضر أرض القفقاس الخضراء وهي المنطقة الجبلية الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود وتقسمها جبال القوقاز، والشركس مسلمون محافظون على لباسهم المحتشم، والروابط العائلية المتينة.
اللغة والثقافة الشركسية:
على الرغم من أن الشركس ينحدرون من أصل واحد ولهم ثقافة واحدة، إلا أن اختلاطهم ببقية الشعوب الأخرى أدى إلى ظهور فوارق لغوية فيما بينهم. وقد أكد ذلك المؤرخ الروماني “بليني” في القرن الميلادي الأول مبيناً إن 130 لغة كانت موجودة في القوقاز. وذكر ابن الفقيه المؤرخ العربي في قوله “أن في بلاد القوقاز حوالي 72 لساناً لا يعرف كل إنسان لغة صاحبه إلا بترجمان”. وإذا نظرنا في هذه اللغات المتعددة نجد أنها تتكون من ثلاث مجموعات:
مجموعة شمالي القوقاز: حيث الموطن الأول والأقدم وفيه قبائل الأبزاخ والبزادوغ والحاتقواي والكمير كوي والآدمه والشابسوغ والناتخواي والشيشان والأنغوش، ولهجة هذه القبائل متقاربة جداً مع وجود اختلافات بسيطة في تقديم وتأخير بعض الحروف في الكلمات وهي اللهجة التي كانت منذ الأجيال الأولى من الشركس القدماء الحثيين. مجموعة لغات منطقة بلاد القابردي الكبرى والصغرى، ومجموعة بلاد الأباظة، وهؤلاء تختلف لغاتهم عن باقي اللغات الشركسية تمام الاختلاف، من حيث النطق والمعنى كذلك.
ويعد الشركس من الأوام النشطة والتي تتميز بالحيوية وحب العمل ومن أشهر ما يقال عنهم: “الآنت الذي لا يعرف الكلل ولا الملل”، وطبيعتهم الجبلية والقاسية والحروب خلقت منهم شعوب ومجتمعات مهذبة النفوس كريمة الخلق جسورة إلى جانب المهارة الحربية والفروسية الفريدة والهندام الأنيق، والحنكة في القتال والمعركة.
قوام المجتمع الشركسي:
المجتمع الشركسي ورغم بعض التقسيمات المجتمعية الظاهرية مجتمع متماسك قائم على الحب والإلفة واحترام الروابط العائلية ورغم ذلك يمكن تمييز الطبقات التالية: البشي: وهو الأمير الكبير أو زعيم القبيلة، لقو لاش: وهم الأمراء أو أتباعهم، الوَرْقْ: وهؤلاء هم الحكام الفعليون في الأقسام والدوائر، فقول: وهم الأهالي الأحرار ومعظمهم من الفلاحين، بشيتل: وهم العبيد ومعهم الخدم أيضاً.
وهناك مجالس للأمراء والأعيان تنظم العلاقات العامة وتتخذ أغلب أمورها الهامة والمصيرية بالتشاور والاجتماع، لذا كانت على الأغلب بعيدة عن الاستبدادية والتفرد بالحكم والقرار، وهو ما يشبه الاحتكام إلى القرار الجماهيري وبخاصة في أمور الحرب والدفاع والبشي وهو أعلى مسؤول في الجهاز الإداري الشركسي.
