تأملات الكرسي

123
 أزهر أحمد –

أتأمل ذاك الشاب الذي يناهز العشرين من عمره، يصيح بأعلى صوته (كرسي مجاني – كرسي مجاني – كرسي مجاني)، وهو يركض نحو ساحة المدينة المثقلة بالهموم المخبأة في زوايا الغرف الكئيبة، والمغطاة بسحب سوداء وهي تتصاعد من أفواه  المداخن وكأنها تعلن التمرد على برد الشتاء.
تعالت نبرة صوت ذاك الشاب القوي البنية، وتسارعت خطواته نحو الساحة القريبة، وكأنه في سباق، حاملا كرسياً على رأسه ويداه مشدودتان على طرفي الكرسي المتحرك يزداد دوراناً وحركة بحركة أطرافه لحظات الجري وهو يمنع الكرسي من السقوط.
وجموع من البشر(الأطفال – الشباب – الشيوخ) رجالاً ونساء تركض خلف ذاك الشاب وهو يزيد في سرعة الجري وكأنه يتحداهم ويقول لهم من منكم سيظفر بهذا الكرسي يزيد في سرعته ويزيدون في سرعتهم.
الكل يريد أن يوقع بمن يباريه سرعة ليكون هو الفائز بذاك الكرسي المحمول على رأس ذاك الشاب الذي مازال يقوي من صوته منادياً (كرسي مجاني … كرسي مجاني…كرسي مجاني)، وصوت خطواته تدل على إنه مازال محتفظاً بقوته وسرعته.
يركض الشاب وتركض الحشود من خلفه إلى أن وصل الى ساحة المدينة صعد مجسم البئر الموجود في ساحة المدينة وهو يخاطب الجموع المهرولة باتجاهه…عفواً باتجاه الكرسي.
الجميع متشنج ومتلهف للحصول على ذاك الكرسي المغري، يتوقف الشاب يحرك الكرسي فتتزايد سرعة دوران الكرسي حول قاعدته يدوره ليشاهده الجميع وليغريهم أكثر، يا له من كرسي إنه لا يشبه الكراسي التي عهدتها في منازل الفقراء، يزينه فرش من جلد النمر وساداته تشبه وسائد الملوك.
 نادى بصوتٍ قوي: انتظروا لا تتقاتلوا قبل أن أعطيكم الكرسي لابدّ أن أذكر لكم بعض ذكريات هذا الكرسي أرجوكم أتركوني أن أكمل كلامي، تعالت الأصوات والكل يحاول أن يقترب من الشاب الصاعد فوق المجسم المرتفع في الساحة.
تابع الشاب كلامه:
– هذا الكرسي كان سبب فقري وفقركم. هذا الكرسي كان سبب جهلي وجهلكم، هذا الكرسي كان سبب سجن والدي هذا الكرسي كان سبباً لبقاء جاري مفقوداً وأهاليكم المفقودين، هذا الكرسي كان سبب بقاء شقيقتي منزوية في ركن المنزل، وسبب الظلم في منازلكم هذا الكرسي كان سبب جهلي بلغتي ولغاتكم، هذا الكرسي كان سبباً لعدم تدوين اسمي في السجلات الرسمية.
هذا الكرسي كان سبباً لعدم وجود خارطة وطني ووطنكم الجريح ضمن خرائط العالم. هذا الكرسي كان سبباً لصراعات أخوتي وصراعاتكم.
هذا الكرسي كان سبباً لنسياني حقيقتي، فلكلوري، تاريخي، آثاري، وأنتم نسيتم حقيقتكم، هذا الكرسي كان سببا لبيع آثار أجدادي، هذا الكرسي كان سببا للخيانة.
كرهت هذا الكرسي عندما تذكرت كلام الشهيد هركول وهو يخرج كرسياً دواراً من مكتبه ويقذفه خارجاً قبل شهادته، وهو يقول هذا الكرسي سبب كل ما  آلَ إليه حال العالم  من السرقة والخيانة، الفقر، الظلم، والسجون، الفراق، الألم، الدماء.
بعد تلك العبارات ابتعد الجميع سوى قلة من الناس يُعدون على الأصابع فقذف الشاب الكرسي بينهم وهم يتصارعون على ذاك الكرسي رغم إنهم كانوا أقرباء، شدة صراعهم على ذاك الكرسي لم تترك سوى آثار الخراب والدماء.