عندما يكذبُ الرئيس!!

55
تحقيق/ باهوز أحمد –

في القرن الحادي والعشرين، حيث يتحدث الجميع عن الحريات والديمقراطية ومحاربة الإرهاب. ولكن؛ في العقد الثاني من هذا القرن، باتت هذه اليافطة تختزل مدى سقاطة القوى المهيمنة في العالم ووضاعة شعاراتها هذه، إذ تلهث الآلة الإعلامية لهذه الدول ودبلوماسيتها وراء أكاذيب يروجها الدكتاتوريات، لعل المثال الأوضح يكمن في تفاصيل العدوان التركي على عفرين، عفرين تلك المدينة الواقع في أقصى الشمال الغربي من سوريا والتي كانت قبيل العدوان التركي آمنة بما يكفي في ظل الأزمة السورية.
تصريحات إعلامية كثيرة صدرت عن رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان قبيل العدوان وأثنائه، حتى بات هذا الشخص يمثل البروبوغندا الإعلامية ونشر الأخبار الكاذبة، بل وتوجيهها للإعلام المحلي التركي وملحقاتها من الأبواق العربية السورية وللأسف كانت الصحافة الغربية هي الأخرى تدور في الفلك نفسه. إذا؛ نقلت هذه الصحافة أكاذيب أردوغان وروجت لها، وكانت أكثر التصاريح سخريةً هي التي قال فيها أردوغان لمجلة الأكونميست الأمريكية بعد شهر من عدوانها على عفرين “انه لم يجرح أنف مدني واحد في عفرين نتيجة الهجوم التركي”، هل حقاً هذا صحيح؟!
لم يقتل أحد… بل تم إبادة عائلات بأكملها
نعم لم يتسبب العدوان التركي في جرح أنف مدني واحد في عفرين. لكن؛ مقابل ذلك حصدت الآلة العسكرية الإجرامية للاحتلال التركي أرواح قرابة 285 مدني بينهم أطفال ونساء وشيوخ، والمفارقة هنا أن عدد كبيراً من الشهداء المدنيين كانوا من النازحين القاطنين في عفرين من مناطق متفرقة من سوريا.
في اليوم الأول للعدوان التركي لم يعلم الطفل يحيى احمد حمادة النازح من حلب والمقيم في قرية ترندة الواقعة في الضاحية الجنوبية للمدينة التي تعرضت لقصف بالطيران الحربي في 20-1-2018، أنه سيكون أول الشهداء المدنيين في مجزرة طيران الرئيس الذي لا يكذب، تسبب قصف الطيران التركي في يومه الأولى إلى استشهاد الطفل يحيى والكهل كنجو كنجو من قرية ترندة، إضافة لجرح أربعة أشخاص آخرين.
وفي اليوم الثاني للعدوان التركي على عفرين، لقي 18 مدنين بينهم اطفال حتفهم نتيجة قصف الطيران الحربي التركي لمدجنة في قرية جلبر الواقعة بناحية شيراوا، هنا يقول خالد رحموني احد المصابين في تلك المجزرة أنه ثمة ثلاث عوائل كانت تعمل وتقطن في المدجنة، منها عائلة من إدلب وأخرى من مريمين، وعدد من عائلة رحموني التي كانت تملك المدجنة وتستخدمها في إنتاج البيض واللحم.
ونفى خالد الذي أصيب في قدمه اليسرى نتيجة القصف أنه كان هناك أي هدف عسكري قريب من مكان القصف، ومن بين اسماء الشهداء الذين وثقهم الهلال الأحمر الكردي في عفرين يوم القصف “رهف الحسين  33 سنة من إدلب، وائل الحسين سنة واحدة من إدلب، هديل الحسين عشر سنوات من إدلب، غالية الحسين ثماني سنوات من إدلب، سلمى الحسين ست سنوات من إدلب، مصعب الحسين ست سنوات من إدلب، سامي الحسين 12 سنة، وأحمد رحمانو 37 سنة، إضافة لجرح تسع أشخاص أخرين ونتيجة الحالة الحرجة للجرحى استشهد عدد آخر منهم بعد أيام.
