حقائق عن تركمان سوريا وآلية استثمار تركيا لهم(2)

63
تحقيق/ صلاح إيبو –
مخطط تركي لتتريك عفرين وتوطين التركمان فيها:
يظهر اليوم جلياً وبعد عام من احتلال تركيا لعفرين، المخطط التركي الهادف لتغيير معالم وديمغرافية عفرين الكردية، التي لم يرد في أي المراجع التاريخية أو إحصاءات السكانية عن وجود أي قرية تركمانية في عفرين، لكن اليوم يعمل الاحتلال التركي على توطين التركمان الذين هجرهم الاتفاق التركي الروسي من حمص وباقي المناطق في عفرين وبالتحديد في قرى بلبلة وراجو بهدف تشكيل حزام تركماني عربي في الخط الحدودي وهي سياسة عثمانية قديمة وانتهجها محتلو كردستان منذ القِدم.
تركيا ترفض تجنيس التركمان بهدف استغلالهم:
ويقطن في تركيا حالياً حوالي 3500 عائلة تركمانية سورية في مخيمات، في ظل إصرار نظام أردوغان على جعلهم ورقة ضغط سياسة، وامتنعت الحكومات التركية المتعاقبة في منح الجنسية التركية التي باتت اليوم «أرخص من البصل» بحسب تعبير معارضين للنظام التركي، للتركمان وأوضح سمير حافظ في وقت سابق لوسائل إعلام معارضة للأسد أن تركيا لديها تحفظ فيما يخص منح الجنسية للتركمان وتهدف الحكومة التركية من ورائها الإبقاء على الوجود التركي في سوريا، والتي كانت امتدادًا للدولة العثمانية ويرجع ذلك إلى اتفاقية «أنقرة 1922»، والتي رُسمت فيها الحدود مع سوريا، بالإضافة إلى قوانين سنّت عقب تشكل الجمهورية في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي تخص عدم منح الجنسية لهم، وهنا يبرز الجانب السياسي في استثمار تركيا لقضية التركمان في سوريا والعراق والصين وربما في مناطق أخرى مستقبلاً.
الفصائل التركمانية ارتكبت جرائم حرب ضد الكرد في عفرين:
ومع بدء العدوان التركي على عفرين، شاركت الفصائل التركمانية وعلى رأسها فرقة الحمزات ولواء سلطان مراد ولواء سمرقند في الغزو التركي، وارتكبت هذه الفصائل جرائم حرب ضد الكرد وعملت على تهجير مئات الآلاف من الكرد من عفرين ورصدت وسائل الإعلام ومنصات حقوقية مختلفة جرائم عدة لهذه الفصائل في عفرين.
وبحسب مصادر خاصة أن هذه الفصائل التركمانية تتمتع بدرجة كبيرة من السيطرة في عفرين عموماً، وتم تعيين العشرات من التركمان كضباط وقادة لما يسمى بالشرطة العسكرية في عفرين تمهيداً لإحكام سيطرة التركمان أمنياً وعسكرياً على غالبية المنطقة الممتدة من جرابلس إلى عفرين ونفوذ مشترك مع المجموعات الجهادية في إدلب وريف اللاذقية، إضافة لمعلومات سابقة تواردت عن وجود خطة عسكرية تركية لتجميع السلاح الثقيل كافة في يد لواء سمرقند التركماني بحجة توحيد الفصائل والتخصيص العسكري.
ولم تقتصر جرائم الفصائل التركمانية ضد الكرد على عفرين فقط، بل دفعت تركيا تلك الفصائل المسلحة الموالية لها لمحاصرة وقصف حي الشيخ مقصود بمدينة حلب خلال عامي 2015-2016، ورصدت تسجيلات مصورة إقدام فصائل تركمانية على قصف حي الشيخ مقصود عام 2016 بصواريخ محلية الصنع كتب عليها باللغة التركية «انتقاماً لشهدائنا في إسطنبول»، ما يؤكد ترابط سياسة الإبادة تجاه الكرد في تركيا والفصائل التركمانية هذه.
صفقات مشبوهة ضحيتها الكرد والتركمان:

بدأت الدولة التركية والمجلس الأعلى للتركمان في سوريا (وهي المظلة السياسية للتركمان في سوريا ومقرها في تركيا) بتنفيذ وعودها للتركمان بإعادة توطينهم في عفرين كمرحلة ثانية بعد الباب ومحيطها، والتقى المجلس التركماني السوري في 23 من آب 2018 بالمستوطنين التركمان المهجرين من مناطق حماه وحمص ودمشق والجولان في مدينة عفرين، مؤكدين على ضرورة تحقيق أهداف التركمان في سوريا.
