العثمانيّة الجديدة والزعامة الإسلاميّة

175
تحقيق/ رامان آزاد –

تتعدّى العثمانيّةُ كونها مرحلةً سابقةً في تاريخ تركيا لتكونَ جزءاً مهماً من تاريخِ منطقة الشرق الأوسط، ذلك لأنّها شكّلت إمبراطورية واسعة امتدت على ثلاثِ قاراتِ لتحتلها نحو أربعة قرون. وإذا كان التقييم العام لهذه المرحلة هو الاحتلال والاستعمار، فإنّ تبنّي حكومة أنقرة مشروع إحياء الدولة العثمانيّة، يعني إعلانَ الحربِ على المنطقةِ والرغبةِ بالتوسّعِ وهو مضمون مشروع العثمانيّة الجديدة التي تزاوج ما العلمانيّة والدين.
استحضارٌ لمصطلحات العثمانيّة
دأب المسؤولون الأتراك على استخدامِ عباراتٍ ومصطلحاتٍ تحملُ في دلالاتها البعيدةِ معنى العثمانيّة، بالترويجِ لمصطلحاتٍ تشملُ أقاليمَ جغرافيّةً واسعةً تقع ضمن سيادة دول أخرى، ليتضح تطلع تركيا لما وراء حدودها، عبر سياسةٍ ملتويةٍ واستغلال ظروف المنطقة والإسهامِ بتأجيجِ الصراعِ فيها.
كان الإسلامُ عنوانَ الدولةِ العثمانيّة. ولكن؛ تركيا بقيت ملتزمة به شعاراً لها، ليكونَ مبررَ تجاوزِ سياستها ومواقفها إطار جغرافيتها السياسيّةِ وتدخّلها المبطن في المسائل الإسلاميّة، فقد دعا الرئيس التركيّ سليمان ديميريل لمنحِ مسلمي ألبان كوسوفو حقوقهم المغتصبة كاملة، وكان أكثر الشخصيات المؤثرة والمعزّزة لمفهوم أوراسيا (تمتد من البحر الأدرياتيكيّ إلى سور الصين العظيم) ووصفها “بمنطقةٍ مأهولةٍ بكثافةٍ سكانيّةٍ من أصلٍ تركيّ”. وسرعان ما أصبحت جملته مألوفة لدى السياسيين بمن فيهم الرئيس تورغوت أوزال فخرج بردِّ فعلٍ جريءٍ ضد الموقفِ الحذر والانعزاليّ التقليديّ للسياسة الخارجيّة الكماليّة، وادّعى بأنّ القرن الحادي والعشرين سيكون “قرن الأتراك” للتعبير عن الفرح باستقلالِ جمهوريات آسيا والقوقاز عن الاتحاد السوفييتيّ. وكان أوزال سبّاقاً للاعتزاز بالتاريخ العثمانيّ، ولوحظ تأثير النزعة العثمانيّةِ الجديدةِ عليه في خطاباته بالسياسة الداخليّة والخارجيّة والتي تصاعدت ما بين عامي 1987-1993.
لم يظهرِ الإسلام السياسيّ في برنامجِ السياسةِ الخارجيّة التركيّة كمفردةٍ مباشرةٍ خارج الحدودِ والمفاهيمِ التي شكّلت النظرية السياسيّة إلا أنّه شكّل خلفيّة المشهدِ السياسيّ العام والدوافعِ الضمنيّة والعوامل الثقافيّة المؤثرة بصياغةِ السياسةِ الخارجيّةِ فاتجهت تدريجيّاً إلى تبنّي عناوين إعلاميّة وسياسيّة لمشكلاتِ المنطقةِ (بالعراق وفلسطين) وقضايا العالم الإسلاميّ كالبوسنةِ وكوسوفو وأفغانستان والقفقاس وحتى الأيغور بالصين ومسلمي الروهينغا في بورما، حيث يمثّلُ اهتمامُ تركيا بتلك المناطق ميلاً للاستجابة الأوليّة لمزاجِ الرأي العام والكتلة الناخبة ذاتِ التوجّه الإسلاميّ.
