كَذَب العثمانيون وإِن صدقوا

253
إعداد/ عبدالرحمن محمد –

ما تزال كتب التاريخ تحتفظ بالكثير من الحقائق والأدلة على عظمة بعض الشعوب من جهة وكذلك على التاريخ الأسود الحافل بالدم والدمار لشعوب ودول أخرى ولعل تاريخ العثمانيين من أسلاف أردوغان ومن والاه من أشد الصفحات قتامة وسواداً، وأن كانت هناك آلاف الصفحات الملونة بالدم إلا أننا سنحاول إلقاء الضوء على صفحتين منها وهي استباحة نجد عام 1818م. وتهجير أهل المدينة عام1917م.
الحملة الثالثة واستِباحة نجد 1818:
كانت “إمارة الدرعية” هي النواة الأولى لما  يعرف بالسعودية الآن قد تأسست عام1744م. وسط الجزيرة العربية، أسسها محمد بن سعود آل مقرن أمير الدرعية والذي اتخذها عاصمة لدولته، استمرت الدولة السعودية الأولى في التوسع حتى سقوطها  عام 1818 على يد الجيش العثماني بقيادة إبراهيم باشا.
ومنذ عام 1807 استمرت الحرب العثمانية على السعودية، لم يستطع العثمانيون دخول السعودية، رغم أن الحرب عليها بدأت منذ 1807م. لذا أعلنوا مكافأة لمن يساعد في الوصول إليها، ووصل الجيش العثماني إلى العاصمة الدرعية في شهر أيلول 1818م، واستسلم الأمير عبدالله الكبير، لقائد الجيش العثماني إبراهيم باشا، وتم أخذه إلى إسطنبول لتنفيذ حكم الإعدام.
وكلف السلطان العثماني قواته بالقضاء على الدرعية، وفي الحملة الثالثة عليها بقيادة إبراهيم باشا سيطرت على الدرعية ونجد بعد تسعة أشهر من القتال والحصار، ارتكبت خلالها جرائم بشعة في حق الأمراء والعلماء وقادة المجتمع وعامة الناس، ثم عاد إلى مصر مدمِّراً ما في طريقه كل ما قابله من قلاع وحصون، ناهباً المواشي والممتلكات ومخرِّباً للحقول.
وارتكب حسين بك الذي ناب عنه فظائع فيها بعد أن أحرق بعض الأهالي وذبح بعظهم ونفى البعض الآخر، وجاء في بعض الوثائق في السفارة الروسية بالآستانة:  “في الأسبوع الماضي قطعت رؤوس زعيم الوهابيين ووزيره وإمامه الذين أسروا في الدرعية ونقلوا إلى العاصمة مؤخراً. وأمر السلطان في هذا اليوم بعقد المجلس في القصر القديم في العاصمة. وأحضروا إلى القصر، الأسرى الثلاثة مقيدين بسلاسل ثقيلة ومحاطين بجمهور من المتفرجين، وبعد المراسيم أمر السلطان بإعدامهم. قطعت رقبة الزعيم أمام البوابة الرئيسة للقديسة صوفيا، وقُطِعت رقبة الوزير أمام مدخل السراي، وقطعت رقبة الثالث في أحد الأسواق الرئيسة في العاصمة”. وارتُكبت جرائم كثيرة وعمليات تعذيب الأمراء والفقهاء، بعدة وسائل منها: ربط بعضهم في فوهات بالمدافع وإطلاق قذائفها، ورمي الجثث للكلاب.
“السفر برلك” وتهجير أهل المدينة المنورة 1917:
بدأت أحداث السفر برلك عام 1913 عندما قرر العثمانيون الاشتراك في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وأصدر السلطان العثماني محمد رشاد فرماناً يدعو فيه الرجال الذين بلغت أعمارهم بين (15 – 45) سنة للالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية للدفاع عن العثمانيين، وحينها بدأت الويلات على كافة البلاد العربية وعلى المسلمين والمسيحيين من غير العثمانيين.
