نبيل بدر: “كل ما يتعلق بالداخل السوري يمكن أن يُحل بالتوافق بين السوريين”

60
قال السفير، ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل بدر: “إن هناك ثمة فرصة مع الانسحاب الأمريكي من سوريا لتحقيق التماسك السوري لكل مكونات الشعب السوري”، معتبراً في الوقت ذاته أن الخطوة الأمريكية تفسح مجالاً لمزيد من الاستثمار الإيراني في المنطقة بالمقام الأول. وأكد السفير نبيل بدر، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن توجهات تركيا فيما يخص المنطقة يثبت في كل يوم أنه يصب في إطار نظرة خاطئة وحنين للماضي في غير محله مثل الخلافة وغيرها، وعنجهية تتصور فيها أن تركيا هي الأكبر والأقوى في المنطقة، وهذا غير صحيح تماماً فالتطورات الجارية تثبت غير ذلك.
واعتبر بدر أن الانسحاب الأمريكي من سوريا والذي أعلنه الرئيس ترامب مؤخراً يفسح مجال لمزيد من الاستثمار الإيراني في المنطقة بالدرجة الأولى، مشدداً على ضرورة أن يكون الاندفاع الوطني السوري الآن يصب في اتجاه إبعاد سوريا عن التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، وبخاصة التركية والإيرانية وهذا ما يجب أن يحدث، وحل الموضوعات في إطار توجه وطني، يدفع إلى الوحدة السورية وحل أي خلافات كشأن داخلي في سوريا. ورأى أن هذا الانسحاب يشكل فرصة لتحقيق تماسك وطني لكل مكونات الشعب السوري خلال هذه الفترة المهمة وأشار السفير بدر، في مقابلة خاصة مع وكالة فرات للأنباء، إلى أن إعادة فتح بعض السفارات العربية في دمشق هو بمثابة تطور دبلوماسي إيجابي مطلوب، متوقعاً أن تشهد الساحة انفراجاً في هذا الاتجاه.
وأكد أن التطورات الدولية والإقليمية كلها تؤشر إلى خطورة ترك الساحة السورية بعيداً عن عمقها العربي الإقليمي الطبيعي، بما لها من دور واقعي وتاريخي في المنطقة، كما أن ترك الساحة السورية على النحو السابق أفسح المجال لتدخلات أضرت بسوريا وبالمنطقة كلها.
وإليكم نص الحوار كاملاً:
ـ حتى هذه اللحظة لا زال العالم يبحث آثار وتداعيات إعلان الرئيس الأمريكي بانسحاب بلاده من سوريا، الذي جاء مفاجئاً في هذا التوقيت، كيف تنظرون إلى هذه الخطوة؟
بلا شك أن الانسحاب الأمريكي في سوريا يفسح المجال لمزيد من الاستثمار الإيراني، وتدخلها في شؤون المنطقة، ومحاولة دعم مواقفها على الأراضي السورية، أو لتعزيز اتصالاته مع جماعات سنية تتعامل مع إيران، معروف عنها التطرف والعنف.
ويمكن النظر لهذا لموضوع، أيضاً، بأنه فرصة مهمة لتحقيق تماسك لكل مكونات الشعب السوري، بمعنى أنه مهما كانت هناك اختلافات أو طموحات لدى جماعات عرقية داخل سوريا نفسها، إلا أنني يمكن أن أقول ـ وقد عملت في سوريا من قبل ـ أن النسيج السوري الوطني كان ما يميز هذه العلاقة، وبالتالي كانت مغايرة في علاقاتها لجوانب متطرفة أو معادية على نحو ما تابعناه في مناطق أخرى، ومن ثم فإن الأسبقية بعد هذا الانسحاب تساوي استعادة الدولة الوطنية السورية لأرضها وحدودها وكيانها الوطني، والسعي من خلال هذه الوحدة لحل أي مشاكل داخلية، والأجواء مهيأة لذلك، والمشاكل الداخلية في سوريا يمكنها أن تحل بالطرق السلمية والسياسية في ظل توافق بين السوريين، ثم النأي بهذه الخلافات عن التدخلات الخارجية ما أمكن.
