أردوغان والسيرك الشرق أوسطي

222
محمد أرسلان ـ الاتحاد الديمقراطي –

حقيقة ينبغي علينا قبولها وإن كان لها طعم المرارة، وهي أنه بعدما كان الشرق الأوسط منبع الثقافات والأديان والعلوم ومهد البشرية، والتي كان يقصدها كل طالب فلسفة وعلم، تحولت هذه المنطقة بفعل عوامل ذاتية وموضوعية إلى مسرح لسيرك يُضحك فيها المهرج الحضور، علَّهم ينسون الماضي ويجعلهم يعيشون حالة هستيرية من الفرح والمرح حتى ينتهي العرض الذي يتم تقديمه ليقوم مهرج آخر بمتابعة المهمة، وإشغال الجمهور بأمور ليست لها أية روابط مع الواقع والحقيقة المجتمعية، بل هي فقط لإضحاك عينة ممن يدّعون أنهم وحدهم الذين يفهمون الحياة بكل متطلباتها وما الذي يقع على عاتقهم. هذا هو الواقع الأليم الذي نعيشه منذ قرونٍ عدة، لا ننتج أي شيء مفيد لنا أو للآخر سوى المزيد من المصائب والويلات، وظواهر اللطم والبكاء، على ماضٍ ولى ولن يعود كما نريده سوى في مخيلتنا، التي تم نسجها من قِبل النظم المتحكمة في هذا المسرح والسيرك الشرق أوسطي. ولعل آخر المهرجين الهزليين وأفضلهم ممن لعب دوره بإتقان لأسياده من ناهبي ثقافات وخيرات الشعوب والذي كان بلا منازع طيلة أكثر من عقدين من الزمن هو المهرج التركي رجب طيب أردوغان الذي جاء إلى الحكم في بدايات الألفية الثانية، ليقوم ما أُوكل إليه من مهام في القضاء على أي فكرة تنمو بشكل حر أينما كانت، حيث إنه استمر وبشكل أشد وحشية وإن اختلفت الأساليب في هجماته على الكرد في الداخل، ولم يسلم منه المدنيين ولا السياسيين الكرد حتى وصل به الأمر بعد لعبة الانقلاب للقضاء على كل من يخالفه مجرد الرأي ولا يهمه إن كان كرديًا أو تركيًا، وكان المهم بالنسبة له أن يبقى متربعًا على كرسي السلطة، أكبر فترة ممكنة لتحقيق أوهامه في استرجاع ما يمكن تسميته مهزلة الخلافة العثمانية من جديد.
وحتى أنه يمكن القول إنه في فترة حكم أردوغان تم بناء مئات السجون لتستوعب المخالفين له بالرأي، وأغلق مئات وسائل الإعلام وشكل المؤسسات الأخرى حسب أهوائه، مثل القضاء والدين والاقتصاد والبناء والسياسة وغيرها من المؤسسات التي تحولت إلى فروع خاصة تخدم وتطيع أوهام أردوغان. ليس فقط الكرد من اتبع بحقهم الجور والظلم والخداع إذ كان لأردوغان التأثير الكبير فيما سمي بثورات الربيع في المنطقة، حيث عمل على تمييعها وإخراجها من أهدافها الحقيقية التي خرجت من أجلها وهي الكرامة والحرية والديمقراطية، وبات جلَّ ما يفكرون به هو كيفية بيع الشعوب في سوق النخاسة لكسب المزيد من المال والشهرة والسلطة، أما الشعوب فلتذهب للجحيم، هكذا كان المعلم المهرج أردوغان وتشبَّه به مرتزقته وأقزامه ممن كانوا يقودون الثورة المضادة، إن كان في سوريا أو العراق أو ليبيا وكذلك الصومال وغيرها من الدول. لم يسلم الفلسطينيون أيضاً من خداع وكذب أردوغان، الذي بدا لهم وكأنه هو الذي سيحررهم من إسرائيل في نهاية الأمر، وتبقى المشكلة ليست في أردوغان بقدر ما هي في ممن كانوا وما زالوا يصدقونه، على أنه خليفة المسلمين الإخواني الذي سيحقق لهم كل ما يتمنونه. لكن؛ في الحقيقة كان ولا يزال له وظيفة واحدة وهي حماية أمن إسرائيل، حتى أكثر من أمريكا وبريطانيا أنفسهم. المهرج أردوغان لعب لعبته الشهيرة في دافوس وبعدها كانت سفينة مرمرة بشكل جيد، وكأنه راح يفتح القدس من البحر ويحرر غزة من الحصار الذي كانت تعيشه. لكن؛ الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا وكأن مشكلة الفلسطينيين وشعب غزة هي فقط بإيصال الغذاء والدواء لهم، وليست مسألة أرض وشعب تم تهجيرهم والقضاء على أحلامهم بالعيش في وطن مشترك يتسع للجميع. واختزل قضية شعب في مسألة أكل ودواء هو أكبر خداع للشعوب في التاريخ المعاصر، الذي قامت به الرأسمالية المتوحشة للقضاء على أي فكرة كرامة وحرية، هذا ما فعلوه مع الفلسطينيين، والآن على الشعب السوري في المخيمات والداخل أيضًا وكذلك في ليبيا واليمن. ولا ننسى الحصار المطبق من كل الجهات على روج آفا والشمال السوري لإركاع شعوبها، وجعلهم يتوسلون إليهم لتأمين سلةٍ غذائية أو قطرة دواء أو كبسولة يشفي بها مرضه، متناسين أن أسباب المرض هم أنفسهم الذي يعملون على جوع الشعوب لإذلالها وكسر إرادتها. وآخر ما عمل عليه المهرج أردوغان هو استقباله للأعضاء العرب من الكنيست الإسرائيلي، وكأنه سوف يحثهم على مواصلة النضال والكفاح ضد اسرائيل وحقنهم ببعض الشعارات الدينية، كي يستثمرها على اساس أنَّ القضية الفلسطينية هي التجارة الرابحة والرائجة في المنطقة منذ عدة عقود وحتى الآن، ومعظم الأنظمة استثمرتها لمصالحها هي وعلى حساب الفلسطينيين أنفسهم الذين كانوا الضحية الأولى لهؤلاء الساسة والمهرجين. وتبقى جغرافية ميزوبوتاميا التي كانت مهد الحضارات البشرية، وكذلك الشعوب التي تقطنها هي السبب في فضح أردوغان وسياساته الواضحة ضد الشعوب والقضاء على أوهامه في أن يصبح سلطانًا عثمانيًا بإصدار جديد. والثورة الفكرية التي يقودها الكرد والعرب والتركمان والآشوريين اليوم وعلى هذه الأرض هي من ستدق المسمار الأخير في نعش السيرك الهزلي للشرق الأوسط، وتعرية المهرجين في هذا السيرك والقضاء عليهم. الدكتاتورية والشوفينية وداء العظمة هذه الأمراض التي أصابت النظم المتسلطة على الشعوب أكثر ما تخشاها، الثورة الفكرية المضادة لها، وهي تعمل على لملمة ما تبقى من ثقافات مجتمعية لجعلها النواة للعيش المشترك وأخوّة الشعوب بعكس ما يعمل عليه المهرجون منذ مئات أو آلاف السنين، والأمة الديمقراطية التي طرحها أوجلان ربما ستكون الأمل الأخير لإخراج شعوب المنطقة من مهزلة المهرجين والملوك والرؤساء الذين باتوا يصدقون أنفسهم بأنهم قادرين على تحقيق أحلامهم المريضة.