بين المغامرة التركية والمبادرة الأمريكية

65
رياض درار –

قرار الانسحاب الذي اتخذه الرئيس ترامب حرك المياه الساكنة وغيّر اتجاهات الرياح السياسية، فهو يعمل على كشف قوات سورية الديمقراطية ويجعلها بمواجهة خصوم كثيرين ينتظرون هذه اللحظة، ويعزز من نفوذ إيران وروسيا ويحرض الوحش التركي الرابض على حدود المنطقة منتظراً فرصة الفراغ بعد الرحيل؛ لينقض على فريسة طالما توعدها بالفناء، أعد لها حشوداً عسكرية وما يقارب ثلاثين ألفاً من الجنود الأتراك وعناصر من المرتزقة التي تتوعد بالذبح والتمثيل.
قرار ترامب المتسرع وبدون مراجعة كافية من إدارته أدخله في عاصفة من الشجب والاعتراض وتقديم الاستقالة من عناصر من إدارته، حيث سمعة أمريكا تتعرض للإهانة وهي تتخلى عن حلفاء ساهموا بحماية الأمن على مستوى العالم، وأن النصر على الإرهاب ما كان ممكنا لولا التضحيات التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية المقاتلة مع الحلفاء بشرف وفعالية، حيث تجنبت القوات المتحالفة والأمريكية دور الاشتباك المباشر في المواجهة مع داعش الذي تمدد واحتل مناطق شاسعة من سوريا والعراق بسرعة ملفتة، فكان الاعتماد على الحلفاء المحليين، وأن يقتصر الدور الأمريكي على التدريب والتخطيط والدعم اللوجستي والدعم الجوي والتدخل العسكري عند الضرورة القصوى. وكان هذا التحالف مع الشركاء المحليين بعد العجز عن إقناع تركيا والقوى التي تعمل بأوامرها من السوريين على المشاركة، لاشتراطهم مواجهة النظام قبل داعش ولم تكن هذه المسألة في وارد السياسة الأمريكية ومازالت.
في العراق؛ كان التحالف مع الجيش العراقي والحشد الشعبي، أما في سوريا فكانت وحدات الحماية التي تمثل حزب الاتحاد الديمقراطي والتي لفتت الأنظار بصمودها في معركة كوباني وهي متهمة من الطرف التركي بتبعيتها لحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيًّا لديها؛ ما جعل العلاقة الأمريكية مع حزب الاتحاد الديمقراطي مصدر خلاف وتوتر في العلاقات الأمريكية- التركية، إضافة إلى أن وجود القوات الأمريكية دون غطاء قانوني أممي، ولا دعوة من الحكومة السورية، أثار اعتراضات دمشق موسكو التي أصبحت فاعلًا أساسيًّا في المسألة السورية منذ بداية التدخل الروسي العسكري المباشر في نهاية أيلول 2015.
في الحسابات الأمريكية لم تكن هناك خطة لإسقاط النظام السوري وهي اتفقت على منح دور لروسيا وغطت التدخل العسكري وسكتت على التجاوزات وكان هدفها القضاء على داعش واحتواء إيران، التي استغلت الاتفاق النووي وتمددت أكثر ما يجعل إعادة الحساب في سوريا أمراً مهما. لكن؛ استحقاق وعود الرئاسة يغلب على ترامب مع حسابات الربح والخسارة، وفي ظل الغياب الأمريكي والصراعات الخفية مع تركيا كانت روسيا تتقدم باتفاقات تجعل تركيا ضمن المصيدة الروسية جعلها جزءاً من حلف الشرق الثلاثي مع إيران.
لا تستطيع أمريكا الآن في مسألة الانسحاب إلا أن تعقد تفاهمات مع تركيا تُخرِجها من هذا الحلف، وهو سيكون بمقايضة على الأرض السورية كما فعلت روسيا حين سلمتها جرابلس والباب وشمال غرب حلب وعفرين. وفي حال غياب الاتفاق؛ ستعمل روسيا على تمكين تركيا من التدخل والخوض في مغامرة جديدة شرق الفرات، وفي الحالتين ستكون المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية شمال وشرق الفرات عرضة للتهديد بوجودها، فهي بين المبادرة والمغامرة أمام فرصة مواجهة يجب الاستعداد لها وعدم النوم في الوعود.