المستقبل سيكون لصالحِ مشروع أخوّة الشعوب

79
حوار/ رامان آزاد –

أكد عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي ـ سوريا رمزي شخموس على أن المشروع التركيّ استعماريّ التوصيف ويفترض على كل من يعتقدون أنّ هذه المنطقة ليست حكراً على الوجود التركيّ، أو قوميّة ودين واحد، أن يتعاونوا معاً لمواجهة هذا المشروع المخالف للقيم الإنسانيّة ووضع حدٍّ له وإيقافه؛ جاء ذلك خلال حوار أجرته صحيفتنا “روناهي” معه والذي أشار إلى أن المستقبل سيكون لصالحِ مشروع “أخوة الشعوب” وأنّ حلّ الأزمة السورية لن يأتي من الخارج، بل يصنعه السوريون عبر الحوار الوطنيّ.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ ما هي أبعاد الدور التركيّ في سوريا والى أيّ مدىً تتطلع أنقرة في ممارسته؟
الحديثُ عن دورِ تركيا وتدخّلها في سوريا يدعونا للعودة إلى تاريخ سابق وإلى الأساس، وألا نتوقفَ على الأحداث الراهنة. وسنبدأ من بداية الأزمة السوريّة، وقتها كنا واضحين بموقفنا ولم نعتبر ما يحدث في سوريا “ثورة” حقيقيّة وتوقعنا أنَّ مجرياتِ الأحداثِ ستقودُ البلدَ للفوضى، وكنا على يقين أن جهةً تسعى لزيادةِ الفوضى وضربِ عواملِ الاستقرار وقيادة الأحداث.
منذ بداية الأزمة كان موقفنا واضحاً إزاء حالة الفوضى بألا نُستدرجَ إلى أتون الأزمة وأشرنا إليه بالخط الثالث، ولم نتماهَ في أجندة أيّ طرفٍ، فلم نكن بصف ما سمّوا أنفسهم “المعارضة”، والتي بدت منذ البداية أنّها أداةٌ بيدِ الحكومة التركيّة التي ساهمت بصنع الفوضى عبر أسماء كثيرةٍ اعتباراً من “الجيش الحر” ولاحقاً الفصائل المتطرفة مثل “جبهة النصرة”، و”داعش”. وكانت الأولويةُ عندنا حماية شعبنا من الهجماتِ وحملاتِ الاستهدافِ المسلّحِ من قبيلِ الدفاعِ المشروعِ عن الذات، ولم نبادر أيّ طرفٍ بالهجوم سواءٌ داخل سوريا أو تركيا عبر الحدود، وتبنينا مشروعاً واضحَ المعالم منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
نحن على قناعةٍ بأنّ الصيغة القديمة التي تتبنّى أفكاراً قوميّةً أو دينيّةً ضيقةً ومضى عليها قرنٌ ومازالت معتمدةً بالمنطقة وقوامها “الدولة القوميّة” قد استهلكت صلاحيتها الزمنيّة، ولا تصلحُ حلاً لمشكلاتِ منطقةِ الشرق الأوسط، وهي عامل تأزيم فيها.
ونعتقد أنّ المستقبل سيكون في صالحِ مشروع “أخوة الشعوب”، ونتطلع لإنجازه في سوريا، وكانت عفرين تجسيداً حقيقياً لهذا المشروع، كما هي الحال اليوم بإقليمي الجزيرة والفرات، والمناطق التي تأسست فيها الإدارة المدنية (منبج والطبقة) والمجلس المدنيّ بالرقة، وفي ظلها تعيشُ المكوّناتُ القوميّة (العرب والكرد والتركمان والآشور والأرمن)، وكذلك الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة والإيزيديّة، جنباً إلى جنب وتتشاركُ تفاصيلَ الحياةِ بدون تفاضلٍ أو تباينٍ، ونحن أحوج ما نكون لهذا المشروع اليوم، والسؤال من يعيقُ المشروع ويسعى لإفشاله بسبب هذا المشروع شنّت تركيا عدواناً وحشيّاً على عفرين في 20/1/2018 ومعها كلّ مجاميع المرتزقة بحجّةٍ مفبركةٍ هي الأمن القوميّ التركيّ، فمعارضو المشروع هم دعاةُ الانفرادِ بالسلطةِ والحكم ومن زُرعت في أدمغتهم النزعةُ الديكتاتوريّة والساعين لإلغاء دورِ الشعوب، فالمشروعُ يسحبُ البساطَ من تحت أقدامهم ويعطي صلاحية الإدارةِ والقيادةِ للمجتمعِ. وبشكلٍ أوضح تقفُ الحكومة التركيّة ضدَّ هكذا مشروع، وبخاصةٍ أردوغان الذي يتبنّى مشروعاً يجمعُ فيه تعطشه للانفرادِ بالسلطةِ وإحياءِ ميراث العثمانيّة القديم.
