صليب داعش وأحفاد صلاح الدّين

66
محسن عوض الله –
 كالفئران جلسوا في ذلّة وخنوع، تعلو وجوههم الحسرة ويكسوها الانكسار، عيونهم الوقحة أصابها نور الحقيقة بالعُمي، رؤوسهم التي ظنّوها شامخةً تطأطأت في ذلّ وانكسار، ألسنتهم التي طالما هدّدت وتوعّدت أصابها الخرس، مشهدٌ لن ينساه التاريخ، قيادات مرتزقة “داعش” الإرهابيّ تستسلم لقوّات سوريّا الدّيمقراطيّة عند الضفّة الشرقيّة لنهر الفرات، في أكبر عمليّة استسلام جماعيّ من عناصر داعش منذ إشهار خلافته المزعومة 2014 بحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان.
زعموا أنّهم أسود الخلافة، فسقطوا على يد أسود سوريّا وقوّاتها الدّيمقراطيّة، قالوا سنحرّر العالم، فأصبحوا أسرى أذلّاء، توعّدوا الجميع بالقتل والنار، فأذاقتهم اللبؤات الجحيم في الدنيا قبل الآخرة، ويجدر بالعالم أن يقف تقديراً وإجلالاً لقوّات سوريّا الدّيمقراطيّة التي نجحت بالوقوف في وجه مغول العصر وإنهاء أسطورة داعش التي لا تمتّ بصلة للإسلام من قريب أو من بعيد. مشهدٌ ربّما يعيد للذاكرة أيّاماً من تاريخ المجد الإنسانيّ والإسلاميّ، عندما وقف الزّعيم الكرديّ المسلم صلاح الدين الأيوبيّ في وجه الحملات الصليبيّة التوسّعيّة التي تتشابه مع داعش في استغلال الدّين إسلاميّاً كان أو مسيحيّاً، كمطيّة وذريعة لتبرير جرائم السرقة والنهب والاغتصاب باسم الربّ.
في كتابه “الحروب الصليبيّة كما رآها العرب”، يتحدّث الكاتب اللبناني أمين معلوف، وهو مسيحيّ الدّيانة عاش في أوروبا ويحمل الجنسية الفرنسيّة، ما يعني أنّه ليس متحيّزاً ضدّ أبناء دينه ولا جنسيّته الغربيّة، أنّ جنود الحملات الصليبيّة قاموا بسرقة ونهب كلّ الممتلكات الصليبيّة التي احتلّوها بالشرق الأوسط حتّى الكنائس المسيحيّة لم تَسلَم منهم، كما قاموا باضطهاد الرّهبان والقساوسة وقتلهم، وهو ما يؤكّد كذب ادّعائهم بالعمل على حماية المسيحيين بالشرق من اضطهاد المسلمين، بحسب الكاتب.
وينقل الكاتب عن المؤرّخين الفرنسيّين ”راؤول دي كين” و”ألبير دكس” اللذين رافقا الحملات تأكيدهما أنّ جنود الحملات الصليبيّة أكلوا جثث المسلمين بعد دخولهم مدينة المعرّة بعد حصار دام ستة أشهر!
تصرّفات الصليبيّين؛ تتشابه بشكل كبير مع ممارسات وجرائم عناصر داعش، الذين لم يتورّعوا عن قتل واغتصاب وسبي الآلاف من المدنيين في سوريا والعراق وقطع رؤوسهم، كما فعلوا مع الفتيات الإيزيديّات أو إحراقهم أحياء، كما فعلوا مع معاذ الكساسبة الطيّار الأردنيّ، فضلاً عن هدم الآثار التاريخيّة وسرقة آبار النفط وبيعه بالسوق السوداء للنظام التركيّ.

لم ينسَ العالم معركة حطّين رغم مرور أكثر من 830 سنة على حدوثها، ومازال الأطفال بالدّول العربيّة يدرسونها بالمراحل التعليميّة المختلفة كأحد أهمّ معارك التاريخ العربيّ والإسلاميّ؛ نظراً لدورها في وقف الإرهاب الغربيّ المسمّى زوراً بـجيوش الصليب”، وهو ما يوجب على الدّول العربيّة أن تتعلّم من تجربة قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة في إسقاط الإرهاب، وتُدرّس تاريخ معاركها مع مغول العصر الحديث داعش، وتوثّق تلك المعارك التي قام بها هؤلاء الأبطال، لتصبح أرشيفاً للعزّة والكرامة للأجيال الجديدة. قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة تتشابه في تكوينها بشكل كبير مع جيش صلاح الدّين الذي خاض معركة حطّين بعرقيّات مختلفة، مثل الأمازيغ والكرد والعرب، دون أن يكون هناك تمييز أو تفرقة بين أيّ من هؤلاء، وهو نفس ما تتّسم به قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة المعبّرة عن تنوّع وتعدّد شعوب شمال سوريّا، من عرب وسريان وكلدان وآشوريين وكرد، لا ميّزة لجنديّ على جنديّ ولا لفصيل على فصيل إلا بالكفاءة العسكريّة والقدرة القتاليّة.
يجدر بسوريّا أن تفخر بقوّاتها الدّيمقراطيّة تلك القوّات، التي تمثّل القوام الرّئيسيّ للجيش السّوريّ الجديد الذي حتماً سيتمّ تشكيله طال أمد الأزمة أو قَصُر، قوّاتٌ لا تعرف الطائفيّة ولا العنف المذهبيّ أو العرقيّ وهو أشدّ ما تحتاجه سوريّا الجديدة. سوريّا الدّيمقراطيّة جيش سوريّا الحقيقيّ، كلّ أبنائه سوريين محبّين لوطنهم، ونجحوا في حماية العالم بأسره من ذلك الطاعون المسمّى داعش، وأسقطوا خلافته التي تعهّدت أن تصل العالم كلّه، فإذا بها تتهاوى أمام أميرات الحرب وأسود المعارك.
يجدر بالأمّة الإسلاميّة أن تفتخر بأبناء سوريّا الدّيمقراطيّة كما تفتخر بالقائد صلاح الدّين الأيوبيّ، ولم يثبت على قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة أنّها انتقمت أو ارتكبت ما يخالف التعاليم السماويّة أو القيم الإنسانيّة في المعارك، ما أراهم إلا يمتثلون لوصيّة رسول الله محمّد لأصحابه: “لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً ولا تقلعوا شجراً أو تروّعوا طفلاً”. أنهى صلاح الدّين الأيوبيّ الإرهاب المقنّع بصليب المسيح عيسى، وأسقط أحفاده الإرهاب المتمسّح بجلباب النبيّ محمّد عاد الصليبيّون بعد رحيل صلاح الدّين، ونخشى أن يعود إرهاب داعش حال غفلة أحفاده فخذوا حذركم؛ فالمعركة لم تنتهِ بعد وستذكرون ما أقول لكم.