أرجوكم لا تلوموني!

102
أزهر أحمد –
رغم طراز أبنيتها الحديثة، وجمال إطلالة شرفاتها، وتوزيعها المتناسق على شكل جزر رائعة بارتفاعها المتساوي وبألوانها الموحدة وشوارعها العريضة، وتناثر الفسحات والحدائق الجديدة والقديمة .
تأملت امرأة جالسة تحت شجرة الزيتون ويتغير ملامح وجهها بتغير كلماتها ونبرة صوتها تتناسب مع مقدار ما تحملها من الكلمات والأحاسيس وهي تراجع صفحات أيامها وذكرياتها .
تصفن في شجرة الزيتون في جذعها العريض المجعد وأوراقها وحبات الزيتون المخبأة بين الأوراق وكأنها خائفة من المجهول .
فزادت العجوز ألماً عندما نظرت في تجاعيد وخطوط الجذع المتآكل وكأنها تنظر في المرآة المكسورة لترى تجاعيد وجهها في تجاعيد الشجرة الحزينة وتشاطرها الأحاسيس وتتقمص وجهها الأجعد وتتخيل نفسها العجوز أنها الجذع لعائلتها المشتتة والزيتون المتناثر على الأرض أو حبات دنسته أقدام الغزاة فعساً، وهي تتضرع إلى السماء ألماً، كأطفالها الجرحى والشهداء وزيتون سرقوه كأطفالها الأسرى القابعون في غياهب السجون. لتستمد المرأة العجوز قوتها من الزيتونة لحظات مداعبة نسمات الربيع لأغصانها الفتية لتتمايل تمرداً على اليأس لتكشف حبات زيتون فتية مازالت تنتظر الثأر .
لتتنقل العجوز تحت ظل الشجرة فتنظف كل ما حولها وتقلع بعض أكوام الشوك المتناثرة بجانب الجذع الكئيب .
فتفرش العجوز البساط الأخضر بجانب الجذع المتشبث بالأرض وتتلحف الأوراق المتناثرة على أغصان الزيتونة الحزينة من فوقها، لتطلق العنان لأفكارها إلى من أحباء بين غائب ومفقود أو معتقل او جريح أو شهيد، وهي تتلمس عكازتها المصنوعة من غصن زان معتق محروق، تحركه غضباً متوعدةً بالانتقام وهي تتذكر الماضي وتقارن بين الماضي والحاضر تتذكر منزلها المتربع فوق تلة بجانب جبل كرمينج، والغطاء الأخضر المحاط بمنزلها من أشجار الزيتون، واليوم لا شيء سوى زيتونة وحيدة وسط ساحة جرداء وأبنية كرتونية هيهات لها أن تستطيع أن تتحمل قصص المهجرين قسراً، من ظلم قذارة المحتل التركي ومرتزقته .
رغم أن الأصوات كثرت من حولها والجميع يترجى العجوز أن تترك المكان وحتى أن زوجها أيضاً أصرَّ عليها أن تذهب معهم إلى تلك الشقق الموجودة في المساكن المُعدة خصيصاً للمهجرين من عفرين، إلا أن العجوز تزداد تمسكاً بمكانها بجانب شجرة الزيتونة الوحيدة في المنطقة، وقد جهزت مكان نومها وهي تضع جعبتها الحاضنة لبعض صرر الأعشاب وصور أولادها؛ الشهيد والمعتقل والمقاتل، وكأنها متأكدةً بأن ابنها جودي ورفاقه المقاتلين ضمن قوات تحرير عفرين سيزفون لها خبر العودة إلى عفرين، وتقول لن أنام في الغرف الكرتونية، لا تلوموني أتركوني سأنام كي أحلم بخبر العودة، وأحلم بعودة ابنتي المفقودة، وهي تتمعن في جميع الصور وتقبلهم وتنظر إلى أوراق الزيتون وأغصانها وحبات الزيتون لتزداد إصراراً على البقاء، متأملةً حالمةً بالعودة إلى عفرين فتسقط العجوز ويسقط العكازة من يدها معلنةً الرحيل الأبدي، فيتعالى الصراخ لفراق العجوز وتبقى العودة حلماً وأمل لأهل عفرين، وبأن خبر العودة آتٍ لا محال له .