كلنا نعلم أنَّ السلطنة العثمانيّة احتلت المنطقة وأحكمت قبضتها عليها مدى أربعة قرونٍ واستثمرت الشعاراتِ الإسلاميّة واتبعت سياسة الإفناء والإلغاء وارتكبت المجازر المروّعة بحق الشعوبِ التي احتلت أرضها كالعرب والكرد والأرمن واليونان والشركس جميعاً وسيلةً لتوطيد حكمها، كما عملت على تتريك المنطقة وتحويل شعوبها إلى أتراك، إلا أنّها فشلت بذلك طيلة قرون حتى سقوط العثمانية بصعود تيار العلمانيّة القوميّ بقيادة أتاتورك، وأردوغان يعمل على إحياء ذلك المشروع القديم بالتلاعبِ بمضامين العثمانيّة والعلمانيّة في سياق مشروعه الخاص. والمشروع التركيّ الجديد يقومُ على إلغاء الشعوب الأخرى كما العثمانيّة، وتواصل تركيا الحديثة السياسة ذاتها وما فعلته بحق القبارصة بعد احتلال الأرض كما سلخت لواء إسكندرون عن سوريا بموجبِ اتفاقٍ مع الاحتلال الفرنسيّ.
ـ بعد ثماني سنوات من الأزمة والصراع المسلّح والمتغيرات التي حصلت، فمن جهة الاحتلال التركيّ لعفرين والتهديد بالعدوان على مناطق أخرى، وبالمقابل الإنجازات الميدانيّة التي ساهمت بانحسار الإرهاب شرق الفرات؛ ماذا يُطلب منا وما الممكن فعله؟
أولاً يجب العمل على توضيح المفاهيم وتصحيحها مقابل الدعاية المغرضة التي تروّجُ لها أنقرة لجهة الإساءة لمشروعنا وإفشاله بتهمةِ التقسيم والانفصال وغير ذلك، والتي تندرج تحت عنوان “كلمةُ حقٍّ يُرادُ بها باطلٌ” فالتهمة لا يصحّ توجيهها إلينا ونحن أحرصُ الأطرافِ على وحدةِ التراب السوريّ، والحماة المدافعين عنه مع مكوّناتٍ سوريّةٍ أخرى وعملنا معاً على محاربة الإرهاب. وهنا يجب الانتباه من خلط المصطلحات، فالبعضُ يذهب بعيداً لإلغاء دور الكرد، فالحقيقة أننا موجودون وفيما نعمل ضمن السياق الوطنيّ السوريّ وكانت توجهاتنا واضحة منذ بداية الأزمة، تعمل تركيا على إسقاط البعد الوطنيّ والديمقراطيّ والتركيز على البعد القوميّ فقط.
ثانياً تصورنا لحلّ الأزمة السوريّة لم يتغيّر، ففي الوقت الذي توجّه كثيرون إلى جنيف ومن بعدها سوتشي ابتغاءَ استدراجِ الحلٍّ كنا نؤكّدُ على الحلِّ السياسيّ عبر حوارٍ سوريّ – سوريّ، ونؤكّد على حلّ توافقيّ داخل سوريا، وأن تكون سوريا لكلِّ السوريين، وهذا هو مشروعنا، وهو ليس بجديدٍ، وهو مسألة لا تقبل المساومة أو التنازل، واستطعنا بعد قرنٍ من التهميش أن نوجِد تغييراً بواقع المنطقة ولصالحها، بالتعاون والتوافق بين مكوناتها.
بعبارة واضحة لا حلَّ مستورد للأزمة السوريّة يخضع لإملاءات الآخرين ويراعي مصالحهم من جنيف ولا من أي بلدٍ آخر، بل الحل بين السوريين أنفسهم، وهنا نتبنى بعداً استراتيجياً بعيد المدى، ولا نطلب حلولاً طارئة ضيّقة قصيرة المدى، وهذا موقفنا من هذه الحرب التي تأخذ كلَّ المنطقة باتجاه الظلام والبدائيّة وتخرجها من أطر الحضارة وصولاً إلى قتل الحياة، على يد المجاميع الظلاميّة كمرتزقة النصرة وداعش ومن يماثلهما، والتي يجب مواجهتها وصدّها، وهم يمثلون المشروع النقيض لنا فيما نحن دعاة السلام والديمقراطية والأخوة. والواقع يمكن اعتبارهم بلا مشروع ذو بعد إنسانيّ أخلاقيّ.
