بعد عام من الاحتلال… عفرين تكشف عن الوجه الدميم لأردوغانِ

268
تحقيق/ حسن ياماتو –
ما بين عامي 2010 و2019؛ تسع سنوات تغير فيها الكثير دوليّاً وعربياً، ففي منطقتنا؛ هبت خماسين ما سُمي بالربيع العربي فأضعفت الأنظمة والجيوش والدول، وعاد حلم الخلافة يداعب المخيلة المريضة لرئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان بعد أن صعدت أحزاب الإسلام السياسي في تونس ومصر للحكم، تلك الأحزاب التي يتواجد قلبها في أنقرة وتمتد شرايين الدعم إلى مختلف البلدان العربية؛ تحت ذريعة محاربة مرتزقة داعش وتحجيم أي دور للكرد. اتسعت رقعة النفوذ التركي شمال سوريا على نحو غير مسبوق، منذ أن أطلقت أنقرة عملية درع الفرات في آب 2016، ودخلت دباباتها للأراضي السورية لأول مرة. فقد استعادت تركيا مؤخراً الحقبة العثمانية في سوريا (1516 ـ 1918)، ولوحت بوجود وثائق تؤكد أحقيتها في بسط سيطرتها ليس على قرى ومدن حدودية متاخمة للحدود التركية، بل حتى حلب ودمشق كما جَهر بذلك وزير داخلية أردوغان سليمان صويلو مؤخرَاً.
وراح أردوغان يتحرك وكأنه ملك الوطن العربي شرقاً وغرباً وأصبحت الفرصة سانحة لإعادة أمجاد الباب العالي، وبدأ الترويج لفكرة العثمانيين الجدد، إلا أن الرياح أتت بما لا يشتهي الرئيس التركي الإخواني، حيث سرعان ما سقط الإخوان في مصر وتونس وتعثروا في ليبيا وسوريا فشعر الآغا المذبوح بانهيار الحلم وضياع الأمل، وأمام حالة اليأس؛ كشف أردوغان عن وجهه الدميم ولم يعد يخجل من جرائمه، وبالحجج الواهية نفسها والحديث المتكرر عن دعم الحكومة السورية للكرد والأمن القومي التركي أعاد من جديد حشد القوات على الحدود، وبعد أكثر من عامين من التهديد؛ قام بالفعل بالتوغل في الأراضي السورية منتهكاً حرمتها وراحت مرتزقته وجنوده ينهشون في الجسد السوري حتى احتل عفرين على مرأى ومسمع من المجتمعين العربي والدولي، وها هو اليوم يحمي إمارة التكفيرين في إدلب؛ بحجة حماية المدنيين ويتحدث ليل نهار عن احتلال منبج ومناطق شرقي الفرات؛ بذريعة محاربة “الخطر الكردي” وإعادة إسكان عائلات مرتزقته فيها، بينما لا يخفى على القاصي والداني سعي أردوغان المسعور لتحقيق “الميثاق الملّي” واقتطاع ثلث مساحة سوريا وضمها للدولة التركية الراعية الأولى للإرهاب التكفيري الإخواني.
ما كان كل هذا التهديد والوعيد والقصف الحدودي لمواقع قوات سوريا الديمقراطية؛ سوى محاولة يائسة لفك الحصار عن مرتزقة داعش في ريف دير الزور والذين يلفظون الآن أنفاسهم الأخيرة، كي لا تنكشف خفايا من كان وراء ظهور وتمويل داعش وكيف شن داعش هجماته عبر العالم وبمساعدة من، وكي لا تنهار دول أخوة أردوغان في الإرهاب. لكن؛ انهيار دواعش أردوغان واستسلام الآلاف منهم لقوات سوريا الديمقراطية أصاب أردوغان وجلاوزته في مقتل واسقطت عنهم ورقة التوت وعززت كثيراً من مصداقية وسمعة قوات سوريا الديمقراطية عالمياً.
أسباب عديدة سمحت بتجرؤ أردوغان على السيادة السورية والعربية،  فعربياً لم يعد الوطن العربي متماسكاً أمام التحديات التي عصفت به خلال السبع سنوات الماضية، فالإرهاب اتخذ منه موطئاً في ظل دعم قطر له؛ الأمر الذي دفع عواصم عربية لقطع علاقاتها بالدوحة عقاباً على إضرارها بالأمن القومي العربي، وهو الموقف الذي انقسم حول دعمه أو نقده بقية الدول العربية.
 
