تفاوض بلا مرجعية أم تفاوض بلا شروط

199
رياض درار –
كتبت سميرة مسالمة: « فرق كبير بين أن تكون ضد نظام استبدادي أو ضد سورية، أن تكون ضد النظام يعني ألا تعيد إنتاجه حتى لو اشتراك بنصف السلطة لأن قبولك يعني أنك تريد مشاركته في الاستبداد.. أن تكون ضد سورية يعني أنك تكون مع أي احتلال مقابل أن يعطيك سلطة ولو وهمية». جميل هذا الكلام الذي يدفعني للحديث عن مسألة التفاوض مع النظام.
حين تُقرِّر التفاوض مع النظام أنت تسعى لتحقيق هدف بذلت لأجله تاريخاً من النضال وأرواحاً ومهجاً ودماراً، وعذاباتٍ ودموعاً ولوعاتِ أمهاتٍ وأبناء وأخوة وزوجات فقدوا أحبة لن يعودوا ولن يعوضهم إلا تحقيق الهدف، أو لا تفاوض. حين تفاوض يجب أن يكون لديك مرجعية توصف الحالة؛ من أسباب الصراع إلى طريق الحل. وخلال ذلك يمكن أن تأتيك نصائح وأن تتلقى إرشادات، ويمكن أن تخضع لضغوط، ويمكن أن تمتثل لنوع من الواقعية السياسية التي تقتضي الأخذ بالحسبان جملة المتغيرات على الأرض وجملة المصالح المتداخلة ولكن تبقى المرجعية مقياساً لدى أي تغيير وبدونها لا تفاوض.
يمكن أن تبدأ التفاوض بلا شروط؛ لأن الشروط قبل البدء عوائق تُؤخِّر التفاهمات وتمنع الخصم من الحضور وإذا حضر مرغماً لن يساهم في وضع اللمسات على أي حل وإنما سيقف عند كل جملة وكلمة لعرقلة أي حل، فتدخل في مفاوضات بلا تفاوض. وهذا ما جرى للمعارضة مع النظام في جولات جنيف كلها..
بلا شروط يعني أن هناك نقاطاً مشتركة ترغب بالاتفاق عليها لتضع العربة على سكة الحل، ثم تعمل بالتدريج وخطوة خطوة للتقدم، وعليك أن تعرف نقاط الوصل بين المراحل ولا تستعجل، ويمكنك البدء بالحوار كمقدمة لتفاوض جزئي على نقاط محددة لتصل إلى التسوية التي تشكل هدف التفاوض النهائي التي يقوم عليها البناء الجديد.
إن مشكلة المتخاصمين في سورية أن كلاً منهم يعتقد أنه يملك الحقيقة وهي امتياز حصري له ولديه الصواب الكامل، ويعيب على غيره تصوره وتقديره للمواقف ورؤيته للحل، مع حجم مخيف من الشك وسوء النية. لذلك؛ لا بد من المرجعية التي تقوم على الحكم الصحيح على الأشياء التي تقترب من الحقيقة؛ وفق قاعدة من البيانات السليمة، وأن نقدر الإيجابيات لدى الطرف الخصم ولا نسعى لاغتيال كل فكرة تخالفنا، ولا نعتمد على لغة التحريض التي مورست قبل التفاوض، ولا ننشد الثأر لنتائج الصراع الذي جرى، ولا نتمسك بمواقف أيديولوجية جامدة. وأن نمتلك الشجاعة لمواجهة أفكارنا وتصحيح وتصويب أنفسنا. وبذلك تكون مقدمات التفاوض في الحالة السورية قد فتحت باباً للتفاهمات فلا نمارس الانتحار بالتمرس وراء قناعات جامدة، ولا نمارس الاغتيال لقناعات نرفضها لأنها صدرت من الخصم.
ماذا نريد من المرجعية؟ نريد منها أن تكون وسيلة لاتخاذ المواقف وتقييم الأداء أو الاعوجاج إن حصل، وأن تحكم على الاختلاف بين العناصر المكلفة بإدارة التفاوض، وأن لا تترك خللاً يدخل منه الخصم ويثبت النقاط. لأن الطاولة ستفرض شروطها ما دمت ارتضيت البدء بلا شروط، فالمرجعية تجعل التفاوض على الشروط محدداً والاجتهاد محدوداً.
في مسألة التفاوض مع النظام في حالة مجلس سوريا الديمقراطية وقواتها هناك فرصة لكسب جولة الانفراد ببدء الحوارات وتثبيت المسارات للحل السياسي والمآل الدستوري؛ لأن ذلك خطوة ايجابية بدل الجدل الذي يمكن أن يحصل فيما لو شاركت المنصات المعتمدة، وهي غير متفقة، تقوم على مبدأ المحاصصة وتعدد المواقف وتشتت الرؤى، فذهابها في وفد واحد لا يعني أنها وفد موحد، وبغياب المرجعية وتعدد الرؤوس تمكن النظام والجانب الروسي واللاعب التركي من تمييع المعارضة وتطويعها بإدخالها مسارات جديدة كآستانا وسوتشي؛ ومن ثم إفراغ كل القرارات الأممية التي تتعلق بالمسألة السورية، لأنها تصر على الشروط وتعمل بلا مرجعية
التفاوض بلا شروط لا يعني بلا مرجعية، ووفد واحد لا يعني وفد موحد، فلا بد من وحدة الموقف والقرار أولاً للنجاح في أي تفاوض.