ـ ما السيناريوهات المتوقعة للأحداث في إدلب وعفرين بالنسبة لتركيا؟
تركيا لن تكتفي باحتلال عفرين، ولها طموحات باحتلال مناطق أخرى حتى حلب، وجزءٍ من الرقة ودير الزور، والوسيلة التي تتبعها في تنفيذ خطتها هي بتكريس الفكر الطائفيّ وإثارة الفتنة الطائفيّة (السنيّة – الشعيّة)، ولا تقف مطامعها حتى مشارف محافظتي حمص وحماه لتكونا تحت ظلّ حكمها، وعبر الحدود إلى الموصل بالعراق، وبنهاية المطاف تتطلع أنقرة لإحياء أمجاد العثمانيّة البائدة عبر التوسع والاحتلال المباشر. وما يحدث في إدلب بمسميات كثيرة كالنصرة والزنكي وأحرار الشام ومسرحية الاشتباكات الأخيرة هو تتمة للمشروع التركيّ، وقد أثبت أردوغان من غير شكٍّ أنّه يتزعم كل المرتزقة ويقودها، وتلتقي عنده كلّ أشكال التطرف الدينيّ السلفيّ والإخوانيّ بالمنطقة.
ـ ما العمل إزاء العربدة التركية بالنسبة للسوريين؟
المشروع التركيّ استعماريّ التوصيف ويفترض على كل من يعتقدون أنّ هذه المنطقة ليست حكراً على الوجود التركيّ، أو قوميّة ودين واحد، أن يتعاونوا معاً لمواجهة هذا المشروع المخالف للقيم الإنسانيّة ووضع حدٍّ له وإيقافه، والمسألة لا تتوقف على السوريين فقط، بل تشمل كل الشرفاء بالمنطقة الرافضين للمشروع وهناك من الأتراك من يعاني وطأة ظلم هذا النظام، ولننتصر معاً للديمقراطيّة، حيث تنال كلُّ المكونات حقوقها الطبيعيّة.
 للأسف أنّ الأخوة العرب لم يتفهموا طبيعة المشروع التركيّ والسياسة التي تنتهجها أنقرة، والبعض رفع شعار الثورة في سوريا وتحوّل لأداة تركيّة تحرّكها كيفما تشاء، وقد رأينا المرتزقة الذين كانوا في مقدمة قوات الاحتلال التركيّ وتحت علمه خلال العدوان على عفرين، متنكرين لهويتهم الوطنيّة السوريّة، بل أكثر من ذلك تحت يافطات وشعارات تركيّة خالصة وبغاية الوضوح، فبعد الاحتلال فُرضت اللغة التركيّة على المنطقة حتى بالتعليم، ورغم الأدلة الكثيرة لم يستطع أن يتفهم هؤلاء أن هذا المنهج ليس صحيحاً بإدارة البلد، وأنّ ما يفعله التركي مؤشراتِ واضحة أنّه سيتبع السياسة نفسها معهم ويتخلّى عنهم ويفنيهم بعد استهلاكهم.
ـ أعلن الرئيس الأمريكيّ ترامب سحبَ قوات بلاده وعزمه على إقامة منطقة آمنة. ولكن؛ أنقرة تتلاعب بتفسير ذلك، إلامَ ترمي؟
عندما أُعلِن مشروع إقامة المنطقة الآمنة شمال سوريا، أرادت أنقرة استثمار الفكرة وتجييرها لصالحها، بل كانت تخطط لذلك، وحاولت على مدى ثلاث سنوات استدراج الدول الأوروبيّة لإقامة مشروع بهذا الاسم، مدّعية بأنّ إقامة منطقة آمنة ستكون سبيلاً لإعادة اللاجئين السوريين واستغلت مخاوف الأوروبيين من موجات الهجرة. ولكن؛ الواقع يكذّب ادعاءات أردوغان وخلال سنوات من الأزمة وتردّي الأوضاع الأمنيّة في كلِّ الجغرافيا السوريّة، لم تقع أيّة حادثة أمنيّة على الحدود مع تركيا، بل على العكس هناك الكثير من الأدلة الدامغة على تورط الحكومة التركيّة بالإرهاب دعماً وممارسةً، فجعلت منم الحدود معبراً لدخول المرتزقة الإرهابيين من الجانب التركيّ وبمساعدة الاستخبارات التركيّة نفسها، ففي كوباني الآمنة قدّمتِ السلاح لمرتزقة داعش وتمّت معالجة جرحى “داعش” بالمشافي التركيّة ، والعالم يغضُّ الطرف عنها بسبب المصالح، وبذلك فإنَّ أنقرة غير مؤهلة لإنشاء منطقة آمنة.
