النواعير… أنين الجرح والعشق

89
عبدالرحمن محمد –
عرفت سورية بين دول العالم قاطبة بغناها الثقافي وتعدد مواردها وكثرة مناهلها، ولعلها من أكثر دول الشرق إن لم تكن أولها في احتوائها على كنوز من المعالم والأوابد الأثرية التي تحكي قصص البشرية، منذ بدء الخليقة ويكفي سورية فخراً أنها تعرف بدمشق عاصمة لها وهي أقدم عاصمة مسكونة في العالم.
في تنوع هذا الفسيفساء الحضاري والمجتمعي، وتناغم وتكامل اللوحة الثقافية والفنية والبشرية السورية، امتازت مناطقها الداخلية أيضا بتفردها بهوية وطابع لأغلب مناطقها، فكانت كل مدينة تعرف بما يميزها، وعرفت دمشق بجامعها الأموي وسوق الحميدية، وعرفت حلب بقلعتها، وحمص بعاصيها، والجزيرة بالجسر الروماني، وحماة بنواعيرها، ودير الزور بجسرها المعلق.
وللنواعير حكايات وحكايات لعلنا نورد بعضاً من تاريخها وشيئاً من حكاياتها وما تبوح به من وجع السنين.
التسمية والموقع
تقع مدينة حماة في وسط سورية، وعلى ضفاف نهر العاصي، شمال شقيقتها حمص مدينة الوليد بحوالي خمسين كيلومتراً، وعرفت من القديم بنواعيرها التي تعد من أقدم آلات رفع الماء التي استخدمت عبر التاريخ، كما عرفت «الغراف» وهي طريقة أخرى لرفع الماء وتدار بواسطة الحيوانات، اما الناعورة فإنها تدار بقوة دفع الماء، وفي اللغة فإن اسم الناعورة مشتق من المصدر «نَعَرَ» وهو الصوت الذي تصدره من أقصى الأنف وسميت بالناعورة لصوتها؛ و»نعيرها» كما ورد في لسان العرب، ورغم صعوبة تحديد التاريخ الذي تم فيه اختراع الناعورة إلا إنه تم اكتشاف فسيفساء تمثل ناعورة في مدينة «أفاميا» تعود إلى العهد السلوقي في القرن الثالث قبل الميلاد، والعصر البيزنطي وهذا يدل على أن استعمال النواعير كان منذ العهد الروماني.
وقد كان لكثرة التعرجات في مجرى النهر أثراً ودافعاً لهذا الاختراع، كما بنيت الطواحين التي تدار بالماء وكثرت في المنطقة، ولاتزال بعض تلك الطواحين باقية، وتتواجد العديد من تلك النواعير في جنوب شرق حماه وحتى الشمال الغربي منها، ولا يخلو كتاب أو مخطوط لرحالة أو مستشرق مر بحماة من ذكر للنواعير، كياقوت الحموي وابن بطوطة وابن جبير، ومما يقوله ابن جبير عن نواعيرها: «هي مدينة شهيرة في البلدان، قديمة الصحبة للزمان، إذا جست خلالها ونقرت ظلالها أبصرت بشرقيها نهراً كبيراً تتسع في تدفقه أساليبه، وتتناثر بشطيه دواليبه، وقد انتظمت على طرفيه بساتين تتدلَّى أغصانها عليه»، كما أن الرحالة ابن بطوطة يقول عن حماة:»تحفُّها البساتين والجنان والنواعير كالأفلاك الدائرات على نهرها العظيم المسمى بالعاصي والذي يشقها نصفين ولها ربض يُدعى بالمنصورية أجمل ما في المدينة الأسواق الحافلة والحمامات الحسان».
بنية النواعير وفوائدها
لأن الحاجة أم الاختراع كانت النواعير والغرافة وغيرها من أساليب الري على نهر العاصين ولخصوبة التربة ووفرة الماء وطبيعة النهر المتعرجة كانت الناعورة من أبرز الوسائل التي لم تكن تحتاج لطاقة للتشغيل، وساهمت النواعير في زيادة المساحات الزراعية وبخاصة المروية وبذلك زاد الإنتاج، وانتعش الاقتصاد المحلي وزاد دخل الأسرة وتنوعت المحاصيل، وفي العهود الحديثة قل استخدامها لظهور آلات الديزل والكهرباء ولكن الناعورة ظلت تبث حنينها و أنينها و»نعيرها» وظلت رمزاً ومثالاً للأصالة والعراقة الممزوجة بشيء من الألم الدفين في بوحها المستمر، وكأنها تقول ما أُضمره من الألم أكبر من كل الأوجاع التي أبوح بها.
