سجالٌ عنوانه اتفاقُ أضنه

80
تحقيق/ رامان آزاد –

لم تدّخر تركيا وسيلة للعدوان على سوريا واستخدمت في سبيل ذلك كلَّ مجاميع المرتزقة وبفشلها، تدخلت مباشرةً واحتلت مناطقَ سوريّةً، ولجأت إلى تبريراتٍ كثيرةٍ منها دعم ما يسمّى الثورة السوريّة وإقامة المنطقة الآمنة لإيواء اللاجئين السوريين، وآخرها الحديث عن اتفاق أضنه.
لِمَ الحديثُ عن اتفاق أضنه؟
لم تحظَ تركيا بغطاءٍ سياسيّ للتدخل العسكريّ وأفلست من المبررات وشعرت بحجم التحدّي الكبير الذي يفرضه الانسحاب الأمريكي من سوريا، مع عدم قدرتها لملءِ الفراغِ، فعدلت موقفها بالحديثِ عن أنّ الحلَّ المتاح ليس عسكريّاً من جانبٍ وحيدٍ، بل يستندُ لاتفاقيةِ أضنه عام 1998، وترمي أنقرة إلى اجتزاء الاتفاقية بما يخدم مصلحتها وشرعنة تدخّلها بالأراضي السوريّة وانتزاع إقرار بتوصيف حزب العمال ووحدات حماية الشعب بالإرهاب وتعطيل الحوار مع مسد ودمشق، وتجاوز الخطة الأمريكيّة لإقامة بديلاً للمنطقة الآمنة، وتخلّي دمشق عن المطالبة بلواء اسكندرون الذي ضمّته تركيا عام 1939، والبدء بعلاقاتٍ مباشرةٍ مع دمشق بما في ذلك تبادل السفارات، وانتشار الجيش السوريّ على طول الحدود، ورغم أنّ كل ذلك يعني نزول أنقرة عن شجرة المطالبين بإسقاط النظام، فقد صرّح المتحدث باسم الرئاسة التركية “إبراهيم قالن”، الاثنين، إنَّ “نظام الأسد فقد شرعتيه بالنسبة لنا ولا مستقبل له”.
في 25/1/2019 قال الرئيسُ التركيّ أردوغان: “إنَّ اتفاق أضنه يتيحُ لتركيا دخولَ الأراضي السوريّة عند حدوثِ أمورٍ سلبيّة تهدّدُ أمنَ بلادنا”. وأضاف: “إنّ وراء ما يجري في حدودنا مع سوريا حساباتٌ تتعلقُ بتركيا وليس بسوريا”. وخاطب رافضي التدخّل التركيّ دون تسميتهم: “قولوا للذين يسألون عن سبب وجود تركيا في سوريا إنَّ أحكامَ اتفاق أضنه لا تزال سارية المفعول”.
وتثبتُ معطياتُ الأحداثِ تلاعبَ أنقرة بالمصطلحاتِ وتفسيرها الخاص “للأمورِ السلبيّة” بتصديرِ مشاكلها الداخليّة، وبالتالي فالدورُ التركيّ خالفَ الاتفاقيةَ وأسقطها، اعتباراً من المبادرةِ لنصبِ خيامٍ للاجئين السوريين على الحدود، قبل بداية الأزمة بثمانية أشهر، ومن ثم دعم الإرهابيين وانخراطها بالعدوان على سوريا، واعتماد سياسة القوة، وقال أردوغان: “كافحنا طوال 16 عاماً من أجل الحفاظ على قوة تركيا، وهناك من ينتظر سقوطنا”.
بالمقابل كان الردُّ السوريّ حول تفعيلِ اتفاق أضنه مشروطاً، ونقلت وكالة سانا عن مصدرٍ مسؤولٍ بوزارة الخارجيّة والمغتربين موافقةَ سوريا على تفعيلِ لاتفاقِ التعاونِ المشترك مع تركيا عبر إعادةِ الأمور على الحدود بين البلدين كما كانت، والتزام النظامِ التركيّ بذلك وتوقفه عن دعم وتمويل وتسليح وتدريب الإرهابيين وسحب قواته العسكريّة من المناطق السوريّة التي يحتلها. وأشار المصدر إلى أنّ النظام التركيّ ومنذ عام 2011، كان ولا يزال يخرقُ هذا الاتفاق عبر دعم الإرهاب وتمويله وتدريبه وتسهيل مروره إلى سوريا، أو احتلال أراضٍ سوريّة من خلال الإرهابيّين التابعين له، أو مباشرة عبر الجيش التركيّ.