ـ كيف تقرؤون الدعوة التي وجهتها الإدارة الذاتية في منبج لدخول قوات النظام السوري إلى المدينة بعد التهديدات التركية باجتياحها؟
بجل أن نركز الآن أن يكون الاندفاع الوطني السوري نحو إبعاد سوريا عن التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، وبخاصة التركية والإيرانية وحتى الروسية، وحل الموضوعات في إطار توجه وطني، يدفع إلى الوحدة السورية، وحل أي خلافات كشأن داخل الوطن السوري. وأعتقد أن الخلفية التاريخية والواقعية يمكن أن تتعاون على هذا التوجه الذي يدعمه من جانب آخر تجنب فتح الباب لتدخلات خارجية ليس لها مصلحة لا في تماسك سوريا ولا في الحفاظ على المكونات التي تتداخل في الدولة السورية ومن بينهم الكرد.
ـ قبل أيام تابعنا مسألة عودة السفارة الإماراتية وتجهيزها لممارسة عملها في دمشق، وكذلك حديث عن عودة البحرين، إلى جانب عدد من السفارات العربية، كيف تنظرون إلى هذا التطور في الوضع الراهن؟
أرى ذلك تطوراً إيجابياً مطلوباً، وأتوقع أن نشهد المزيد من هذه الخطوات، وهذا أمر طبيعي؛ لأن التطورات الدولية والإقليمية كلها تؤشر إلى خطورة ترك الساحة السورية بعيداً عن عمقها العربي الإقليمي الطبيعي، بما لها من دور واقعي وتاريخي في المنطقة هذا من ناحية، كما أن ترك الساحة السورية على النحو السابق أفسح المجال لتدخلات أضرت بسوريا وبالمنطقة، وهذا الأمر عمل على زيادة الهوة بين سوريا والدول العربية، ما زادت من خطورة التدخلات الإقليمية والدولية فيها، في ظل التطورات التي حدثت وتجارب الثماني سنوات الماضية، فالموقف يستدعي إعادة التواجد الطبيعي لسوريا ضمن الإطار العربي وعوة العلاقات على نحو سيساعد سوريا والمنطقة في آن واحد، بالطبع يجب أن يكون هناك ضوابط في العلاقات الجديدة.
ـ يرى بعض المتابعين أن التحول الإقليمي والدولي يبدأ من سوريا في هذه الحقبة التاريخية المهمة وأن ما يجري في سوريا سيُعيد تشكيل الخريطة الدولية بشكلها العام؛ فما رأيكم بذلك؟
من المعروف منذ سنوات أن الاستراتيجية الأمريكية كانت تتجه للتركيز على احتمالات الصراع في شرق آسيا، أي في منطقة الصين، ومن ثم التخفيف من التركيز على منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك سوريا بطبيعة الحال، وبالتالي؛ فإن التقدير ليس جديداً تماماً. لكن؛ بالطبع أسلوب تنفيذه من الناحية التكتيكية أمر يخضع للتقدير وفقاً لظروف كل مرحلة ونتائجها، فالمنظور الاستراتيجي كان لا يزال بتوجه الولايات المتحدة وبتبعية الصراع إلى شرق آسيا، ويهمها بطبيعة الحال الاحتفاظ بركائز في الشرق الأوسط، وعلاقات خاصة مع بعض الدول في المنطقة، طبعا إسرائيل في المقام الأول، وهناك حلفاء للولايات المتحدة ومن أبرزهم دول الخليج، وهي تدخل في المنطقة ضمن هذا المنظور على كل حال.
ـ ما نرى أن استراتيجية الولايات المتحدة بالنسبة للشرق الأوسط أيضاً تغيّرت فلم يصبح بترول المنطقة من أولوياتها كما في السابق؟
هذا أحد العناصر بالطبع، إنما لا ننسى أن الولايات المتحدة تعتبر أن مسؤوليتها تمتد لمساعدة أصدقائها ونقصد هنا غرب أوروبا، وأمريكا لها مصالح في الشرق الأوسط لا بد وأن تأخذها بعين الاعتبار، وفي الدرجة الأولى كما قلنا إسرائيل ومن ثم الحفاظ على أمن حلفائها.
