تركيا لعبت على الحبلين فانقطع الاثنان بها

35
لزكين ابراهيم –
بعد أن خطفت تركيا الثورة السورية وحولتها إلى أزمة، لتمرير مخططاتها الاحتلالية، رسمت لنفسها لعبة سياسية خاصة بها تمكنها من القفز على الحواجز كافة، واللعب على الحبلين دون أن تضطر للمواجهة المباشرة للقوى المتدخلة في الشأن السوري، فكانت تقفز من حضن أمريكا إلى روسيا وبالعكس. ولكن؛ يبدو أن لعبتها شارفت على النهاية وأوقعت نفسها في مأزق اللعب مع الكبار، واليوم تثبت الوقائع أن تركيا أوقعت نفسها بين أرجل الفيل الأمريكي من جهة والدب الروسي من جهة أخرى على الأرض السورية. والتغيرات الأخيرة في السياسة الأمريكية والروسية تنبئ بأن كليهما استثمرا سياسات أردوغان المراوغة وأوصلاه إلى نصف البئر وقطعوا الحبل به إن صح التعبير؛ لأن أمريكا التي كانت طيلة الأشهر الماضية تغازل تركيا وتعِدها باستلام سوريا بعد الانسحاب وإقامة حدود آمنة لها تحت إشرافها تبخرت كلها اليوم بعد الإعلان الأخير عن إبقاء قوات أمريكية وأممية لحفظ السلام واستبعاد تركيا منها. ومن جهة أخرى؛ فإن روسيا أيضاً غيّرت مسار تصريحاتها بخصوص إدلب بعد سوتشي 4 وباتت تؤكد أنها ستجتاح إدلب قريباً، ويبدو أن روسيا جادة هذه المرة وأن المناخ الدولي بات مهيأ لها للقيام بالعملية العسكرية على إدلب التي تسيطر عليها “جبهة النصرة” بشكل شبه كامل.
بالإضافة إلى ذلك؛ فإن تصريحات لافروف الأخيرة بدت مستفزة لتركيا، والتي يقول فيها إنهم لا يتفقون مع تركيا على أن الكرد إرهابيون، وأشار إلى إمكانية أن تشارك الشرطة الروسية في الحدود الآمنة، الأمر الذي يشير إلى أن هناك تفاهمات أمريكية وروسية حول شكل المنطقة المزمع إقامتها على الحدود السورية التركية. وأقل ما يمكن قوله عن أردوغان وسياسته طيلة فترة الأزمة السورية أنه “كذب الكذبة وصدقها” أو أنه نصب الفخاخ ووقع فيها، والأنكى من ذلك أنّ من ادّعوا أنهم معارضة سوريا، واحتموا بالمظلّة التركية، صدقوا الكذبة الأردوغانية على أنه سيدعمهم حتى إسقاط النظام، وتباهوا بهذا اللاعب السياسي المحترف الذي يقفز بين المطبات السياسية، ويهبط بالمظلّات كلّما احترقت أجنحته، حتى وقعوا هم أيضاً في الفخ الذي نصبه أردوغان في سوريا. بعد أن أوهمهم أنّه جاء منقذاً لهم. لكنه؛ وبعد ثماني سنوات تبيّن أنّه تاجر محترف، ادّخر المجموعات المسلّحة للمعارضة والإرهابية منها ليشتري بها مصالحه، ويحقّق بها أرباحًا شخصية في الأوقات الصعبة، ويبدو أنّه أوشك على صرف آخر ما بقي بين يديه من المجموعات المسلحة التي جمعها في مطمورة إدلب.
إنّ أردوغان الذي نصب الفخاخ ونشرها بعد أن موّهها بالشعارات الإسلامية والخلافة في طول الشرق الأوسط وعرضه وجد نفسه يقع فيها؛ لأنّ الجميع بات يتقن نصب الفخاخ أيضًا، ودخل أردوغان الفخّ السوري الذي كان قد أعدّه بنفسه، فهو لم يعد قادراً على الخروج منه دون خسائر، ولا على المتابعة فيه لتعقيداته. فحاول التملّص من الفخ بصناعة فخّ داعش الذي شارك في نصبه بين سوريا والعراق، لعلّه يساعد في تحقيق طموحاته في المنطقة، لكن انقلب السحر على الساحر، وهُزمت داعش أمام قوات سوريا الديمقراطية وباتت مناطق شمال وشرق سوريا كاملة تحت سيطرة الأخيرة. فخاخه فيها لاصطياد الجميع، من العرب والكرد والنفط وخطوط الطاقة وما إن انهار الفخ الداعشي حتى وجد أردوغان أنه أمام الفخ الكردي، الذي كان نتيجة حتمية لانهيار داعش، ونتيجة طبيعية لقدوم الروس والأمريكان إلى المنطقة. واليوم يتأرجح تغير موقف أردوغان من الشأن السوري وبات يعيش في دوامة لا يعرف الخروج منها، ولم يبقَ له مجال للمناورة بعد أن راوغ في كل المؤتمرات والتفاهمات وعصرَّ كل مهاراته في تلافي محاصرة الروس له؛ لأن الروس قد نفَد صبرهم من مراوغة أردوغان في موضوع إدلب.