الأزمة السوريّة بين المصالح الإقليمية والهُدَن السياسية

30
وكالة هاوار –
سبع سنوات عجاف لم تنتهِ كما أرادها السوريون لتزيدها سنة أخرى, مرت بعشوائية عمياء ما بين الدمار والتهجير وصفقات السياسة الدنيئة, سارعت خلالها دول الصراع لجني محصول هذه الحرب كل لصالحه, من عفرين إلى الغوطة وغيرها من المناطق السورية التي لم تحسم فيها الهدن السياسية معاناة السوريين.
 
بين الأطماع والتدخلات الخارجية
سيبقى 15 آذار محفوراً في ذاكرة السوريون؛ لأنه كان موعد انطلاق ما سُمي بـ “الربيع” السوري”، ففي هذا اليوم خرج المتظاهرون في دمشق وبعض المحافظات الأخرى في احتجاجات شعبية للمطالبة بتحسين أوضاعهم، ولكن سرعان ما تغيرت الأوضاع إلى مواجهات عسكرية بين نظام متمسك بالسلطة ومعارضة مرتبطة بالخارج تسعى لتحقيق أهداف وأطماع قوى إقليمية ودولية في سوريا، دفع ثمنها السوريون من دمائهم. وعلى أعتاب السنة الثامنة لهذه الحرب, تسير معاناة السوريين كشريط من الصور الممزوجة، فمن حكومة ترى بأن كل من خرج ضدها إرهابي إلى معارضة فقدت البوصلة ليسير الإرهاب خلفهما مسيطراً على مساحات واسعة. لكن؛ وفي آخر الشريط هناك صور مفرحة للسوريين حيث ورغم النكسات السياسية والاجتماعية في سوريا هناك من واجه اليأس وجحيم الحرب وتمكن من القضاء على مرتزقة هدد العالم أجمع وهم داعش.
البداية من درعا.. تسارع للأحداث وخلط للأوراق
كانت البداية في شباط 2011 عندما خرج عدد من المواطنين في الشارع السوري هاتفين “الشعب السوري ما بينذل” انقسمت خلالها دوافع هذه الحماسة الغريبة بين حديث عن إهانة ضابط أمن لأحد المواطنين في الشارع, ورغبة في ركوب قطار ما سُمي “الربيع العربي”. وفي آذار من العام نفسه؛ اعتقلت قوات الأمن السوري مجموعة من الأطفال كتبوا على جدار مدرستهم عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” في مدينة درعا، لتنطلق على إثرها احتجاجات تطالب النظام بمعاقبة عناصر الأمن، إلا أن الموضوع لم يقتصر على هذا، فتصاعدت الاحتجاجات لتحاصر قوات النظام مدينة درعا والتي سميت “مهد الثورة”.
ورغم كل هذه التطورات المتسارعة إلا أن أغلب السوريين كان يتابع ما يجري عبر التلفاز كمسلسل أحداث لم يضع مخرجه عدداً لحلقاته, فوكالة سانا التابعة للنظام تصف المتظاهرين بالمندسين والمخربين وتنقل أخباراً عن هجمات إرهابية, فيما يُصر ناشطو المعارضة بأن ما يحدث هو عبارة عن مظاهرات سلمية وينددون برد النظام العنيف عليها.
ولم يطل ذلك كثيراً حتى توسعت المظاهرات لتشمل مناطق سورية أخرى ليبدو الانقسام واضحاً داخل المجتمع السوري بين معارض يطلق على ما يجري اسم “الثورة” وموالي يسميها “مؤامرة” لينتقل هذا الانقسام إلى العالم بين داعم للنظام ومعارض له، فدول الخليج وتركيا والغرب رحبوا بالاحتجاجات ودعموها بينما روسيا والصين دعمتا النظام وحموه بالفيتو في مجلس الأمن وصولاً إلى الدعم العسكري الروسي.
وتسارعت الأحداث السورية لتصل نهاية عام 2011 وتعلن معها الأمم المتحدة بأن عدد الضحايا وصل لأكثر من 5000 شهيد, ومعها بدأت أيضاً المصالح الإقليمية والدولية بالبروز، فكانت تركيا رأس الحربة في ذلك حيث عملت على دعم تأسيس ما سمي المجلس الوطني في القاهرة علناً وفي الخفاء كانت تُدخل الإرهابيين إلى سوريا.
واختلطت أوراق الأزمة السورية سريعاً, المعارضة تنشئ مجلس في القاهرة, وزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري يدعو للجهاد في سوريا, الدبابات تجول في الشوارع السورية والطائرات تقصف حمص, وأمريكا والغرب يطلقون حرباً دبلوماسية ضد النظام ويغلقون سفاراتهم والخليج العربي يدعم ما سمي بالجيش الحر بالسلاح.