الرقص الشركسي بين الاقتباس والأصالة:

الرقص هو أم اللغات والإنسان قبل أن يعرف لغة اللسان كان يعبر عن رغباته وأفكاره بالإشارة، والرقص كذلك لغة إشارة يستخدم فيها الراقص كل جسده لإيصال فكرة ما، وينقل الرقص الفكر والمعتقدات السابقة للأجيال اللاحقة، ولأن الشركس فقدوا الكثير بسبب ويلات الحروب المستعمرة والمتواصلة، فقد كان بإمكانهم أن يسجلوا تاريخهم وأفكارهم ومعتقداتهم من خلال الكتابة، والفن الشعبي متمثلاً بالرقص أغلب الأحيان،  حيث أخذ على عاتقه دور سفير التاريخ وصار هو التاريخ بحد ذاته، وبات كالتحفة الفنية الثرية كلما ازداد عمرها وقدمها زادت قيمتها الجمالية والمعنوية بما تحمله من روح الماضي العريق:
 الرقص الشركسي: وهو فنٌّ رفيع المستوى وله قواعد احترافية شاسعة ويسرد الرقص الشركسي الحياة الاجتماعية بكافة جوانبها، فترى الجانب الديني متمثلاً بعبادة وتقديس الآلهة المختلفة التي كان يؤمن بها الشراكسة، وفيه نرى الشخصية الحربية متمثلة بحركات الفروسية العنيفة وإيماءاته في استخدام الأسلحة المختلفة، ونجد أيضاً الجانب الإنساني للرقص فهو يعجب ويحب ويعبر بكل أحاسيسه ووجدانه عن ذلك بأسلوب بسيط وصادق، كما نجد تأثير الطبيعة على الإنسان الشركسي فيقتبس الرقص من النسر والبحر والحصان، ولا يكون الرقص الشركسي فقط في حفلات الزواج بل يكون لدى العودة من القتال وعند العمل أو إكرام الضيف فهو خطوة يتوارثها الشراكسة أباً عن جدّ وهو مدرسة للتأمل والابتهال، وقد حافظ الشراكسة على ثقافتهم في سوريا وتركيا والأردن بشكل خاص، والرقص الشركسي جماعي أو مزدوج بين شاب وفتاة تسمى الحفلة التي يقام فيها الرقص الشركسي (الجوك).
 
رقصات مختلفة تُظهِر أصالة وعراقة الفن الشركسي:
أولاً: القافة؛ رقصة اللقاء الأول وهي الرقصة الحميمة لدى الشباب خطواتها بدائية تشبه المشي الطبيعي، يظهر فيها الشاب كبرياؤه ونبل وعزة نفسه وفيها يشاهد الشاب الفتاة لأول مرة ويتوقف عليها ويدور كل منهما حول بعضهما البعض.
ثانياً: الشاشان؛ وهي رقصة نشطة وحديثة نسبيا يظهر الشركسي قوته الجسدية وتأتي بتسلسل بعد القافة، تمتاز هذه الرقصة بخفة الحركة والرشاقة والسرعة، يتماشى أسلوب رقصة الشاشان مع الأسطورة التي تقول أن أحد الشباب الشركس كان يفكر في محبوبته أثناء استلقائه على الأرض وموجهاً نظره للسماء، ورأى نسريَن في السماء يدوران في دائرة واسعة وتصغر الدائرة تدريجياً ثم تتسع مرة أخرى من هنا أتت فكرة رقصة الشاشان.
ثالثاً: الودج؛ من أقدم الرقصات الشركسية تأتي في الهرم بالنسبة للرقصات الشركسية، وهي الرقصة الوحيدة التي تسمح للشباب الإمساك بيد الفتاة ويطلق عليها رقصة “الوفاق” حيث تأتي بعد التعارف، والآلات الموسيقية التي تعزف في الحفلات هي: الناي والأوكورديون / البشنة/.
 أما الزي الشركسي: يتألف لباس الرجل الشركسي التقليدي من سروال فضفاض أسود بالإضافة إلى قميص يرتديه فوقه سترة طويلة لها جيوب خاصة للرصاص، ويتوسطها سكين يدعى “قامة” وينتعل حذاء طويل من الجلد، أما غطاء الرأس فهو قبعة سوداء اللون مصنوعة من الفرو أو الجلد تدعى/ قلبق/، أما لباس المرأة الشركسية فهو: ثوب طويل محتشم يتوسط زخارف خفيفة في منتصف الصدر، مع قبعة طويلة يتدلى من أعلاها منديل شفاف يغطي الرأس ويدعي /شامية/.