عجزت فِرق الإنقاذ من انتشال الضحايا
ولم تستطع الفرق الطبية من الهلال الأحمر الكردي آنذاك من إنقاذ المصابين في يوم القصف نتيجة التحليق الكثيف للطيران الحربي وطيران الاستطلاع التركي في أجواء المنطقة واستهدافهم لأي آلية مدنية أو عسكرية متحركة، ويقول روج غلكوا أحد الأفراد المتطوعين في الهلال الأحمر الكردي، أنهم تلقوا بلاغاً من المدنيين حول القصف التركي لقرية جلبر، وبعد دقائق توجه فريق متخصص من الهلال إلى المنطقة ولكن التحركات كانت حذرة نتيجة تحليق الطيران التركي رغم أن سيارتهم معروفة، وقال روج أنه لدى وصولهم لموقع القصف كانت الأضرار المادية كبيرة، فالمدجنة كانت منهارة بالكامل وتم إسعاف عدد من المدنيين الذين كانوا خارج الأبنية المهدمة.
وأثناء محاولتهم إنقاذ عدد من المدنيين العالقين تحت الأنقاض، عاود الطيران التركي التحليق وقصف المناطق الزراعية المحيطة بالمنطقة، ولخطورة الموقف لم تستطع الفرق الطبية إنقاذ حياة المصابين، ونتيجة بقاء المصابين الذين كان من بينهم أطفال تحت الأنقاض حتى ساعات الفجر من اليوم التالي فقد عدد منهم حياته، ويؤكد روج أن الطيران التركي لم يكن يترك المجال لمحاولة إنقاذ المدنيين حتى.
صفاء!!
هذه المجزرة ليس الوحيدة، بل تبعتها العديد من المجازر التي تغافل الإعلام الغربي والعربي عنها، وظلوا يهلهلون لألة الحرب التركية، في فجر الـ 26 من شهر كانون الثاني والذي صادف اليوم السادس للعدوان التركي، استيقظت صفاء طه الخاطر على كابوس وفاجعة لم تكن تتوقعها في حياتها، عائلة الخاطر التي نزحت من إدلب قبل أعوام باحثة عن مأوى ومكاناً آمن وقطنت في بلدة ماباتا، تعرض منزلهم للقصف بطيران الاحتلال التركي في ساعات الفجر وتسبب باستشهاد العائلة بأكملها ونجاة صفاء ذات ال 19 سنة وحيدة بعد إصابتها بجروح مختلفة ونجاح الفرق الطبية في إنقاذها من تحت الأنقاض.
وأودت المجزرة بحياة الوالد طه الخاطر 45 سنة وزوجته أمينة مصطفى الخاطر 40 سنة، أطفاله محمد 18 سنة، خاطر 17سنة، سليمان 14 سنة، اسراء تسع سنوات، وشقيقة زوجته ذكية مصطفى الخاطر 15 سنة.
وفي مجزرة مروعة أخرى ذهب ضحيتها غالبية أفراد عائلة كنو من قرية كشتعار؛ نتيجة قصف الطيران التركي لقرية كوبلة في صباح يوم الـ 28 من كانون الثاني في العام المنصرم، واستشهد فيها 18 شخصاً، وعرف منهم، أميرة كنو 17 سنة، حسن كنو 13 سنة، فاطمة أحمد عبد ربو 40 سنة، هنادي كنو 15 سنة، صفاء كنو سبع سنوات، كمال كنو سبع أشهر، جورية علي عرفان 45 سنة، روان الأسود 20 سنة”.
جرائم بقيت طي الكتمان
واستكملت آلة الحرب التركية خلال عدوانها على عفرين بقصف القرى والبلدات الآهلة بالسكان بشكلٍ عشوائي ولا سيما في الأيام الأخيرة من العدوان، وهناك مجازر عدة لم توثق أسماء ضحاياها نتيجة عدم قدرة الوسائل الإعلامية والطواقم الطبية من الوصول إلى مكان القصف، وتسبب القصف التركي في 16 أذار لمشفى أفرين بخروج المشفى من الخدمة، مما تسبب بسقوط عدد من الشهداء ولا سيما الجرحى الذين كانوا يتلقون العلاج في المشفى، إضافة لشل القطاع الطبي خلال الأيام الأخيرة من العدوان التركي والذي لم يستطع أحد من إسعاف الأهالي وبقوا بدون علاج واستشهاد نتيجة ذلك العديد من الأهالي.