والنواعير كانت تبنى على الأغلب في متعرج نهري وعلى أبراج وقناطر، وهي تتكون من دولاب خشبي دائري، يربط في محيطه أوعية خشبية تحمل الماء إلى الأعلى لتسكب في أقنية تحمل الماء إلى حقول مزروعة بالخضار والفاكهة والقمح والغلال، ويكون تدفق الماء عبر المجرى النهري كافياً لدورانها، لتفرغ تلك الدلاء في أعلى نقطة تصل إليها.
وتتألف الناعورة من الأقسام الرئيسة التالية:
«القلب، الكفت، الصر، الأعتاب، الوشاحات، القيود، الدائرة، الأطابيع، الرادين، أسافين، القبون، القراعات، الميازيب، الطبق، الصندوق، الريش، الجامعات، عضايد، الأبواب»، وتستعمل أخشاب الجوز والمشمش والسنديان والحور، وحسب الغرض، وتكون هناك دقة متناهية ومواصفات ومقاييس معينة في صناعة الناعورة.
أشهر وأبرز نواعير حماه
رغم التقدم الكبير في العلوم وأساليب الري أن بعض النواعير ما زالت تعمل في ري بعض الحقول، وإن كان البعض منها يعود في بنائه إلى القرن الرابع عشر، وكانت حماه تضم ما يقارب 20 ناعورة كبيرة وهامة، ومن أبرز النواعير المعروفة:
ناعورة المحمدية: من أكبر النواعير، وفي نقطة خروج العاصي من حماه وفي الموقع المسمى بـ (باب النهر)، وهي من أكبر النواعير في حماه أنشأها الأمير أيدمر بن عبد الله الشيخي سنة 1361 م، وكانت تمد الجامع الكبير وحمام الذهب وبعض البساتين والبيوت الواقعة في المنطقة بالماء.
ناعورة المأمورية: ثاني أكبر النواعير في المنطقة، تقع على الضفة اليسرى للنهر وعلى مسافة تقرب من /250/م جنوبي قصر العظم، يبلغ ارتفاعها 21م وعدد صناديقها 120 صندوق، أنشأها الأمير بلباك عام 1453م. وتمد أربع حمامات وتسعة مساجد وعدداً من البساتين بالماء، ومنها قناتان تصلان إلى حوالي مئة وخمسين بئراً عبر مسرابَي «المرابط وباشورة».
نواعير البشرية: تقع في مدخل حماة من جهة الشرق وتضم أربع نواعير، هما الناعورتان العثمانيتان المتماثلتان في كل شئ من ارتفاع وعدد الصناديق وكذلك الدوران والمسار والقناة الموصلة للماء، وكانت تروي أكثر من عشر بساتين، ولم يتبق منها شئ، والناعورتان البشريتان نسبة إلى مزار الشيخ بشير القريب من المكان، وتقعان في مدخل حماه الشرقي وتكبر إحداهما الأخرى.
ناعورة الجسرية: بالقرب من جسر السرايا، وهي مشهورة جداً لوجودها ضمن المدينة وبالقرب من الجسر المذكور.
الناعورة المؤيدية: على مقربة من الناعورة المأمورية وإلى الغرب منها، وكانت تسقي جامع خانقاه وجنينة العصرونية، وتنسب هذه الناعورة إلى أحمد بن مؤيد بن نصوح العظم أحد بناة قصر العظم بحماه.
الناعورة العثمانية: وتنسب هذه الناعورة إلى عثمان باشا وبالقرب من ناعورة المؤيدية وإلى الجهة الشمالية منها، وهي متوسطة الحجم يبلغ قطرها 12متراً، و لها 60 صندوقاً.
وكذلك ناعورة الكيلانية أو دولاب أم الحسن، وناعورة الجعبرية، وناعورتا الخضورة شمال غرب حماه نسبة لمقام الخضر الموجود في الجوار، وكذلك ناعورة الدهشة أو النخيلة على الضفة اليمنى للنهر، وهي ناعورة صغيرة تشترك مع ناعورتي الخضورة بنفس السد، وناعورة المقصف التي تقابل المحمدية.
المصادر:
الموسوعة العربية
موقع اكتشف سورية