كري سبي من ظلام المرتزقة إلى نور الحرية

99
تقرير/ سلافا أحمد –
مدينة كري سبي (تل أبيض) التي كانت إحدى معاقل مرتزقة، ومكاناً لخلق الفساد والفتنة والخوف ومصدراً لتمويل الإرهاب من البوابة الحدودية الفاصلة بين الشمال السوري وباكور كردستان من قبل دولة الاحتلال التركي، أصبحت مثالاً لأخوة الشعوب والأمة الديمقراطية والتعايش المشترك لكل شعوب سورية.
تقع منطقة كري سبي على الحدود التركية 100كم شمال مدينة الرقة، وتتبع إدارياً لها، كما تعتبر حسبما أكدت الكثير من الدراسات التاريخية بأنها جزءٌ لا يتجزأ من روج آفا الجزء المقتتطع في الدولة السورية نتيجة اتفاقية سايكس بيكو.
تعيش الشعوب فيها من كرد وعرب وأرمن وتركمان حياةً تشاركية منذ الأزل، ويتجاوز عدد سكانها أكثر من 300 ألف نسمة ويشكل الكرد أكثر من 35 % من عدد السكان؛ أي ما يقارب 100 ألف نسمة، وتقع القرى الكردية اعتباراً من كري سبي المركز وغرباً حتى الحدود الإدارية لحلب، ويبلغ عددها أكثر من 100 قرية، وهناك قرى تقع جنوب الطريق الدولي حلب – الحسكة، ومعظم هذه القرى متواصلة جغرافياً باستثناء بعضها التي تم استحداثها من قبل النظام البعثي بعد عام 1963م.
كري سبي بعد تحرير كوباني
بعد سيطرة فصائل المرتزقة المتمثلة بجبهة النصرة وداعش على مدينة كري سبي في 13 آذار عام 2013م، الذين نهبوا الممتلكات الخاصة والعامة للأهالي، وفرضوا قوانينهم اللاإنسانية على الأهالي القاطنيين في المدنية، وزرع الخوف والعنصرية والفتنة والفساد بين الشعب وبخاصةٍ من قبل مرتزقة داعش، أدى ذلك إلى التهجير القسري بحق أهالي المدينة وريفها، ما فتح الباب أمام تلك العناصر للتوغل في الأراضي السورية والاستيلاء عليها وفرض حصارٍ خانق على الأهالي بحجة دين الإسلام الذي هو منهم براء، كما فرضوا الضريبة وحبسوا النساء في بيوتهن، واستولوا على الأموال الخاصة والعامة وقاموا بتصديرها لدولة الاحتلال التركي التي كانت تدعمهم بكل الوسائل لنشر الإرهاب في سورية وتوسيع نفوذها في المنطقة، وممارسة أشد العقوبات بحق الأهالي وتعذيبهم بكل الوسائل النفسية والجسدية، حتى وصل بهم الأمر إلى قطع رؤوس الأهالي، بالإضافة إلى قطع أجزاء من أجسادهم إذا تم مخالفة أوامرهم.
وبعد تحرير مدينة كوباني من مرتزقة داعش بتاريخ 26 كانون الثاني عام 2015م، كان من الضرورة تحرير مدينة كري سبي وربط مقاطعتي (إقليمي اليوم) الجزيرة وكوباني ببعضهما وفتح ممر بينهما من أجل كسر الحصار المفروض على كوباني.
بتاريخ 6 أيار عام 2015م أطلقت وحدات حماية الشعب حملة لتحرير الريف الغربي لمقاطعة الجزيرة، فيما تقدمت وحدات حماية الشعب في الجبهة الشرقية لمقاطعة كوباني. وبعد تحرير قرى ريف مقاطعة الجزيرة وتحرير جبل كزوان وبلدة مبروكة تقدمت الحملة بخطى متسارعة نحو مدينة كري سبي.
وبتاريخ 14 حزيران عام 2015م تمكنت وحدات حماية الشعب من تحرير بلدة سلوك الاستراتيجية آخر معاقل مرتزقة داعش قبل مدينة تل أبيض، لتبدأ مرحلة محاصرة تل أبيض من قبل وحدات حماية الشعب في الجزيرة وكوباني. وبتاريخ 15 حزيران عام 2015م أعلنت وحدات حماية الشعب تحرير مدينة تل أبيض بشكلٍ كامل من مرتزقة داعش.
