الأزمة الأخلاقيّة للقوى المناهضة للمجتمع

148
عبد الله أوجلان –
لا تزالُ آثارُ تقاليدِ زرادشت – ماني الأخلاقيّةِ موجودةً ومنتشرةً من الشرقِ الأوسط إلى الهندِ وأوروبا (المجوسيّة، الإيزيديّة). وكلمةُ «زنديق» ذاتُ أصولٍ زرادشتيّة، كما أنّها أصلُ كلمةِ «ساينس Science» المُستَخدَمةِ راهناً بمعنى العلم في الإنكليزيّة. من الضروريِّ التبيانَ أنّ الأنبياءَ اليهودَ في عهدِ السبيِ البابليّ (600 –456 ق.م) والفلاسفةَ الإغريقَ – الإيونيين في عهدِ الإمبراطوريّةِ الميديّةِ – البرسيّة، انتَهَلوا بشكلٍ ملحوظٍ من التعاليمِ الزرادشتيّة. وبالإضافةِ إلى هذَين التيّارَين، انتهَلَ منها المُستَشرِقون الأوروبيّون أيضاً بشكلٍ مباشر. كما ومن الضروريِّ التبيانَ وبالأهمّيّةِ نفسِها أنّ تعاليمَ كلٍّ من كونفوشيوس وسقراط وبوذا المُعاصِرين لزرادشت (ما بين القرنَين السادسِ والخامسِ قبل الميلاد) أيضاً ترتَكِزُ في أساسِها إلى المجتمعِ الأخلاقيِّ، وتُمَثِّلُ دفاعاً أخلاقيّاً وطيداً للغايةِ تجاه خطرِ المدنيّةِ المُحيقِ بالأخلاق. هذا ويَحتَلُّ العنصرُ الأخلاقيُّ مكانةً هامّةً جدّاً في تعاليمِ الإسلامِ والمسيحيّةِ في العصور الوسطى. أما في عهدِ المدنيّةِ الأوربيّة، أي حداثتِها، فتَشهَدُ الأخلاقُ تآكُلاً ونَخراً جدّياً. وكنّا قد تطرَّقنا باستفاضةٍ إلى أسبابِ ذلك.
حتّى هذه الاستذكاراتُ التاريخيّةُ الموجَزَةُ تشيرُ إلى أنّ المجتمعَ الأخلاقيَّ أَبدى مقاومةً عظمى. حيث لَم تَستَسلمْ الأخلاقُ لقوى المدنيّةِ طالما بَقِيَت صامدةً كأخلاق. أي أنّ الإصرارَ الأخلاقيَّ لديموس Demos لَم يَغِبْ أو يَنقُص في أيِّ وقتٍ من الأوقاتِ تجاهَ دينِ وقانونِ المدنيّةِ المفروضَين. من هنا، فالقضيّةُ والمهامُّ الأوليّةُ الراهنةُ المعنيّةُ بالأخلاق تتعلّقُ بكيفيّةِ مَوضَعَتِها. لا ريب أنّ علمَ الأخلاقيّاتِ (نظريّة الأخلاق Etic) الذي يُعَدُّ حقلاً من حقولِ علمِ الاجتماع، يُشَكِّلُ مَهَمَّةً معنيّةً بالميدانِ الفكريِّ الذي يجب تطويرَه بعنايةٍ وأهمّيّة. المهمُّ هو كيفيّةُ تكامُلِ الأخلاقيّاتِ مع المجتمع، وكيفيّةُ إعادةِ تعبئةِ المجتمع بالأخلاقِ على أسسٍ أوطد وأمنع، بعدَما كان تَعَرَّضَ إلى التعرية. وظيفةُ إعادةِ إنشاءِ الأخلاقِ ليست قضيّةَ العصرِ والحداثةِ فحسب، بل هي أيضاً قضيّةُ سيرورةِ أو عدمِ سيرورةِ المجتمع. لقد تَبَدّت للعيان استحالةُ التغلّبِ على الأزمةِ العالميّةِ عنوةً وبقوّةِ القانونِ الإرغاميّة. كما أنّ العودةَ مجدّداً إلى النزعةِ الدينيّة حَدَثٌ يائس. ينبغي الإدراك بشكلٍ حسنٍ استحالةَ نفاذِ الحداثةِ من الأزمةِ العالميّة بأيِّ سبيلٍ كان، ما لَم يُفَعَّلْ النسيجُ الأخلاقيُّ القويُّ للطبيعةِ الاجتماعيّةِ مجدَّداً. فالأزمةُ المُعاشةُ أزمةٌ خَلَقَتها قوى نظامِ المدنيّةِ المناهِضةُ للمجتمعِ برمّته والمعمّرةِ خمسةَ آلافِ سنة على حسابِ المجتمعِ الأخلاقيّ. بالتالي، فالبحثُ عن المَخرَجِ في المجتمعِ الأخلاقيِّ (والمجتمعِ السياسيِّ أيضاً بِحُكمِ تَرادُفِ الأخلاقِ مع الديمقراطيّةِ المباشرة) من ضروراتِ الدياليكتيك. ومن المستحيلِ تحديدَ أيّةِ مَهَمَّةٍ أخلاقيّةٍ بشكلٍ سليم، ما لَم يتمّ الإجماعُ على هذا التشخيص كمبدأ. والحالُ هذه، فإذ ما عَمِلنا مُجَدَّداً على تحديدِ المهامِّ الأخلاقيّةِ على شكلِ مبادئ ضمن إطارِ نشاطاتِ العصرانيّةِ الديمقراطيّةِ في إعادةِ الإنشاء كسلاحٍ فتّاكٍ للنفاذِ من أزمةِ الحداثةِ العالميّة:
أزمةُ الحداثةِ العالميةُ (الأزمةُ الراهنةُ النظاميّةُ والبنيوية) ثمرةٌ للدمارِ الذي مارسَته قوى المدنيّةِ المعمّرةِ خمسةَ آلافِ سنةٍ ضدّ المجتمعِ الأخلاقيّ. بالتالي، فالبحثُ عن النفاذِ من الأزمةِ أيضاً ضمن إطارِ إعادةِ إنشاءِ المجتمعِ الأخلاقيِّ أمرٌ صحيحُ بِحُكمِ الدياليكتيك، بل هو بمثابةِ الخَيارِ الأوليّ.
بالرغمِ من كلِّ مساعي تفسيخِ وإفناءِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ (من قِبَلِ قوى المدنيّةِ والحداثة)، والذي يُعتَبَرُ المُكَوِّنَ الأساسيَّ للعصرانيّةِ الديمقراطيّة؛ إلا أنّه لا يَزالُ مستمرّاً بوجودِه كطبيعةٍ اجتماعيّةٍ بنسبةٍ ساحقة. فقوى المدنيّةِ شبكةٌ نخبويّةٌ ضيّقة (ربّما لم يَتَعَدَّ حَجمُها في يومٍ من الأيامِ 10% من الطبيعةِ الاجتماعيّة)، بينما الوزنُ الأساسيُّ لا يَزالُ يُشَكِّلُه جميعُ المسحوقين والمستَغَلّين من الأممِ، الشعوبِ، الأثنيّاتِ، النساء، مجتمعاتِ القريةِ – الزراعة، العاطلين عن العمل، البدو الرُّحَّل، الشبيبة، والمجموعاتِ الهامشيّةِ وأمثالها.