الثورات وتحرّرها من يوتوبيات الحداثة الرأسماليّة

31
عبد الله آوجلان –

الجانبُ الأكثر مأساويّةً في الثورات العصريّة كونَها ضحيّةَ نزعةِ الحداثةِ التي ساهمَت بذاتِها في تحقيقها. يَكمُن النُّقصُ المشتَرَكُ لهذه الثورات في العجزِ عن تحليلِ تيارِ الحداثويّة، مُعتَقِدةً بانتصارِها في أهدافها التي تتطلّع إليها، حتّى دون حلِّ أو تحليلِ علاقاتِها وتناقضاتِها مع تيار الحداثويّة. عندما كان الأمرُ كذلك، فالمضامينُ اليوتوبياويّةُ للثوراتِ لَم تتخلَّصْ من الذوبانِ في الحساباتِ الجَليديّةِ للحداثويّةِ في وقتٍ مُبَكِّر. الدرسُ الممكنُ استخلاصُه من تاريخِ المدنيّةِ والحداثةِ طيلةَ خمسةِ آلافِ عامٍ عموماً وعلى مرِّ القرونِ الأربعةِ الأخيرةِ على وجهِ الخصوص، هو أنّ العامِلَ الأساسيَّ وراءَ فشلِ كلِّ المقاوَماتِ والثورات، هو عجزُها عن وضعِ الفوارقِ بينها وبين النظام الذي تَمَرَّدَت عليه، وعن تكوينِ نظامِها المضادِّ له. إذ قَيَّمَت المدنيّاتِ والحداثةَ بموقفٍ أَحَدِيٍّ انفراديّ، وطابَقَت بينها وبين الحياة الكونيّةِ التي يجب امتثالَها. لذا، ورغم أنّ المقاوماتِ التي لا حصرَ لها لَم تَترُكْ مدنيّةً إلا وسَوَّتها بالأرضِ وهَدَمَتها، إلا أنّ ما تَحَقَّقَ لم يَكُ أبعدَ من نسخةٍ جديدةٍ من المدنيّةِ السابقة.
هنا يَظهَرُ مصدرُ قوّةِ المدنيّاتِ أمامنا. فالأشخاصُ اللامِعون عموماً هم أبناءُ المدنيّاتِ التي عاصروها، بما فيهم الثوريّون العِظامُ أيضاً، فيما خلا بعض الاستثناءاتِ النادرة جدّاً. أي أنّ العصرَ الذي عاشوه يُشَكِّلُ والِدَيهم الحقيقيَّين. لا أتناوَلُ الموضوعَ بِقَدَريّة، بل أودُّ التشديدَ على استحالةِ خلاصِ حتّى أكثر الثوراتِ راديكاليّةً قولاً وممارسةً من تَكَبُّدِ الفشلِ الذريعِ، ما لَم تَتَخَطَّ الخطأَ الجذريَّ الجَسيم، حتّى لو عَمَّرَت خمسةَ آلاف سنة أو أربعةَ قرون. لا يمكننا ألبتّةَ القول أنّ المقاوماتِ الاجتماعيّةَ والثوراتِ لَم تَترُكْ لنا أيَّ إرثٍ يُذكَر. فلولا هذا الميراث، لَما كان سيَكُونَ لحياتنا أيُّ معنى. ولكن، حتّى الأزمةُ المنتَصِبَةُ في الميدان، والتي تُعانيها حداثتُنا الواثقةُ من نفسِها تماماً، برهانٌ كافٍ على بُعدِها عن حلِّ منبعِ القضايا العالقة. أما انتشارُها على فتراتٍ طويلة، فلا يُمكِن أنْ يُفَنِّدَ كونَ الخطأِ خطأً، ولا تَخرُجُ القضايا من كونها قضايا إشكاليّة. وما دامُ الأمرُ مستمرّاً بهذا المنوال، فلا يُمكِن لِخيالاتِ الحياةِ التي تَسُودُها المساواةُ والحرّيّةُ والديمقراطيّة أنْ تتحرّرَ من البقاءِ في دوامةِ اليوتوبيا الخياليّة.
لدى قيامي بمحاسبةِ تاريخ المدنيّةِ والحداثةِ أساساً في مرافعتي، أَكُونُ بذلك قد مَرَرتُ من نقدٍ ذاتيٍّ جذريٍّ من جانب، ومن الجانب الآخر أسعى لِتَقديمِ بَديلي، مهما كان ناقصاً. فالمبدئيّةُ والمِصداقيّةُ تقتضيان ذلك. لكنّ علمَ الاجتماعِ الأوروبيَّ المِحور عاجزٌ عن إبداءِ هذه المبدئيّةِ الراسخة. فمن ناحية سنتحدّثُ عن عصرٍ علميٍّ لا نظيرَ له، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ سنَبقى عاجزين حتّى عن تذليلِ وحشيّةٍ مُفجِعَةٍ كالحرب! في هذه الحالةِ لا تبقى ثمّةَ شرعيّةٌ لانتقادِ العصورِ القديمةِ بسلاحِ العلمويّة. ما ينبغي القيام به هو اللحاقُ بعِلمٍ ذي شرعيّة. وأنا أُقَيِّمُ جهودي ضمن هذا المضمار.