بعد التحرير
تحررت مدينة كري سبي في 15 حزيران عام 2015م من قبل وحدات حماية الشعب وغرفة عمليات بركان الفرات من رجس مرتزقة داعش، فكان يوم التحرير بالنسبة لأهالي كري سبي يوم طلوع الشمس بعد الظلام الذي عاشوه لأعوام حيث تحررت الإنسانية وكانوا بانتظار هذا اليوم بفارغ الصبر لتخليصهم من الذهنية الداعشية الذي فرضت عليهم، وبدأت الحياة تعود للمنطقة شيئاً فشيئاً.
الناحية الاجتماعية
تم الإعلان عن الإدارة الذاتية فيها في 21 تشرين الأول عام 2015م ليقوم الأهالي بإدارة أعمال مدينتهم بأنفسهم من جميع النواحي التنظيمية والاقتصادية والخدمية والتعليمية وشؤون المراة.
فبعد الفتنة والفساد التي تم زرعها من قبل مرتزقة داعش بين مكونات كري سبي، تم إحياء الحياة المشتركة وأخوة الشعوب من جديد بين أبناء المنطقة والتعايش المشترك. وبعد الإعلان عن مشروع الفيدرالية في شمال سورية في 17 آذار عام 2016م، بادرات الإدارة الذاتية في المدينة بتأسيس الكومينات في القرى والأحياء التابعة لها. وأجريت انتخابات الكومينات والمجالس المحلية في المدينة.
المرأة وإدارتها لنفسها
كانت المرأة تعتبر الضلع الناقص في المجتمع وآلة لجلب الأطفال وتربيتهم والاهتمام بالمنزل فقط، وبعد تحرير كري سبي تمكنت من التعرف على نفسها وحقوقها من خلال تلقي دورات التوعية والاجتماعات التي كان يعقدها مؤتمر ستار بالتنسيق مع الإدارة الذاتية في المدينة للأهالي والمرأة، كما وتمكنت من كسر قوقعة التخلف التي كانت مسجونة فيه منذ عقود، واستطاعت دحر أكبر مجموعة ارتزاق في العالم من مدينتها، بالإضافة إلى إدارة مدينتها بنفسها ولعب دروها في تطوريها.
الحماية المجتمعية
كان لا بد من تأسيس قوات الأسايش والترافيك والحماية الجوهرية من أجل المحافظة على الأمن، وكان لهم دورٌ بارزٌ على مختلف الأصعدة منذ تأسيسهم في المدينة، وساهمت وحدات حماية الشعب والمرأة في حماية المدينة من الهجمات الخارجية، ونظمت نفسها ضمن المجالات في المدينة كافة.
العودة إلى التعليم
بعد حرمان أطفال مدينة كري سبي من الدراسة بشكل قطعي لثلاثة أعوام وستة أشهر تقريباً، بادرت لجنة التربية والتعليم في كري سبي بكادر مؤلف من سبعة معلمين فقط بفتح المدارس بشكل إسعافي وترميمها. وإرسال المدرسين إلى دورة تدريبية لمدة ثلاثة أشهر، ومن ثم بادرت بافتتاح المدارس في 18 أيلول لعام 2015م، والبدء باستقبال الطلاب، وكان هدفها إعادة البنية السليمة لعقول الأطفال، ومسح ملامح الخوف والآثار النفسية التي خلقتها الأزمة السورية في أذهانهم وزرع المحبة والسلام والاطمئنان في قلوبهم.
وفي هذا السياق قامت صحيفتنا بجولة في المدينة للاستماع إلى آراء الأهالي بمناسبة قدوم الذكرى السنوية الثالثة لتحريرها من رجس داعش:
وحدث المواطن ميكائيل محمد قائلاً: «نبارك الذكرى السنوية الثالثة لتحرير مدينة كري سبي على عوائل الشهداء كافة الذين ضحوا بفلذات أكبادهم من أجل حرية وكرامة وطنهم. لقد كان يوم 15 حزيران عام 2015م يوماً لا يوصف بالكلمات، فكان بالنسبة لنا يوم إشراقة الشمس بعد ظلام طويل استمر لأعوام».

أما المواطن مصطفى محمد علي فعبر عن سعادته بتخلُّصهم من ظلم داعش مؤكداً في حديثه: «إن الثلاثة أعوام الماضية التي عشناها والتي سبقت التحرير؛ كانت قاسية جداً إلا أننا نسيناها بعد تحرير المدينة ونسينا جميع الصعوبات التي مررنا بها في عهد مرتزقة داعش».