دخلت تركيا مرحلةً جديدةً بمقاربةِ الشأنِ الفلسطينيّ واتخذت مواقف مؤثرة في العلاقةِ مع العربِ وكسبِ مواقف مؤيدة وظهرت على أنّها تضطلعُ بدورٍ مهم بقيادة العالم الإسلاميّ. ولكنها؛ في الوقت الذي أدانت فيه السياسة الإسرائيليّة احتفظت بعلاقات دبلوماسيّة وتجاريّة معها، وطالبت حركة حماس بالتحوّل لحزب سياسيّ والتخلّي عن السلاح.
خطواتٌ عمليّةٌ لإحياءِ ميراثِ العثمانيّة
رغم مرور قرن على انهيار الإمبراطورية العثمانيّة، لازال الرئيس التركيّ أردوغان ومؤيدوه يعتقدون أنّ بإمكانهم استعادة مجدِ الإمبراطورية السابق. ويقول أردوغان: “نحن لا نحبُّ أن نذكرَ أنّنا شعب قد انقطع عن جذوره نحن شعبٌ حافظ على قيمه”، ويبدو ذلك صحيحاً، ويتجلى لدى النخبِ السياسيّة والحكومات خلال العقود الماضية مع اختلاف نسبيّ بين العلمانويّ والإسلامويّ الحداثويّ والمحافظ، ليفسرَ ذلك طبيعةَ التجاذبِ والتنافسِ، بل الصراعِ بشأنِ مبدأ المواطنةِ والحقوق الثقافيّة والسياسيّة والإثنيّة للمكوّنات الاجتماعيّة في تركيا ما بعد الحداثةِ وتركيا ما بعد الإسلام السياسيّ.
ويُلاحظ حضورُ الرموز العثمانيّة في الحياة اليوميّة. إذ؛ تتزين الشوارع ومختلف الأنحاء بالرموز والشعارات  وأختام الإمبراطوريّة للسلاطين العثمانيين والاحتفاء بهم واستذكارهم بإطلاق أسمائهم على المشاريع العملاقة.
يقود أردوغان البلاد منذ 2002 ومع التعديلات الدستوريّة الأخيرة والانتقال للنظام الرئاسيّ أضحى الحاكم المطلق، وهو المسؤول الأول عن تثبيت فكرة إعادة الإمبراطوريّة العثمانيّة بالمخيلة الجمعيّة التركيّة، وندرك أنّ الدولة العثمانيّة كانت تمثلُ الثقلَ الإسلاميّ في عصرها، وكان السلاطين خلفاء العالم الإسلاميّ، وهذا أمرٌ حاضرٌ في الذهنيّة العامة وبخاصة الحاضنة الشعبيّة لحزب العدالة والتنمية. وقد أعلن رئيس جناح الشباب بحزب العدالة والتنمية أنّ أردوغان “رئيسٌ للمسلمين في كلّ العالم”. فيما اعتبر يوسف القرضاويّ، رجل الدين البارز المرتبط بالإخوان المسلمين، الرئيسَ التركيّ “أملَ المسلمين والإسلام”.