وتم تهجير تركمان ريف حمص الشمالي وتركمان الجولان، وفق اتفاقيات تركية روسية وبدعم من إيران وموافقة النظام السوري، وبدأوا بالتوطين في القرى الكردية في ريف عفرين بعد تهجير سكانها الكرد ورفض عودتهم.
وقال محمد التركماني، من تركمان قرية السمعليل بريف حمص لصحيفة عنب بلدي في وقت سابق من العام المنصرم، «إنه منذ مجيء التركمان إلى الشمالي السوري طلب قادة تركمان في “الجيش الحر” منهم بالتوجه إلى قرى عفرين، وقطعوا وعودًا على لسان شخصيات في المجلس الأعلى للتركمان بالتوطين في قرى الكرد المهجرين، الأمر الذي اعتبره محمد تغييرًا ديموغرافيًا ضحيته الكرد كما التركمان»، في إشارة إلى أن المدنيين التركمان غير راضين من سياسات تركيا الهادفة لاستخدامهم كورقة لمكاسبها السياسية في المنطقة.
قرابة 800 عائلة تركمانية تم توطينها في عفرين:
ووفق إحصائيات أولية نشرتها وكالات الإعلام عن حجم العائلات التركمانية المستوطنة في عفرين، تبيّن أن الجيش التركي والفصائل التركمانية عملت على توطين قرابة 748 عائلة في مختلف نواحي وقرى عفرين، وبحسب المصادر؛ فإن النسبة الكبيرة متواجدة في ناحية بلبلة بإحصائية 300 عائلة، إلى جانب وجود 135 عائلة في قرية بيباكا و120 في قرية كوتانا، 60 في قرية قسطل مقداد، 50 في خليلاكا، 35 في بركاشة، في قرطا 30 عائلة، سبع في قرية محمود طوبال، ست في قرية قوطا، إضافة لوجود خمس عوائل أخرى في قرية قرنه، وعائلات أخرى لم يحدد مكان تواجدها بعد، ولكن يعتقد أن هذه الأرقام لا تشكل إلا جزء صغيراً من الواقع وسط تخوف الأهالي من استقدام دولة الاحتلال التركي «تركمان الإيغور» وتوطينهم في القرى الحدودية كما فعلت في باكور كردستان عبر إنشاء قرى تحت مسمى المخيمات لهؤلاء في مناطق معينة على طول الحدود.
ولم يقتصر التواجد التركماني على التغيير الديمغرافي فقط، بل يعمل التركمان القادمين من الجولان والمناطق السورية الأخرى إلى عفرين، على إعادة تشكيل قواتهم العسكرية على غرار الفصائل التركمانية المتواجدة في الراعي وجرابلس ومنها «الظاهر بيبرس”، التي تتكون من تركمان الجولان، وباتت تمتلك مقرات في عفرين، ولواء «الفرقان» التي تضم مقاتلين تركمان، ينحدرون من المنطقة الوسطى ونور الدين الزنكي، وبات لهم مقرات أيضاً في منطقة عفرين الكردية، إضافة للعشرات من الكتائب التي يترأسها التركمان والتي تتبع بشكلٍ مباشر إلى فرقة الحمزات ولواء السلطان مراد التابعين للمخابرات التركية، ولهذه الفصائل دوراً مهم في تحجيم نشاط ودور الفصائل المرتزقة العربية ضمن المنطقة المحتلة من قبل تركيا، ومثال ذلك، المسرحية التي انتجتها الاستخبارات التركية العام المنصرم تحتي مسمى «مكافحة الفساد» في استهداف كتيبة شهداء الشرقية الذين ينحدرون من ريف الدير الزور والرقة نتيجة عدم تنفيذ الأخير الأوامر التركية بعدم مهاجمة النظام السوري في تادف والتوجه إلى جبهات منبج، رغم أن هذه الفصائل التركمانية هي بذاتها منْ تنتهك القانون الدولي وتعمل على سرقة وقتل المدنيين الكرد في عفرين.