لم يقتصر الحديث عن اتفاق أضنه على أنقرة وتحدثت عنه موسكو على أعلى المستويات؛ فدعا الرئيس بوتين البلدين للالتزام به، في محاولةٍ لتجنيب البلدين المشاكل، والعودة للعمل بالاتفاقيات الدوليّة التي تنصُّ على انسحاب تركيا من كلّ الأراضي التي دخلتها، والتعاون مع الجيش السوريّ لحماية الحدود.
وأشار وزير الخارجيّة الروسيّ لافروف إلى قبول بالاتفاق مع التحفظ على “المنطقة الآمنة” بالقول: “بالنسبة للمناقشات حول المنطقة الآمنة، لا يمكن أن يكون هذا موضوع اتفاق بين روسيا وتركيا. يجب أن يكون هذا خاضعاً للاتفاق بمشاركة الحكومة السوريّة؛ لأنّ الحاجة بنهاية المطاف تتمثل باستعادة الحكومة السوريّة السيطرة على كامل أراضيها، بما في ذلك المنطقة الآمنة، وهو أمرٌ واضحٌ للجميع”. وأشار إلى أنّ جوهر اتفاق أضنه يتمثل بالقضاء على مخاوف تركيا بشأن أمنها. وافترض أنّ الاتفاقية لا تزال سارية المفعول وأنّ الدول المشاركة فيه تعتقد هذا أيضاً.
يأتي الحديثَ عن “اتفاقِ أضنه” اليوم لرفعِ الحرجِ عن الجميع، ليكونَ بمثابةِ نقطةِ انطلاقٍ يمكنُ البناءُ عليها بالتوافقِ بين الأطرافِ كلها، وتأمين الانعطافِ بسياسةِ أنقرة وفق الشروط الروسيّة، فضلاً عن تفادي اختلافٍ يمكنُ حدوثه بين موسكو وأنقرة، فموسكو تدركُ أنَّ تركيا ليست بصددِ التراجعِ عن المنطقة الآمنة، ولكن النظام العالميّ الجديد وسريان مفعول اتفاق لوزان يلزمان أنقرة بمحدوديّة الدورِ بالمرحلةِ الحاليةِ.
بتوتر العلاقات بين دمشق وأنقرة عادت سوريا للمطالبة بأحقيتها بأراضي لواء إسكندرون، ففي آب 2018 طالب وزير الخارجيّة السوريّ وليد المعلم باسترداد اللواء، وأعادت وزارة التربية في أيلول الماضي خريطة سوريا مضافاً إليها اللواء إلى كتابٍ مدرسيّ.
اتفاقاتٌ لحلّ أزمةِ العلاقات
في إطار تحسين العلاقة مع سوريا ومحاولة أنقرة لمحاصرة “حزب العمال الكردستانيّ” زار رئيس الوزراء التركيّ تورغوت أوزال، دمشق في تموز 1987. ووقع الطرفان “بروتوكول التعاون الاقتصاديّ والفنيّ المشترك” الذي نصّ على تمرير كمية محددة من مياه الفرات وفقاً لاتفاق سابقٍ مع سوريا والعراق عام 1976 بناءً على طلبِ البنكِ الدوليّ.
في 17/4/1992 وُقّع اتفاق أمنيّ سوريّ – تركيّ ونُزع فتيل التوتر وأشار الاتفاق بوضوحٍ إلى نشاط “حزب العمال الكردستانيّ”، ونصًّ على اتخاذ التدابير “لمنع العبور غير الشرعيّ على امتداد الحدود” و”تطوير التدابير المتخذة لمنع إحداث إطلاق نار دون مبرر على طول الحدود”، كامتداد للفقرات الأمنيّة في برتوكول توزيع المياه. ووقّعها عن الجانب السوري رئيس شعبة الأمن السياسيّ اللواء عدنان بدر حسن، والجانب التركيّ مدير الحركات بالاستخبارات العسكريّة اللواء أشرف تبليس. ولكن لم تُنفّذِ الاتفاقية، فزار الرئيس التركّي ديميريل دمشق في 19/12/ 1993، لمناقشة موضوعي المياه و”حزب العمال الكردستانيّ”.