ـ هناك توجه أمريكي مغاير لوضع الولايات المتحدة في سياق العولمة، والمتمثل في العودة إلى فكرة الدولة القومية التي أعلنها ترامب عندما قال أمريكا أولاً؟
هو توجه خاص بالرئيس الأمريكي. لكن؛ في حقيقة الأمر تطبيق هذه الرؤية نفسها لا يمكن أن تبتعد دولة في وضع الولايات المتحدة كدولة أولى عسكرياً والأقوى اقتصادياً والأكثر امتداداً، وربما مسؤولة عن التعامل ووضع مقتضيات المناطق الأخرى، وبمعنى آخر هي صيحة تمثل رد فعل لقطاعات معينة من الشعب الأمريكي، أما في مجال التطبيق؛ فهذا أمر يخضع لمزيد من التقييم الواقعي ومدى تحقيق المصالح من خلالها.
ـ ماذا أيضاً عن روسيا والتي مثلت سوريا ساحة هامة لعودتها لممارسة دور إقليمي ودولي وللخروج من الموقف الغربي الذي فُرِض عليها بعد أزمة القرم ومنافسة الولايات المتحدة على قيادة العالم؟
روسيا طبعاً لها علاقات قوية مع سوريا تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، مثلا تم الاتفاق على طرطوس بإنشاء قاعدة لها فيها قبل الحرب السورية الأخيرة، فقاعدة هذه العلاقات قائمة منذ زمن، أما التطورات القائمة في المنطقة، وليست سوريا وحدها، فهي في مجملها أفسحت المجال بالتأكيد لتحرك روسي أكثر شمل المنطقة، خاصة مع كثير من التجاوزات والأخطاء وغض الطرف عن الكثير من الأمور في السياسة الأمريكية بإدارة علاقاتها بملفات حيوية في المنطقة، وهو الأمر الواقع حتى الآن، وأمريكا قادرة على إدارة جميع الملفات العالقة وحلها إذا ما توافقت مع مصالحها.
ـ ماذا أيضاً عن تركيا وتدخّلها في سوريا واحتلالها للأرض في عفرين وغيرها، وتلويحها بمزيد من التحرك العسكري على الأرض في شمال سوريا؟
التوجّه التركي تجاه المنطقة ككل هو توجه غير سليم، وبالتأكيد يثبت في كل يوم أنه توجه لا يستهدف في حقيقة الأمر إلا مصلحته من وجهة نظر ضيقة وليس إقامة علاقات قوية ومتطورة مع المنطقة العربية، تدخلاته في سوريا، احتلاله للشمال السوري، ولجزء من العراق، تدخلاته في دعم المليشيات المسلحة في ليبيا وتقديم الدعم لهم، محاولاً سعيه لمناطق أخرى. استخدامه للإخوان المسلمين، ليس حباً فيهم وإنما كأحد أدوات تصور أنها تحدث تأثيراً معيناً، وهذه أمور كلها واضحة، وهناك نظرة تركية تجمع بين نظرة خاطئة وحنين للماضي في غير محله (الخلافة وغيرها)، وعنجهية تتصور فيها أن تركيا هي الأكبر والأقوى وهذا غير صحيح تماماً، فالتطورات الجارية تثبت غير ذلك. وبلا شك؛ فإن الخط البياني التركي محل نظر، الموضوع الكردي لم يعالج وكان الأولى بهم معالجته، ومن ثم فتركيا لا شك في وضع تتناقض فيه مع توجهات تم كشفها وتعريتها من الجانب الأكبر من الشعوب العربية.
ـ أخيراً ماذا عن الدور المصري حول الوضع الراهن في سوريا؟
موقف مصر من الوضع في سوريا يتأسس على الحفاظ على الدولة الوطنية في سوريا والمحافظة عليها ودعمها، والمساهمة في إيجاد مخرج واقعي لحل الأزمة في سوريا. إن الخلافات السورية الداخلية يجب أن تُترك للسوريين، وضرورة عدم التدخل فيها واستثمارها على النحو الذي لجأت إليه الأطراف الإقليمية وفي مقدمتها تركيا وإيران، وهذا الموقف في تقديري معروف لدى الشعب السوري، ولدى الحكومة السورية أيضا. لذا؛ فأعتقد أن مستقبل العلاقات بين الدولتين والشعبين ينبئ بكثير من الإيجابية في المرحلة القادمة، وبخاصة أن مصر تحاول المساهمة في عدم الانجرار إلى المزيد من الفوضى، وإعادة الأراضي السورية المحتلة إلى حضنها.