انتصارات قوات سوريا الديمقراطية فضحت محور آستانا

17
د. مهيب صالحة –
المساعي الإيرانية الروسية تجاه المنطقة العازلة
على مشارف السنة التاسعة؛ يلخص مجرى نهر الفرات السياسي كل تعقيدات المسألة السورية من بدايتها، فانتصارات قوات سورية الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على داعش شرقي الفرات، فضحت كل ادعاءات تحالف آستانا بقيادة الاتحاد الروسي حول محاربته لجبهة النصرة غربي الفرات. ففي موضوع الإرهاب الذي طفى على سطح المسألة السورية وحجب المواضيع الأخرى يتفق التحالفان على توصيف الإرهاب وتحديده، بكل من داعش وجبهة النصرة، واعتبار باقي الجماعات الإسلامية المناهضة للنظام السوري معارضة معتدلة لها نصيب في أي حل سياسي قادم.
لقد فشلت جميع المساعي الروسية الإيرانية لدى تركيا من أجل تنفيذ التزاماتها تجاه المنطقة العازلة، (المنزوعة السلاح الثقيل والمتوسط) في محافظة إدلب وشمال حماه واللاذقية لتأمين طريق دمشق حلب وطريق حلب اللاذقية، ولم تستطع تركيا أن تنفذ شيئاً من التزاماتها رغم المهل الكثيرة التي منحت لها من قبل شركائها. وكان من تداعيات فشل ثلاثية سوتشي الأخيرة دخول جميع أطراف آستانا وتوابعه السورية في عملية عض الأصابع، من خلال عمليات عسكرية محدودة بالمدفعية والصواريخ والطيران يذهب ضحيتها المدنيون من أطفال ونساء وكبار السن، ومن خلال التصريحات المتبادلة التي تنذر حدتها بقرب فرط عقد آستانا والذهاب إلى حلول أخرى. لقد حاولت الدبلوماسية الروسية الخروج من عنق الزجاجة لتبحث مع أنقرة على فتح قنوات اتصال مع دمشق للتنسيق معها في موضوعي النصرة والمنطقة العازلة في إدلب، وموضوع الحدود الآمنة شرقي الفرات التي قد لا يكون لتركيا أي يد فيها. لكن؛ جميع المؤشرات تظهر أن القوة الصلبة (القيادة العسكرية) غلبت القوة الناعمة (القيادة الدبلوماسية) في كل من موسكو وطهران، وقد ترجمت هذه الغلبة في هجوم الرئيس السوري أمام المجالس المحلية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واتهامه بالتبعية لسيده الأمريكي، وزيارته المفاجئة لطهران ولقائه المسؤولين الإيرانيين بغياب رأس الدبلوماسية الإيرانية محمد جواد ظريف، الذي رمى استقالته من منصبة على الإنستغرام بكلمات معبرة تطفح غيظاً وكيداً مما يجري على الساحة السورية. وتوج المشهد بزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى موسكو واتفاق الطرفين على تشكيل لجنة عمل مشتركة لإخراج الأجنبي والمقصود هنا إيران من سوريا، وتصريح لافروف رئيس الدبلوماسية الروسية بأن روسيا قلقة من تزايد نفوذ النصرة في إدلب ومخاوفهم تجاه ذلك. وفي الوقت ذاته لم يشترِ أحد تصريح الرئيس التركي بأن تركيا ستجعل إدلب منطقة آمنة؛ لأن التجربة تُثبت كل يوم أن تركيا تلعب على كسب الوقت من أجل تنفيذ أجندتها في عموم الشمال السوري بإقامة دويلة إخوانية غربي الفرات، ومنطقة أمنية شرقي الفرات، وهي تراهن في ذلك على حجم التناقضات بين روسيا وأمريكا، وبين روسيا وإيران، وتلويحها بورقة اللجوء السوري في وجه أوروبا وحتى غيرها.