خلال حكومة تانسو تشيلر أعادت تركيا تحويل مياه الفرات لملء سد بيراجيك لإرواء سهول ماردين وشانلي أورفه وجيلان بينار وتشغيل محطتها الكهربائيّة ما تسبب بانخفاض مياه الفرات وتوقف 7 عنفات من أصل 8 بسد الفرات تؤمن 70% من الكهرباء لسوريا
في فترة المفاوضات السورية الإسرائيليّة وفقاً لمرجعيّة مدريد والمعروفة بوديعة رابين، هدّدت أنقرة بضرب معسكرات البقاع اللبنانيّ، لكن الخارجيّة التركية فضّلت الضغط على دمشق عبر واشنطن، وتمّ تداول خطة دمشق لضرب السدود التركيّة في حال نفذت تركيا تهديدها. وطلب الرئيس الأمريكيّ بيل كلنتون، عندما التقى بالرئيس السوريّ حافظ الأسد في 31/10/ 1994 بجنيف لإطلاق مفاوضات سوريّة إسرائيليّة، نقطتين محددتين: معرفة مصير الطيار الإسرائيليّ رون آراد، ووقف نشاط حزب العمال الكردستانيّ، فيما طالب الأسد بفتح موضوعي إيران وليبيا، ولم يُناقش حينها موضوع “حزب العمال الكردستانيّ”.
اتفاقٌ على وقعِ التهديدِ بالحربِ
من المهم الوقوف على قانونيّة الاتفاقيات السريّة ودرجة القبول الدوليّ بها أمام منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة ومنها محكمة العدل الدوليّة، حيث يُلزِمُ ميثاقُ المنظمةِ الدوليّةِ بإيداعِ المعاهداتِ والاتفاقياتِ المعقودةِ والمحرّرة رسميّاً بين الدول لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، ويقوم الأمين العام بتسجيلها، وبذلك يمكن أن تتخذ منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها مواقف واضحة إذ أخلَّ أحد طرفي التعاهد بالشروط المتفق عليها، وهناك أكثر من 30 ألف معاهدة واتفاقية تم إيداعها أصولاً الأمم المتحدة حتى تسعينات القرن الماضي. ولكن؛ المعاهدات والاتفاقيات السريّة والشفهيّة لا تُقبلُ أمام الهيئات والمؤسسات الدوليّة خارج إطار الأمم المتحدة.
اتفاقية أضنه بقيت إشكاليّة بالتفسير وتضاربتِ التوصيفاتُ حيالها، هل هي اتفاقٌ أمنيّ أم سياسيّ والسؤال حول مستوى نديّة الطرفين، أم هي إملاء لشروط؟ ورغم أنّ بعضَ بنودها أُعلنت رسميّاً إلا أنّ الحديثَ استمرَّ حول تفاهمات سريّة، وذهب البعضُ إلى تأويلٍ مختلفٍ، وحصر الاتفاق بالمحاصصةِ بمياه الفرات، حيث كانت تركيا تقطع المياه عن سوريا والعراق، ما دعا الدولة السوريّة لعقد اتفاقية تضمن حقها من المياه، بالإضافة إلى الخلاف حول لواء إسكندرون “ولاية هاتاي حالياً”. والواقع أنّ كلّ المصادر تقاطعت حول أنّ الاتفاق المبرم جرى بصيغة بتبادل بين المياه والمخاوف الأمنيّة.
شهِد عَقدُ التسعيناتِ تعدد القضايا الخلافيّة بين دمشق وأنقرة، ما أدّى إلى توترٍ حادٍ بينهما وصل إلى التهديدِ بالمواجهةِ العسكريّة لتصل الأزمة ذروتها، بتهديد الرئيس التركي سليمان ديميريل بالانتقام من سوريا، وقال رئيس الوزراء مسعود يلماز: “إنَّ بلاده ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة إذا دعت الحاجة ضد سوريا”، بينما قال وزير الدفاع عصمت سيزجين محذّراً دمشق: “للصبر حدود”.
وفي أيلول 1998 حشدت تركيا 10 آلاف جندي من قواتها على الحدود، وهدّد قائد القوات البريّة التركيّة سوريا من الريحانيّة: “تركيا ستتخذ الإجراءات المناسبة”.
شملت اتهامات المسؤولين الأتراك لسوريا (دعم حزب العمال الكردستانيّ، والسماح له بإقامة معسكرات على أراضيها وتوفير الحماية للقائد عبد الله أوجلان)، كما استشعرت أنقرة “خطر” ما تقوم به دمشق لجهة محاولة التواصل مع أبناء لواء إسكندرون عبر الشبكات الأمنيّة والاستخباراتيّة” أو “الشبكات الاجتماعيّة الطائفيّة، ولكن ذلك لم تأخذ طابعاً وطنيّاً حقيقيّاً يكفل إحياء الهوية السوريّة لأبناء اللواء السليب. كما نفت أنقرةُ اتهامَ دمشق لها بأنَّ عداوتها نتيجة للتحالفِ مع إسرائيل استناداً لاتفاقٍ استراتيجيّ أمنيّ – عسكريّ بين هيئتي أركان تركيا وإسرائيل عام 1996.
