هنا… تُصنع إرادةُ المرأةِ الحرَّة

143
أفين يوسف –
كيف يمكن لمجتمع ما أن يقيِّم ثقافة المرأة من خلال ذهنيته السلطوية الذكورية، وينصب نفسه وصياً عليها، أو حكماً يحق له رفض إنتاجها الأدبي أو عملها السياسي أو المجتمعي أو الاقتصادي؟.
لطالما نظر المجتمع الذكوري للمرأة المثقفة نظرةً دونية، أو ربما نِظرة عدم إيمان أو ثقة بقدراتها، فهو لم ير فيها الأديبة أو الشاعرة أو السياسية المحنكة أو الإدارية الفعالة، وتجلى ذلك في تعابير الاستهزاء والاستهتار بإنجازات المرأة ونتاجاتها الفكرية، وغالباً ما همشت تلك النتاجات؛ فلم تستخدم كمراجع أساسية للنهضة الحضارية في المجتمع، ليس لأنها ليست بالمستوى المطلوب، بل لأن الذهنية الذكورية لا تتقبل فكرة رفع مستوى المرأة فوق مستوى الرجل السلطوي، فإذا ما عدنا بالتاريخ قليلاً سنجد العديد من المثقفات اللاتي عانين كثيراً من تلك الذهنية، ولم يتمكنَّ من الوصول إلى المستوى الذي كنَّ يطمحن إليه، فالأديبة أو الشاعرة عندما تكتب نصاً أدبياً أو قصيدةً شعريةً وتعبر من خلالها عمّ يدور في خلجاتها من مشاعر، تقابَل غالباً بنوعٍ من التحفظ والذهول، إذ أن المرأة لا يمكن أن تكون بتلك الجرأة بحسب ما هم يعتقدون، فالمرأة يجب أن تكتب وفق ما يمليه عليها المجتمع آخذةً بعين الاعتبار العادات والتقاليد والمعتقدات، ويتم رسم خطوطٍ حمرٍ لها لا يجوز تجاوزها، ومن جهةٍ أخرى إذا ما تطرقنا لعمل المرأة على الساحة السياسية نجد؛ أن هناك آلاف الأقاويل والانتقادات، لا على عملها، بل على مفهوم وجود المرأة على الساحة السياسية، فبحسب ما يتقبله العقل الرجعي في المجتمع، فإن المرأة ليست بصدد دخول حوارات واجتماعاتٍ ومؤتمراتٍ من شأنها حل أزمةٍ سياسية ما في البلاد، فهم بكل بساطة يرون أن العمل السياسي منوطٌ بالرجل فقط، وهكذا دواليك من الناحية الاقتصادية وحتى المجتمعية.
إذاً لا بد أن يكون المجتمع من الوعي والتفتح بحيث يستطيع استيعاب واقع المرأة، وحين نتكلم عن الأدب والثقافة فالأمر يتعلق بتغيير الثقافة بأكملها بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وكأننا نتحدث عن خلق مجتمعٍ جديدٍ يستوعب القيم الحقيقية للعدالة والمساواة وتقبل الآخر في ظل ثقافة الدولة الاستبدادية التي أنتجت هذا الكم الهائل من مثقفي السلطة.لقد حطمت المرأة بعد ثورة روج آفا كل تلك المفاهيم والمعتقدات، بدايةً من دخولها الساحة الثورية عسكرياً ووقوفها بوجه المعتدين والمرتزقة بمشاركتها في حملات التحرير، مروراً بنهوضها بالمجتمع من النواحي الاقتصادية والمجتمعية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل الأزمة الاقتصادية والحصار وتنظيم نفسها في المؤسسات المجتمعية، ووصولاً إلى خوضها معترك السياسة والأعمال الدبلوماسية لإيجاد الحلول للأزمة السورية المتفاقمة. تلك المرأة الجبارة التي لم تخنع أمام سطوة الإرهاب، ولم تخضع أو تطأطئ رأسها للمعتدين على حرمة أرضها ووطنها، أصبحت اليوم أيقونة النضال، وصوت المرأة الحرة، ليس لنساء روج آفا فقط، بل لجميع نساء العالم المضطهدات والقابعات في قمقم العبودية والظلم. فهنا؛ في روج آفا… تُصنع إرادة المرأة الحرة.