تاجر الأزمات المُفلِس وأكبر منافق في العالم
بعقلية الرجل الذي قال يوماً “حتى مع عدوك؛ فإنك لا تقطع العلاقات نهائياً. قد تحتاج إليه”؛ يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طريقه في استغلال المشاكل الإقليمية وحتى العالمية لصالحه، لدرجة وصفه من قبل البعض بتاجر الأزمات. استفاد أردوغان من مشاكل إقليمية وعالمية، بدأت بالعقوبات الأمريكية على إيران، ووصلت إلى ذهبْ فنزويلا وأموال الاتحاد الأوروبي ومطالب أخرى مقابل وقف المتاجرة باللاجئين. هكذا كانت استراتيجية أردوغان في تنفيذ الاتفاق الذي وقعه مع الاتحاد الأوروبي في آذار 2016 للحد من الهجرة إلى أوروبا. وحينها استغل أردوغان الأزمة أبشع استغلال وصلت إلى حد المساومة والابتزاز، فتارة يعد بوقف اللجوء مقابل الأموال، ومنحه الحق في احتلال أجزاء من شمال سوريا بذريعة إيجاد مناطق آمنة للاجئين وأخرى مقابل عضوية الاتحاد الأوروبي، وثالثة مقابل الكف عن انتقادات حقوق الإنسان في بلاده. يتاجر بالإسلام والقضايا الإسلامية. لكنه؛ كما قال ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي: “أكبر كذاب ليس فقط في العالمين الإسلامي والمسيحي، بل والبوذي والهندوسي أيضاً. يتحدث ليل نهار عن القدس وفلسطين. لكنه؛ لا يدعم الفلسطينيين سوى بكلماته الجوفاء، فحتى اسم تركيا لم يكن بين أسماء عشرين دولة التي قدمت أكبر مساعدة اقتصادية للفلسطينيين العام الماضي مثلا”.
 
طريق الإرهاب السريع عبر دولة أردوغان

ينظر إلى الدولة التركية باعتبارها أحد أكبر المساهمين في صعود التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وكامل العالم الإسلامي، فابتداء من أواخر عام 2012 وحتى اليوم، كانت المدن الحدودية التركية بمثابة مراكز لوجستية رئيسية للمقاتلين الأجانب الذين دخلوا إلى سوريا والعراق للانضمام إلى داعش وغيرها.
وسافر المقاتلون الأجانب من جميع أنحاء العالم أولاً إلى تركيا ومنها إلى العراق وسوريا، ومن هنا شكلت تركيا العمود الفقري لداعش. ففي عام 2013 وحده، اجتاز نحو 30 ألف إرهابي الأراضي التركية، وفقاً لتقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في نيسان الماضي؛ مما أسفر عن ما يسمى بالطريق الإرهابي السريع، حيث أصبحت البلاد قناة لمقاتلين يسعون للانضمام إلى داعش والقاعدة.
 
عَرّاب الإرهاب يتهمُّ كل من يعارضه بالإرهاب
 من “الإرهابيين الاقتصاديين” إلى “إرهاب الطعام”؛ تتعدد مصطلحات رجب طيب أردوغان، وعندما يتعلق الأمر بتحقيق أهدافه، لا يتوانى في الاستعانة بشمّاعة الإرهاب في معاركه الكلامية الكثيرة التي يخوضها في الداخل والخارج.
وخارجياً، يصف الرئيس التركي المقاتلين الكرد المنضوين تحت “وحدات حماية الشعب” بمنظمة إرهابية. وقال أردوغان في تصريح شهير له في 2015: “إن قتال الوحدات ضد داعش لا يعطيها شرعية”، بينما لا تعد الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي وحدات حماية الشعب منظمة إرهابية، بل تدعمها واشنطن والتحالف الدولي. وكذلك داخلياً يتهم كل من ينتقده أو يعارضه بالإرهاب والانتماء لحركة غولن أو حزب العمال الكردستاني.
وفي المقابل، لا يسمي أردوغان أعضاء هيئة تحرير الشام، وهو تحالف إرهابي تكفيري يضم جبهة النصرة، الفرع السابق لتنظيم القاعدة بسوريا، وغيرهم من أعضاء عشرات التنظيمات الإرهابية المتطرفة كحراس الدين والحزب الإسلامي التركستاني وجند القوقاز وفيلق الشام، يدعمهم نظامه في الشمال السوري، بالإرهابيين، بل يطلق عليهم “معارضين معتدلين”.
ومؤخراً؛ كشف تقرير للمخابرات الهولندية أن داعش يستخدم حالياً الأراضي التركية كقاعدة استراتيجية لاستعادة قوته وإطلاق حرب سرية في أوروبا، حسبما أورد موقع “إنتل نيوز” المتخصص في شؤون الاستخبارات، وجاء التقييم في تقرير نشرته لأول مرة دائرة المخابرات العامة والأمن في هولندا، المعروفة باسم “آيفيد”، باللغة الهولندية على موقعها الإلكتروني تحت عنوان “تركة سوريا” الجهاد العالمي لا يزال يشكل تهديدا لأوروبا”، وإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت تركيا موطنا لعشرات الآلاف من المتعاطفين مع القاعدة وداعش، فيما حافظ التنظيمان على وجود نشط في جميع أنحاء تركيا. وأكد التقرير أن الحكومة التركية “تعطي مساحة تنفس كافية وحرية تنقل لهذه التنظيمات من أجل العمل في البلاد”. ويستغل التنظيمان الاستقرار النسبي في تركيا؛ من أجل وضع خطط لمهاجمة الأهداف الغربية، بحسب الاستخبارات الهولندية. وقال: “إن داعش يخطط لتشكيل وتوجيه حرب سرية في القارة الأوروبية”.