مؤكد أنّنا نسعى لتكون مناطقنا آمنة يسودُها السلام من أجل حياة طبيعيّة ولن نقبل بتمرير الإرهابيين إليها، وقد أشار سيبان حمو إلى أنّ الصحيح إقامة المنطقة الآمنة ضمن الأراضي التركيّة لو كان العالم نزيهاً. والخطر ليس على الكرد، بل على كلّ السوريين، وفيما لا يتورع أردوغان عن تسمية الكرد، فالصحيح أنّ أطماعه تتجاوز الكرد ومناطقهم. ولذلك؛ لا مشكلة في مساهمة من جانب المنظمات الدوليّة وتكليف مراقبين دوليين لآليات التنفيذ ولينظروا من الطرف المعتدي. كل ما قدّمته تركيا هي ذرائع مفبركة لا صحّة لها ومن جملتها إعادة السكان الأصليين، وهل توطين أهالي الغوطة المرحّلين أو مجاميع المرتزقة التي قَدِمت من دير الزور هم السكان الأصلاء؟! إنّها عناوين لشرعنة التغيير الديمغرافيّ.
هذه هي الديمقراطية بالمفهوم التركيّ إنها شرعنة التغيير الديمغرافيّ، ليس في عفرين وحسب، بل على كامل الحدود، إنها فوبيا الكرد التي تسكن أدمغة المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم أردوغان.
 وهل عفرين جزءٌ من تركيا أم من سوريا؟ عفرين لها خصوصيتها، ومن احتضنتهم من السوريين كانوا نازحين طارئين وليسوا أصحاب الأرض وأهل المنطقة. والوثائق وحقائق تثبتُ لمن تعود ملكيّة الأرض، والمفارقة أن يسكن أهل عفرين بالمخيمات اليوم والمستوطنون من غير المناطق يسكنون عفرين.
كل الادعاءات التركية بخصوص المنطقة الآمنة تأتي وفقاً لمعاييرها، ولننظر لحالة عفرين خلال العدوان وبعد الاحتلال، وطبيعة الحياة المعاشة اليوم فيها، فبعدما كانت عفرين ملاذاً آمناً للهاربين من لظى الحرب السوريّة وفتحت ذراعيها لاحتضان أكثر من 400 ألف نازحٍ سوريّ من مناطق الصراع المسلح، وبعبارة أخرى كانت عفرين جغرافيا الأمان والاستقرار دون تفرقة أو تمييز بين السوريين، بينما استغرقت المناطق السوريّة بالصراع المسلح والحرب على الهوية.
ـ يدّعي أردوغان أنه يستهدف فصيلاً كرديّاً ولكن الواقع غير ذلك، ما الذي يجب عمله؟
الحديث عن وحدة الموقف الكرديّ لم يتجاوز الشعار عند البعض فالسلوك هو الحكم، إذ لا يقبل من طرف يُفترض أنّه كرديّ يشارك أنقرة ويقيم في أحضانها ويتبنّى أجندتها في محاربة الكرد وسائر المكونات السوريّة أن يتحدث عن الوحدة أو يكون شريكاً في الحلِّ؛ لأنّه شريكٌ في الأزمة والحرب وعامل تعطيل للحل.
أوجه النداء إلى كلِّ الكرد على اختلاف توجهاتهم الحزبيّة والسياسيّة، وأقول الحقيقة، اليوم تركيا لا تعادي حزباً محدداً، بل تعادي كلَّ الكرد وترفض وجودهم، وهي ضدّ القيم الإنسانيّة، واليوم يكثر الحديث حول تضامن الكرد ووحدة الصف ووفقاً لاتضاح مواقف تركيا ورئيسها فثمة خياران أمامنا إما مقاومة مشروع العدوان التركيّ أو قبوله الانضواء فيه، ويجب ألا تأخذنا المصطلحات والأسماء بعيداً عن الحقيقة فنخدعَ أنفسنا بمجرّد المصطلحات والشكليات، فكرد سوريا يواجهون الإبادة الحقيقيّة ومعهم كلّ الكرد والاستئصال الوجوديّ.