استخدامهم كمسمار جحا
لقد نجحت الأطراف المتدخلة والفاعلة وتوابعها الداخلية في تحويل مسار القضية السورية من قضية سياسية عادلة لشعب صبور ومكافح، يطمح لحياة أفضل أسوة بكل الشعوب المتحضرة، إلى قضية إرهاب جماعات دينية حولها شكوك كثيرة بسبب ارتباطها بأجندات خارجية إقليمية ودولية، وليس لها أية علاقة بقضية الشعب السوري. وبالرغم من زعم هذه الأطراف أن الإرهاب يقتصر على داعش والنصرة؛ فإنها تستعمل الجماعات الإسلامية كما تسميها المعتدلة كمسمار جحا للقضاء نهائياً على قضية الشعب السوري العادلة وربطها بهؤلاء، والعودة بالبلاد إلى الاستبداد والقهر والظلم والاستتباع مرة أخرى.
والسؤال الأبرز الذي ربما يحرج الأصدقاء ـ الأعداء بخصوص آستانا، هو لماذا لا يشكلون تحالفاً على غرار التحالف الدولي بقيادة أمريكا لتحرير منطقة غربي الفرات وإدلب من جبهة النصرة، كما حررت قسد بالتعاون مع التحالف الأمريكي شرقي الفرات من مرتزقة داعش؟
وللإجابة عن هذا السؤال؛ لا بد من النظر إلى تحالف  آستانا من زاويتين: الأولى، حجم التناقضات في المصالح بين الدول الراعية له، والذي يزداد اتساعاً بسبب اختلاف أجندة كل منها حيال أطراف الصراع الداخلية، النظام والمعارضة، فروسيا تتمسك بإعادة إنتاج النظام. ولكنها؛ لا ترفض التضحية ببعض مرتكزاته في أي بازار مربح مع أمريكا في الملف السوري والملفات الأخرى العالقة بينهما. كما أنها لا تمانع التواصل مع أطراف المعارضة الإسلامية (المعتدلة)، وحساب حسابها تحت النفوذ التركي في أية تسوية، ومشاركة هذه الأطراف في آستانا تأتي في سياق التفاهم الروسي التركي حول شكل الحل النهائي. بينما إيران تتمسك بكامل النظام ولن تتخلى عن أي من مرتكزاته، كما أنها لا تعترف بالمعارضة الإسلامية بالرغم من تفهمها لمصالح تركيا في الشمال السوري وبخاصة عداواتهما المشتركة للكرد ومشاريعهم، وأي حل سياسي ترغب فيه إيران يجب أن يضمن عودة النظام كما هو من دون أي تغيير؛ لأنه الوحيد الذي يؤمن بقاءها وبقاء محور ما يسمى الممانعة الذي تقوده، في حين أن روسيا ذهبت بعيداً في التوافق مع أمريكا ومع إسرائيل على إخراج إيران من سوريا أو أقله من المنطقة الجنوبية. أما الثانية، فهي تقاطع مصالح دول آستانا تجاه إبقاء الوضع على حاله في إدلب وغربي الفرات، وبشكل خاص المحافظة على جبهة النصرة لاستخدام ورقة الإرهاب كوسيلة ضغط في مفاوضاتها مع بعضها في ملفات مناطق خفض التصعيد، وفي مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في الملف السوري وفي ملفاتها الأخرى معه: أوكرانيا والدرع الصاروخي واتفاقية الصواريخ متوسطة المدى والنفط والغاز والعقوبات الاقتصادية مع روسيا، والاتفاق النووي والعراق واليمن ولبنان والعقوبات الاقتصادية مع ايران، وفتح الله غولن والإدارة الذاتية في شرق الفرات والحدود الآمنة وعضوية الاتحاد الأوروبي مع تركيا. وفي مفاوضاتها البينية ومن الواضح أن تركيا لن تفرط بورقة النصرة غربي الفرات بعد أن خسرت ورقة داعش شرقي الفرات، كي تستخدمها للضغط على روسيا وإيران لمساندة مصالحها غربي وشرقي الفرات على امتداد حدودها مع سوريا، وخاصة أن روسيا وإيران تحسبان ألف حساب لتمدد التطرف السني إليهما في المراحل القادمة. وتعتبران تركيا الإخوانية صمام الأمان في وجهه، وفي الوقت ذاته تستخدم روسيا تمسك تركيا بهذه الورقة للضغط عليها في موضوع إدلب، وتوريطها منفردة في الحرب ضد تلك المجموعات الإرهابية هناك لابتزازها في مواقف سياسية أخرى، من قبيل فتح قنوات اتصال سياسية وأمنية مع دمشق، وتفعيل اتفاق أضنة ١٩٩٨عوضاً عن الحدود الآمنة؛ وذلك تمهيداً لتطبيع العلاقة بين الحكومتين السورية والتركية، وتقريب الأخيرة إلى شكل الحل الذي تطمح إليه روسيا. من جهة أخرى؛ فإن وجود النصرة في إدلب يمنح إيران فرصة البقاء في الشمال السوري واستخدامها كورقة في المفاوضات مع روسيا، من أجل دعم بقائها في الجنوب السوري وفك ارتباطها بأجندات إسرائيل بهذا الشأن، وفي الوقت نفسه تضغط على تركيا بمساندتها للأعمال العسكرية التي يشنها النظام على إدلب وتوفير قوة بشرية ضرورية على الأرض مساندة لسلاح الجو الروسي.