ويفسرُ أردوغان اهتمامَ تركيا بالجوارِ الجغرافي السياسيّ وبخاصة العربيّ والإسلاميّ انطلاقاً من نظرية الإيمانِ والواجب ويردُّ على احتمالِ حساسيّة بعض الدول من الدور التركيّ بالمنطقة بالقول: “نحن نقومُ بهذه الخطواتِ كدولة تعدادها قرابة 73 مليون نسمة و99% من شعبها مسلمون، نحن نعتقد أنّ مثل هذه الخطوات التي نقومُ في مضمار سياستنا الخارجيّة إنّما هي وظيفة ترتبت على كواهلنا نتيجة إيماننا، في الحقيقة هناك أمرٌ أريد التأكيد عليه بهذا الصدد وهو إنَّ الأعمالَ التي نقومُ بها في  إطار السياسة الخارجيّة هي إذا كان هناك ظلمٌ يحيقُ بأحدٍ أو تتعرّضُ له دولةٌ من هذه الدول ألا نقف متفرجين على هذا الظلم. والصورُ والأوصافُ أو التهمُ التي تُطلقُ على تركيا على أنّها ترغبُ بالقيام بدورٍ قياديّ أو ما شابه ذلك هذه أوصافٌ لا نرغب بها ولا نحبها أو نرفضها”.
يؤكّد كلامُ أردوغان ما يُعتبرُ مرجعيّةً أو نظاماً قيميّاً إرشاديّاً للسياسة التركيّة، وليس مجرّد لغة الخطاب السياسيّ، ويبدو الإسلامُ السياسيّ ملتبساً بالسياسةِ التركيّةِ، فهو يتبنّى توجّهين متناقضين بين السياسة الخارجيّة والسياسةِ الداخليّة، كما يختلفُ التوظيف والاستثمار وفقاً لاختلافِ برنامج السياسة والظروف التي تحكمها. وبهذا؛ فإنّ استراتيجيات الاحتواءِ التي تتبعها تركيا تجاه مختلف الداخليّة والخارجيّة لا ترتبط بالدولة فقط وإنّما بتحالفاتها الخارجيّة.
انقلابٌ على الأتاتوركيّة
15 تموز 2016 كان تاريخاً مفصليّاً بالحياة السياسيّة التركيّة، وهو تاريخ محاولة الانقلاب الفاشلة على حكومة أردوغان. ولهذا؛ خرج ليقول مزهواً: “تركيا لم تعد مثلما كانت في الماضي”، ويقصدُ بذلك عدم إمكانيّة تدخلِ الجيش بالشأن السياسيّ، فقد فشلت المؤسسة العسكريّة في حركتها ضد الحكومة، وعلى النقيض من ذلك منح الانقلاب فرصة لأردوغان للقضاء على دورِ الجيش بإحداث التغييرات البنيويّة فيه ويحوّله لأداة طيعة لسياسته، ولعله خطط طويلاً للوصول لهذه النتيجة، وبذلك فقد أُصيبت التقاليد الأتاتوركيّة في مقتلها وانتهت الدولة الكماليّة.
يذكر أنّه في بداية عام 2015 طرحت مجلة إيكونوميست البريطانيّة سؤالاً مهما: “ما الذى بقى من إرث أتاتورك؟” وذلك بملاحظة حلم أردوغان بدولةِ تركيا تهيمن فيها الغالبيّة السنيّة، ووسيلةً لإحياء الإمبراطورية العثمانيّة.
الكثير من سلوكيات أردوغان يثبتُ الانقلابَ على الميراثِ الأتاتوركيّ ومنها بناء القصر الأبيض مكان مزرعة أتاتورك قرب أنقرة، ويضم القصر 1150 غرفة، بكلفة 615 مليون دولار، والأمر بتعليم اللغة العثمانيّة القديمة وإعادة الكتابة بالأحرف التي استبدلها أتاتورك عام 1928 بأخرى رومانية إجبارياً بالمدارس الدينيّة، التي تضاعف عددها أربع مرات منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.
نجا أردوغان من محاولة انقلاب وُصفت بالمغامرة لجهة عدم الإعداد الجيد لها ومحدوديّة العناصر المشاركة فيها بمساعدة جهاز الاستخبارات والشرطة التركيّة الموالين له شخصيّاً، والذين مُنحوا صلاحياتٍ واسعةٍ بمخالفةِ للدستور التركيّ، وكان الاتهام الجاهز للمعارضين كالعادة هو الإرهاب.