وفي كتابه “غبار المدن بؤس التاريخ” يقول أدونيس: “بدءاً من الخلافة العثمانية وحتى اليوم مات أسلاف لنا جميعاً، غصباً عنهم مجندين مقيدين، في حروب ليست حروبهم، دفاعاً عن قضايا ليست قضاياهم.. وليس سفر برلك نموذجها الوحيد”، في إشارة إلى ما قاساه العرب من هذا الفرمان العثماني.
وخلال تلك الفترة قام الوالي العثماني فخري باشا، بإلحاق المدينة المنورة بالدولة العثمانية وتهجير أهلها، ثم تتريكها، حتى أنه  لم يبقَ في المدينة إلا 140 رجلاً وعدة نساء. كما عاث العثمانيون فساداً في المدينة المنورة، إذ سلبوا كلّ مدخرات الحجرة النبوية، ناقبين الحائط المدار حول القبر طلباً للجواهر والنقود من هدايا الخلفاء العباسيين وأمراء المسلمين، إضافة إلى صعودهم فوق القبة الخضراء لسرقة الهلال المذهب.
ونهبوا مقتنيات الحجرة النبوية الشريفة الثمينة، من بينها جوهرة الكوكب الدري والبردة النبوية ومصحف عثمان بن عفان، ومحتويات مكتبة عارف حكمت والمحمودية من مخطوطات نادرة، موجودة جميعها حالياً في متحف “توب قابي” في إسطنبول.
كتب الشيخ محمد الطيب الساسي في صحيفة القبلة بتاريخ 1917، عن تنكيل الجنود خلال حكم فخري باشا ويقول: “الأتراك الطورانيين الظالمين صاروا ينكلون بكل بدوي يأتي بشيء من أسباب المعيشة فيسلبونه ما بيده ويحبسونه ويقتلونه”.
وحتى الخط الحديدي الحجازي كانت الغاية الأساسية منه تحويل الحرم النبوي إلى قاعدة عسكرية وهدموا الكثير من الأسوار والبيوت التي وقعت في طريق الخط الحديدي، وتفشت المجاعات والمرض في الأنحاء ويذكر بعض المدونين: “قامت قوات فخري باشا، بجريمة تطهير عرقي ضمن ما عرف بالترحيل الجماعي (سفربرلك) لمن تبقى من أهل المدينة، من خلال اجتثاثهم وإجبارهم على المغادرة عبر قطار الحجاز، وتشتيت العائلات في كل مدينة يقف فيها القطار، حتى تمّ تشتيت أهلها في الأردن والعراق وفلسطين وسورية وتركيا وصولاً إلى بلغاريا وألبانيا وعدة مناطق أخرى في البلقان”.
ويذكر كتّاب ومؤرخون أمثال المؤرخ محمد حسين زيدان إنه تم تفريق العوائل وإرسالها إلى شتى المناطق الخاضعة للاحتلال العثماني، كما تحدث عن الجوع الذي أصاب أهل المدينة رغم أن المستودعات كانت مليئة بالتمر والغذاء.
كذلك يقول الدكتور سعيد بن طولة في كتابه “سفربرلك وجلاء أهل المدينة المنورة إبان الحرب العالمية الأولى 1334- 1337هـ”،  واصفاً حجم المأساة: “التحولات التي صاحبت هذه الحادثة جعلتنا نعدها أعظم المآسي التي مرت بها المدينة المنورة في القرون المتأخرة، لم تكن حادثة سفر برلك منعطفاً سياسياً فحسب، بل كانت مأساة نُقشت في أذهان المدنيين وطبعت في نفوسهم، حتى صارت حديث المجالس بينهم، وجعلوها عنصراً أساسياً تُعزى إليه الأسباب، وحدثاً يؤرخون به أحوالهم، ومأساة يرويها الرجال والنساء في قصة سينمائية عجيبة، ليحكوا لأولادهم قصص الثكالى واليتامى والأُسَر التي تبددت بالرحيل والجوع والوباء والموت”.

المصادر: وكالة هاوار