وجوب وضع المسألة السورية على سكة الحل
إن تعقيدات المشهد السوري غربي الفرات بالرغم من موافقة أطراف آستانا على احتلال تركيا لمثلث عفرين ـ جرابلس ـ الباب سوف تستمر طويلاً طالما لم توضع المسألة السورية برمتها على سكة الحل، وطالما أطراف آستانا تستخدمها بشكل فاضح في محافظة إدلب ومحيطها بين محافظات حماه وحلب واللاذقية.
في المقلب الآخر، قد يبدو أن المشهد السوري شرقي الفرات أقل تعقيداً مما هو غربي الفرات. لكن؛ تغريدة الرئيس الأمريكي ترامب من بضع كلمات واعلانه الانسحاب من سوريا فضحت هشاشة الوضع هناك رغم الانتصارات العظيمة على داعش، فقوات سوريا الديمقراطية بسطت سيطرتها الميدانية على عموم منطقة الجزيرة الواقعة شرقي نهر الفرات. لكنها؛ في الوقت ذاته تدرك أنها بحاجة إلى بسط سلطتها السياسية والاعتراف السياسي بها هناك. ولذلك؛ لا بد من وجود قوات التحالف وخاصة القوات الأمريكية رغم رمزيتها، وبخاصة أن داعش لم ينتهِ بالمعنى الفكري والعقائدي، وهذا ما أدى إلى تعديل تغريدة ترامب لاحقاً. وكان المراد من تغريدة دونالد ترامب ابتزاز الأصدقاء قبل الأعداء، فهو يقول للجميع أن مشروعها السياسي مرهون بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وبالتالي يتغير هذا المشروع مع تغير المصالح الأمريكية. ويقول للدول العربية في التحالف أن وجود أمريكا وحجمه شرقي الفرات مرهون بحجم تمويلاتها المقدمة، ويقول للأوروبيين بقاء قوات أمريكية رمزية يرتبط بزيادة عدتكم وعِتادكم، ويقول لتركيا الحليف في الناتو لا حدود آمنة ولا ترتيبات أمنية مع الكرد خارج قناة واشنطن. ويقول لروسيا إن أمريكا هي المقرر الأساس في سوريا ومن دونها لا يمكن أن تحل الأزمة السورية ولا بأي شكل من الأشكال، وانتصارها على داعش يسمح لها بصياغة المعادلات السورية وتوزيع الأدوار فيها، وأخيراً يطلق الانسحاب الأمريكي يد إسرائيل بمواجهة إيران في سوريا بضمانات وتعهدات روسية تريح إدارة ترامب.
في جميع الأحوال، إن تغريدة الرئيس الأمريكي التاجر وتداعياتها تذكر جميع الأطراف بأن تعقيدات المسألة السورية غربي الفرات ترتبط بتعقيداتها شرقي الفرات، وأن تداعياتها ستؤثر على ضفتي نهر الفرات كما هي الحال على عموم سوريا.