تدخّلت مصر على خط الأزمة بشخصِ رئيسها حسني مبارك ووزير الخارجيّة عمرو موسى، وتحرّكت إيران من خلال رئيسها محمد خاتمي، الذي تواصل مع دمشق وأنقرة وأوفد وزير خارجيته كمال خرازي إليهما.
في 5/10/1998 أغلقت تركيا بابَ الحوارِ لإنهاء التصعيد مع سوريا، وأعلن رئيسها سليمان ديميريل رفضَ أسلوبِ الحوارِ الذي دعت له دمشق، ووسّع دائرةَ العداءِ لتشملَ كلَّ الدول العربيّة موجّهاً انتقادات شديدة لها، وذلك قبل يومين من وصول الرئيس المصري حسني مبارك إلى أنقرة بعد زيارته لدمشق التي لم تحرّك ساكناً على الحدودِ واكتفت بالردِّ الإعلاميّ.
نجحت الجهود المصريّة بنزع فتيلِ الأزمةِ، وقبِل حافظ الأسد بالوساطة المصريّة إذ أدرك وقتها جديّةَ التهديداتِ التركيّة، ونية واشنطن بتوجيه ضربةٍ جديدةٍ للعراق؛ ما أدّى التوصل لاتفاقية أضنه” وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، تطوّرت لاحقاً إلى تعاونٍ استراتيجيّ استمر حتى بداية الأزمة السورية في آذار 2011.
بعضٌ من بنود الاتفاقية
انتهتِ المفاوضاتُ الشاقّة بتوقيع اتفاق أضنه في 20/10/1998، وانبثقت عنه لجنة أمنيّة مشتركة تجتمع دوريّاً وعند الضرورة. وكان القائد أوجلان قد خرج من سوريا إلى روسيا، ثم إيطاليا، وبعدها إلى نيروبي بكينيا حيث أُسِر في إطار مؤامرة دوليّة في 15/2/1999.
أياً كانت تأويلاتُ الاتفاقِ فاللافت فيها أنّ من وقع عليها شخصياتٌ سياسيّة وأمنيّةٌ ولم يُمثلِ الجانبان بشخصياتٍ تكنوقراطيّةٍ، فوقّع عن الجانب التركيّ السفير أوغور زيال وكيل وزارة الخارجيّة وعن الجانب السوريّ السفير اللواء عدنان بدر حسن رئيس شعبة الأمن السياسيّ. وبقي الاتفاقُ طي الكتمان حتى كُشف النقاب عنه لأول مرةٍ ونشره موقع “الحقيقة” في 14/1/2008. وبعد توقيع الاتفاقية مباشرةً، بدأت حملة اعتقالات ومحاكمات أمام محكمة أمن الدولة العليا طالت العشرات من كوادر وعناصر حزب العمال الكردستانيّ في سوريا. كما جرى تسليم عدد منهم إلى أنقرة رغم أنّهم مواطنون سوريون.
تتضمن الاتفاقية بنوداً أبرزها: احتفاظ تركيا بممارسة حقها الطبيعيّ بالدفاع عن النفس، والمطالبة بتعويضٍ عن خسائرها بالأرواح والممتلكات، إذا لم تُوقِف سوريا فوراً دعمَها لحزب العمال الكردستانيّ فوراً، وتنهي وجود القائد أوجلان في سوريا، ومنع التسلل للأراضي التركيّة وتشغيل خط اتصال هاتفيّ مباشر فوراً بين السلطات الأمنيّة العليا لدى البلدين.
الملحق رقم 3 من الاتفاق اعتبر أنَّ الخلافاتِ الحدوديّة بين الطرفين منتهية، وليس لأيّ منهما أيّة مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر. بينما تضمن الملحق رقم 4 تفهّم الجانب السوريّ أن إخفاقه باتخاذ التدابير والواجبات الأمنيّة، المنصوص عليها بالاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنيّة اللازمة داخل الأراضي السوريّة حتى عمق 5 كم. وبالتالي لا يمكن تبرير العدوان على عفرين واحتلالها مع مناطق أخرى، حتى وفق هذا الاتفاق الجائر لتجاوزه العُمقَ المتفقَ عليه.
وكانت هذه الاتفاقية مسوغاً استندت إليه المعارضة السوريّة لمطالبة تركيا بإنشاء منطقة آمنة شمال سوريا. ففي 11/5/2016، صرّح أنس العبدة، الرئيس الدوريّ لما يُسمّى “الائتلاف الوطنيّ: “اتفاقية أضنه تهيئ الأرضيّة اللازمة لأنقرة لإقامة منطقة آمنة في سوريا، وبتحقق ذلك، فإنَّ أنقرة ستؤمّن حدودها، ويمكن للسوريين العودة إلى بلادهم بأمان”.