التمادي التركي لا بدّ أن يُلجم

98
رفيق ابراهيم –

يبدو من النظرة الواقعية لقرار الانسحاب الأمريكي من سوريا، أن هدف القرار الذي اتخذه ترامب هو خلط الأوراق ومراقبة صدى القرار وتداعياته في المنطقة من قِبل الدول الإقليمية، وحتى المجتمع الدولي، هذه القوى التي تتدخل في الأزمة السورية بشكلٍ من الأشكال. فما أن صدر القرار الأمريكي حتى بدأت جميع الدول الإقليمية (تركيا، إيران، وسوريا)، والآخرون من القوى الفاعلة كروسيا بالتحضير لما بعد الخروج الأمريكي، الذي توقعوه أن يكون سريعاً وخلال أيام قليلة. ولكن؛ على الجميع أن يعلم بأن المصالح الأمريكية في المنطقة مرهونة ببقائها وبقاء قواعدها، وإن خرج الجنود الأمريكان فعلياً. وهذا ما ظهر جلياً في التصريحات الأمريكية التي تلت قرار ترامب بالانسحاب من سوريا والتي رفضت جملة وتفصيلاً قرار الانسحاب الفوري والتأني والحذر، ولربما تستغرق العملية أكتر مما توقعه الجميع وبخاصة الدول الإقليمية والقوى الدولية، التي تريد الانسحاب الأمريكي بخطى سريعة لتترك الساحة السورية دون حسيب ورقيب، وتتركها لهم، يعملون بها ما يريدون وبخاصة تركيا التي جهزت لعملية برية في منبج ومن ثم شرقي الفرات حسب زعمهم؛ لأنهم رأوا أنفسهم أنهم البديل للتواجد الأمريكي. ولكن؛ الأمريكان لجموا أحلام الدولة التركية ورفضوا أن يكون هناك بدائل لها تقوم بمهامها في المنطقة؛ لأنه عملياً حتى وإن خرجت أمريكا من سوريا، فأنها ستبقى في الدول المجاورة كالعراق؛ كون خروجها وفق دراسة مخططة سيترك فراغاً كبيراً؛ ما سيكون له الأثر المباشر على عودة الإرهاب للمنطقة وقد تكون بشكلٍ آخر أكثر دمويةً، وأيضاً سيؤثر ذلك على العلاقة بينها وبين إسرائيل من جهةٍ أخرى، ومن ثم دول الخليج وفي مقدمتها السعودية المستعدة لدفع المزيد من المال في سبيل عدم تمدد إيران وحتى تركيا في المنطقة. تركيا التي تريد أن تقوم بمقام المسؤول عن الإسلام السني وتقود المسلمين في العالم ولغاية في نفس يعقوب، حتى وإن تتنازل عن الكثير في سبيل ذلك أو التضحية بالاقتصاد التركي المنهار أصلاً من أجل السيطرة على القرار الإسلامي وتحييد السعودية والحلول محلها. وأمريكا ترى بأن تركيا حليف استراتيجي هام. ولكن؛ يجب أن تكون حليفاً واقعياً وذو مطالب ممكنة، ينفذ ما يُطلب منها وبالمعنى الأصح أن تكون مطيعة ولا تتدخل في مشاكل الآخرين وترضي بذلك السيدة الأولى (أمريكا)، وتركيا ونتيجة التغاضي الأمريكي عن الكثير من الأعمال التي قامت بها تمادت كثيراً في اتخاذ القرارات الخاطئة والسلبية، تلك التي أثرت بشكل أو بآخر في العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وأولها، بل وأهمها هو دعم المجاميع الإرهابية ومرتزقة داعش وإطلاق يدهم في كل من سوريا والعراق، لتحقيق أحلامها المريضة وثانيها هو التعاون مع الروس والانضمام إلى حلفها وعقد صفقات لشراء الأسلحة منها ولعل صفقة (إس 400 ) خير دليل على ابتعاد تركيا شيئاً فشيئاً عن الحليف الأمريكي، وحلفائها في الناتو والأمريكان ويقولونها صراحةً، أن أي اتفاق على شراء الأسلحة من روسيا سيؤدي إلى سوء العلاقة الأمريكية ـ التركية، وهذا ما لم يؤخذه تركيا بعين الاعتبار، فهي تتصرف وكأنها خارج هذا العالم وفوق جميع القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية. وهذا ما لم يعد مقبولاً من المجتمع الدولي برمته، وهي تتصرف في سوريا كما لو أنها الأب الروحي للسوريين وقضية السوريين تهمها أكثر من السوريين أنفسهم، والحقيقة عكس ذلك تماماً؛ لأن التفكير التركي معروف للجميع ومفهوم السيطرة على المنطقة لديها هو مفهوم ثابت، واحتلال الأراضي السورية هو الهدف المنشود لها، وأيضاً العراق لم يسلم من هذه الأحلام الطورانية، ففي كل مرة تذكر العراق يتحدث المسؤولون الأتراك عن كركوك والموصل، وكأنها ورثتها من أجدادها العثمانيين، وتريد إعادتها إلى الدولة التركية. نعم لتركيا مطامع تاريخية تحاول تحقيقها وبشتى الوسائل المحتملة وبخاصة في ظل هذه الظروف التي تحيط بالمنطقة، وبات الجميع يدرك هذه الحقيقة، وعندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من سوريا، أرادت استغلال المسألة واحتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السورية. ولكن؛ جرت الرياح بما لا تشتهي سفنها التي تعطلت في منتصف الطريق، ويمكن لها أن تعود وتجر أذيال الخيبة كما كل مرة، وبخاصة بعد زيارة جون بولوتون الأخيرة لها وكيف عاد مسرعاً وبدون أن يلتقي بأردوغان ، كما كان مُتوقعاً وهذا دليل على ازدياد الهوة بين الدولتين قد تؤدي إلى قطيعة إذا ما استمرت تركيا في فرض أجنداتها، التي قد تكلفها الكثير في الأيام القادمة.