علم موحد للتركمان يرمز للانفصال والشقاق:

وفي شهر تشرين الثاني من العام المنصرم، عقد تركمان سوريا بدعوة مما يسمى المجلس الأعلى التركماني اجتماعاً حضره أحزاب وتجمعات تركمانية وفصائل عسكرية اتفقت على توحيد راية التركمان في سوريا وطرحهم لعلم يمثلهم وهو ما ينظر إليه كنوع من التحضير للعب ورقة التركمان على كافة المستويات السياسية والعسكرية بشكلٍ منفصل عن ما أشاعه التركمان منذ اليوم الأول للأزمة السورية وهو مشاركتهم في الثورة إلى جانب فئات الشعب السوري وعدم تميزهم، لكن هذه الخطوات السياسية والعسكرية الآنفة الذكر تؤكد وجود مشروع تركماني انفصالي أو على الأقل العمل على تغيير ديمغرافية الشمال السوري عبر تجميع غالبية تركمان سوريا في هذه الرقعة وبسط نفوذهم عبر الدعم التركي المباشر، ولم توافق بعض التنظيمات والفصائل التركمانية على هذه الخطوة مما تسبب في شقاق في الصف التركماني، بين مؤيد لتركيا وأخرين يرون في سوريا ديمقراطية مستقبلاً لهم.
نشاطات ثقافية
وإغاثية مشبوهة:
إلى جانب المد العسكري والبشري، يعمل التركمان على تغيير الثقافة الاجتماعية في عفرين عبر افتتاح مدارس ومعاهد لتعليم القرآن، ومنها معهد لتعليم القرآن في قرية كرزيلا من قبل ما سمي بتجمع شباب التركمان وتم نشر مقطع فيديو مسجل عن تحويل مسجد القرية إلى مكان لتجمع التركمان وتجميع أطفال القرية من الكرد في ذلك الجامع بهدف نشر الثقافة التركمانية بأساليب مختلفة، وفي قرية بيباكا عملت منظمة ساوي التركية على افتتاح مدرسة في القرية التي كانت لوقت قريب يحرم على سكانها الأصليين من العودة إليها وإسكان التركمان هناك، وفي المقاطع المصورة التي انتشرت إثر افتتاح المدرسة يبرز الطابع التركي والتركماني والقومية التركية التي تحاول دولة الاحتلال زرعها في عقول الأطفال.
إضافة لظهور صور متعددة لجنود أتراك ومرتزقة إلى جانب الأطفال في قرى عفرين يرفعون فيها الأعلام التركية وأخرى يرفعون فيها شارة الذئاب الرمادية، تلك الشارة التي ترمز للقومية التركية التي لا تتقبل الآخر، وهو ما ينظر إليه الأهالي على تغير في ثقافة الأطفال وعملية تتريك مبرمجة إلى جانب أدلجة المناهج وفق الفكر الإسلامي التركي.
وينظر المحللين السياسيين إلى أن تركيا تحاول زرع التركمان على طول الحدود التركية السورية، وتغيير ديمغرافية المنطقة، وقد بدأت بهذه الخطوة بالفعل في القرى الحدودية الممتدة من ناحية راجو إلى بلبلة، إضافة لبعض القرى في ناحية شيه ايضاً، وهذه السياسية تشكل خطراً على الوجود العربي وتمثيله في الخط الحدود الممتد من ناحية شرا إلى بلدة الراعي، في غفلة من الفصائل العربية السنية التي تتخندق في عباءة تنظيم الإخوان المسلمين التي يهيمن عليها النظام التركي اليوم.
الخلاصـــة:
بهذا الشكل تحاول حكومة رجب طيب أردوغان الإسلامية والمتحالفة مع القوميين الأتراك، على استثمار الورقة التركمانية بالشكل نفسه الذي استخدمه السلاطين خلال فترة الحكم العثماني لسوريا وبلاد الشام، ومع سياسة التتريك التي اتبعها العثمانيون، شكل التركمان «العمود» الفقري لهذه السياسة، فحوّلتهم السلطة العثمانية إلى «شرطي خفي» وزّعته بين مناطق حكمها، ودعمتهم بالمال والسلطة، على اعتبار أنهم يتقنون اللغة التركمانية، رغم أن وجودهم في سوريا يسبق مرحلة الاحتلال العثماني للمنطقة.
ومن هنا ربما سيتحول النظام التركي في نهاية المطاف وبعد استنزاف كافة أورقها العسكرية والسياسة في سوريا، بهدف حصد المكاسب، إلى الورقة التركمانية التي سبق وأن استخدمها في العراق لبث الفتن وتهديد الاستقرار السياسي في البلاد بعد زوال حكم صدام حسين.