ويقول أحمد عثمان احد الشهود على مجزرة اتركبها العدوان التركي في يوم 17 من أذار، أثناء تهجير الأهالي من عفرين عبر استهداف المدفعية التركية أرتال المدنيين الخارجين من عفرين عند مفرق بناية حكيم الواقعة على طريق قرية ترندا، ويقول أحمد في العقد الخامس من عمره، أنه شهدا في عفرين حالات كثيرة من المدنيين من جرحى وقتلى نتيجة العدوان التركي على المناطق السكنية، لكن تلك المجزرة الحية بقيت في ذهنه.
ويروي أحمد عثمان وهو أب لشهيدين، تفاصيل تلك المجزرة بالقول: “كان الناس يتزاحمون على الخروج من المدينة خوفاً من القتل على يد القوات التركية والفصائل الإسلامية المتشددة المتحالفة معها؛ ولهذا السبب كان هناك ازدحام على ذلك الطريق الواصل بين عفرين وجبل الأحلام، وفي لحظة تم سماع صوت إطلاق القذائف من أماكن قريبة، ويرجح أنها كانت المنطقة المطلة على عفرين في قرية جبلرة وخالطة، حيث كانت القوات التركية مسيطرة على تلك المنطقة آنذاك، وسقطت إحدى القذائف في منتصف الطريق على رتل المدنيين”.
ويؤكد عثمان على أن عدد كبيراً من الأهالي بينهم أطفال ونساء استشهدوا في ذلك القصف وتناثرت الأشلاء في الطريق وارتمت الأجساد على قارعة الطريق ومن بينهم جرحى ويتابع: “وللأسف لم يستطع أحد إسعاف الجرحى لسببين، الأول الازدحام الكبير على الطريق، والثاني عدم وجود مراكز طبية نتيجة استهداف المشفى الوحيد الذي كان يعمل آنذاك في المدينة بواسطة الطيران التركي”.
وفي اليوم ذاته قصفت المدفعية التركية حي المحمودية أثناء محاولة الأهالي الخروج من المدينة، وسقط عدد من الأهالي صبيحة اليوم ذاته 17-3-2018 بين شهيد وجريح، ويروي محمد نبو ما حدث: “لدى سماعي بالمجزرة توجهت إلى هناك لتفقد الوضع. لكن؛ ما وجدته أشلاء متناثرة ودماء في كل مكان، لا أحد يستطيع إسعاف الجرحى وتركوا لمصيرهم المحتوم وهو الشهادة بصواريخ وقذائف تحمل الحقد على مدنيين كل ما تمنوه هو العيش بحرية وإدارة ذاتهم بأنفسهم دون وصاية من أحد”.
هل تتكرر مأساة عفرين في شرق الفرات؟
قصة آلام أهالي عفرين، لم تنتهِ ولن تنتهي إلا بتحرير مدينتهم من إرهاب أردوغان وفصائله الإسلامية، هذه الشهادات مجرد نقطة من بحر الانتهاكات التركية في عفرين أثناء العدوان وبعد الاحتلال. لكن؛ السؤال هنا؛ هل ستبقى الآلة الإعلامية الغربية والعربية ومن ورائها مصالح الدول غافلة عن حقيقة الإرهاب التركي ضد الشعب الكردي، وتعطي الضوء الأخضر لتلك المجاميع الإرهابية المرتزقة لسلطة العدالة والتنمية لغزو منبج وشرق الفرات وتكرار مأساة عفرين؟!، أم أنها ستدعم الدفاع المشروع ونيل الحرية ونشر الديمقراطية مراعاة لشعارات تلك الدول المهيمنة؟!.