الحرب انتقلت إلى دمشق بالتزامن مع التصعيد في إدلب ليعلن ما كان يسمى الجيش الحر بأنه سيطر على أكثر من أربعين بالمئة من سوريا, أما النظام فرفض فأعلن تصديه لمؤامرة عربية غربية.
ومع بداية شهر تموز من عام 2012 شهد الحراك الدولي بشأن الأزمة السورية تصاعداً، حيث كثف الغرب ضغطه على النظام, واستخدمت روسيا والصين الفيتو ضد فرض عقوبات عليه, مسؤولون أمريكيون يعلنون وجود سلاح كيمياوي في سوريا والصليب الأحمر الدولي يصف ما يجري بحرب أهلية, فيما اعترفت إيران بنهاية العام بوجود قوات للحرس الثوري الإيراني في سوريا.
أما بداية عام 2013 فشهدت ارتفاعاً لنسبة الضحايا حيث وصلت الحصيلة لـ 80 ألفاً من بينها ارتكاب مرتزقة جبهة النصرة مجزرة بحق حوالي 200 شخصاً في ريف اللاذقية, بالإضافة لضحايا هجوم كيمياوي من قبل النظام على حي الشيخ مقصود في حلب, فيما شهد العام ذاته ظهور داعش في سوريا.
 
مساعٍ إقليمية لاستعادة أمجادٍ قديمة بخطط جديدة
من جنيف إلى فيينا مروراً بميونيخ، عقدت الدول العظمى العديد من الاجتماعات الخاصة بالوضع السوري، في مسعى من كل الدول المتدخلة في الأزمة السورية لإيجاد حل يتوافق مع مصالحها، فتحولت الثورة من ثورة على النظام إلى أزمة إقليمية تقاذفتها الدول المحيطة بسوريا للحفاظ على مصالحها من تركيا التي دعمت المجموعات المسلحة والإرهابية لإحياء آمالها في إعادة الأمجاد العثمانية، إلى إيران التي وضعت كل ثقلها في سوريا لحماية النظام من أجل الحفاظ على آمالها في إقامة الهلال الشيعي.
وفتحت تركيا مطاراتها لاستقبال الإرهابيين من أنحاء العالم كافة وسهلت عبورهم إلى الأراضي السورية، كما حولت حدودها إلى معابر يتدفق منها السلاح إلى الإرهابيين والمرتزقة في سوريا، وقدمت كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي والطبي لهم، أما إيران فحشدت الشيعة أينما كانوا يتواجدون وأرسلتهم إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام البعثي.
وتعقدت الأوضاع بشكل أكبر عندما تحولت هذه الأزمة إلى أزمة على المستوى الدولي يتنافس فيها كل من روسيا التي وضعت كل ثقلها في سوريا وتحكمت بالقرار السياسي الرسمي للنظام البعثي، والطرف الأمريكي الذي لم يضع كل ثقله لحل الأزمة وعمل في سنوات الأزمة الأولى على تأجيل الحسم والحل.
داعش يسيطر على مساحات شاسعة
في صيف عام 2014، سيطر مرتزقة داعش على مساحات كبيرة من سوريا والعراق، إذ سيطر في بداية شهر حزيران على مدينة الموصل العراقية وفي نفسه الشهر على مدينة الرقة وأعلنها عاصمةً لخلافته المزعومة في 29 حزيران، كما سيطر على الغالبية العظمى من دير الزور، بالإضافة إلى تواجده في كل من حلب، إدلب، حماة، ريف دمشق وعدد من المناطق السورية الأخرى، وبذلك بات يحتل ما يقارب نصف مساحة سوريا فيما انحصر تواجد قوات النظام البعثي في المدن الرئيسية فقط، في حين حملت وحدات حماية الشعب والمرأة على عاتقها مهمة الحفاظ على مقاطعات روج آفا الثلاث التي أعلن عنها في كانون الثاني 2014 والمتمثلة في مقاطعات الجزيرة، عفرين وكوباني آنذاك.
الولايات المتحدة تدخل إلى الأراضي السورية
وكان الدور التركي في سوريا منذ البداية دوراً سلبياً، حيث أدخلت الإرهابيين إلى سوريا ودعمتهم بالسلاح مما أدى لإنهاء المعارضة بشكل كامل وتنامت الجماعات الإرهابية وانشق آخرون إلى جانب مرتزقة تركيا, مما دفع الولايات المتحدة لتحويل اهتمامها من قتال النظام إلى محاربة الإرهاب.
ففي الرابع من آذار 2015 وصلت مجموعة من 50 مقاتلاً مزودين بجميع أصناف الأسلحة الحديثة من اللواء 51 بعد تلقيهم تدريبات ضمن إطار البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة المسلحة إلى سوريا عبر معبر باب السلامة بمدينة إعزاز. ولقي أفراد هذه المجموعة وخلال أيام معدودة مصرعهم، فيما فرّ آخرون وسلموا أنفسهم لمرتزقة داعش مع أسلحتهم.
خلال الحرب ضد الإرهاب استطاعت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة أن تثبت جدارتها في محاربة داعش. لذا؛ وبعد الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي بدأت قوات التحالف الدولي بتقديم الدعم الجوي لوحدات حماية الشعب والمرأة وخاصة في معركة كوباني، ليستمر هذا الدعم فيما بعد حتى إعلان تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول 2015، حيث حضرت الولايات المتحدة بمستشارين عسكريين في معركة تحرير منبج من مرتزقة داعش وتوسع دعم التحالف الدولي لقوات سوريا الديمقراطية حتى الإعلان عن تحرير مدينة الرقة عاصمة الخلافة المزعومة في 17 تشرين الأول 2017.
روسيا في سوريا بشكل رسمي
بعد أن فشلت قوات النظام وبدعم إيراني من هزيمة الجماعات المرتزقة المدعومة تركيّاً وخليجياً, استنجدت بروسيا فوقع الطرفان اتفاقاً في آب 2015 يمنح الحق للقوات العسكرية الروسية استخدام قاعدة حميميم في كل وقت من دون مقابل ولأجل غير مسمى.
وابتداءً من أيلول 2015، عززت روسيا حضورها العسكري في سوريا، إذ نشرت 21 طائرة هجوم أرضي من نوع سوخوي-25، و12 مقاتلة اعتراضية من نوع سوخوي-24، و6 قاذفات متوسطة من نوع سوخوي-34، و4 سوخوي-30 متعددة الأدوار بالإضافة إلى 15 مروحية (متضمنة مي-24 هايند الهجومية)، وبدأت باستهداف مرتزقة داعش وجبهة النصرة والمجموعات المدعومة من قوى إقليمية.
تركيا تحتل أراضٍ سوريا
ونتيجة للدور التركي السلبي في الأزمة السورية من حيث دعم الإرهاب واستخدام ورقة اللاجئين ضد أوروبا خسرت تركيا الدعم الأمريكي والأوروبي من جهة كما تعرضت في الوقت نفسه لضغوط روسية بالقضاء على مرتزقتها في سوريا مما ينهي وجودها هناك، وبذلك تدخلت بشكل مباشر في مسعى للقضاء على الكرد ونموذج الإدارة المشتركة الذي يتطور في روج آفا.
لذلك كان لا بد لها أن تضحي بالمجموعات التي دعمتها منذ بداية الأزمة والمدن التي كانت تسيطر عليها مجموعاتها، فأمرت مرتزقتها بالخروج من حلب وتسليمها إلى قوات النظام  بناء على اتفاق عقدته مع روسيا للسماح لها باحتلال جزء من أراضي الشمال السوري، فاحتلت تركيا بالتعاون مع مجموعات مرتزقة مساحات واسعة من سوريا امتدت من جرابلس شمالاً وحتى بلدة إعزاز إلى الغرب. كما احتلت مدينة الباب السورية باتفاق مع مرتزقة داعش, واحتلت أيضاً عفرين بصفقة مع روسيا مقابل تسليم الغوطة للنظام السوري.
وحاولت تركيا التوسع شرق الباب لتحتل مدينة منبج التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش في شهر آب 2016 إلا أن الولايات المتحدة نشرت قواتها في المناطق الشمالية من منبج، كما نشرت روسيا قواتها غرب وجنوب منبج لتدخل في نقاط التماس بين مرتزقة تركيا من جهة وبين قوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، وتفشل المخطط التركي.
والآن مع الدخول إلى العام الثامن، نرى ميدانياً إن قوات النظام تسيطر على حوالي 60 % من المساحة السورية، فيما تحمي قوات سوريا الديمقراطية حوالي 30 % من مساحة سوريا، في حين تحتل تركيا مع مرتزقتها وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة فرع القاعدة في بلاد الشام) مساحة 10 % من سوريا.
ومع الدخول إلى العام الثامن ما كان يتم الحديث عنه بأنه معارضة، بات خاضعاً لتركيا ويتحرك بإمرتها وكيفما تريد، ويسعى لتطبيق أجندتها الاحتلالية في سوريا، وبالمقابل لا يمكن الحديث عن نظام ذو إرادة؛ لأن النظام بات منقسماً بداخله بين مؤتمر بأمر إيران وآخرين يأتمرون بأوامر روسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، ويبقى السوريون وحدهم من يدفعون ثمن تضارب مصالح القوى المتدخلة في سوريا والنظام والمعارضة التابعة لتركيا التي يريد كل منهما السلطة ولا شيء آخر.