طموحاتٌ في سوريا والعراق
أثّرتِ الطموحاتُ الجامحة لأردوغان بوضوحٍ على سياسةِ تركيا الشرق أوسطيّة. فبعد بدءِ الأزمة السوريّة، سعت أنقرة لاستبدالِ النظام السياسيّ عبر حلفاء إسلاميين. ورعت مجموعاتٍ مسلحةً لتنوبَ عنها في سوريا سُميت بأسماء سلاطين عثمانيين، (السلطان مراد، السلطان محمد الفاتح وسليمان شاه) ليكون ذلك دليل حجم التدخل التركيّ في سوريا، وأن لا نصيب للسوريين ظلّ باقياً في شعارات الثورة المزعومة.
سوريا مثالٌ أكثر وضوحاً على الفجوة بين طموحات أنقرة وبين قدرتها على التعامل مع وقائع الشرق الأوسط. فقد حوّلت الصراع في سوريا عن أهدافه الأساسيّة وجعلته خدمة لأجندتها، وأسبغت عليه التوصيف المذهبيّ لتضرب عميقاً في طبيعة العلاقات بين السوريين وتعمّق الشرخ بين السوريين. وصنعت أنقرة نموذجاً من المقاتلين على شاكلة الجيش الانكشاريّ، يدينون بالولاء والطاعة لها. ولم يكن بإمكان روسيا أن تنجز المصالحات وتقيم مناطق خفض التوتر إلا عبر أنقرة، إلا أنّ المنطق العثمانيّ فشل في استيعاب المتغيرات بالمنطقة فهو مأسور في أحادية الرؤية ولا همَّ إلا استهداف الكرد السوريين وضمن سياق هذه السياسة كان تدخل تركيا المباشر والعدوان واحتلال مناطق (جرابلس والباب وعفرين).
وعبّر أردوغان مراراً عن أسفه والغبن من اتفاقية لوزان التي أسقطتِ الموصل من الخريطة عند تأسيس الجمهورية التركيّة عام 1923. وكانت الموصل مركزاً رئيسيّاً بالعهد العثمانيّ. ولكن؛ الواقع على الأرض لا ينسجم مع رؤية أردوغان، ولا يُعتقد أنّه بالإمكانِ استعادةُ هيبةِ وجغرافيا الإمبراطورية العثمانيّة في عالَم القرن الحادي والعشرين.
تحتفظ تركيا بقواعد عسكريّة شمال العراق، منذ النصف الثاني من التسعينيات، بحجة أمنيّة ضد حزب العمال الكردستانيّ. وتحسباً لنهاية مرتزقة “داعش”، أقامت القوات التركيّة قاعدة قرب الموصل. ويقول مؤيدو حزب العدالة والتنمية المتحمسون يجب أن يُدار شمال العراق بمرحلة ما بعد دحر مرتزقة “داعش” السنّة من العربُ والكرد والتركمان ممن تدعمهم تركيا وليس حكومة بغداد التي يهيمن عليها الشيعة.
هناك مبالغة بتقدير نفوذ تركيا بين السنة العراقيين، فالتقارير تفيد بأنّ نسبة كبيرة من العرب السنة يؤيدون مرتزقة “داعش”، وموالو تركيا من العرب السنة بالعراق ضعفاء جداً، وعددهم مجرّد بضعة آلاف ليسوا نداً للجهاديين، كما أنّ حكومة بغداد، بعيداً لا ترى أردوغان زعيماً لكلِّ المسلمين، وتعتبر الجيشَ التركيّ قوة احتلال وأنّ العثمانيّ ولى في غياهب التاريخ.
الانفتاح على روسيا والآفاق البعيدة
ويأتي التعاون الروسيّ ـ التركيّ في جوانبه البعيدة إلى مزيد من التنسيق وتوسيع الإطار الجغرافيّ، وكان لافتاً منذ عامين لقاءاتُ ألكسندر دوغين، أحد أهم منظري الكرملين والمؤيدين الرئيسيين لفكرة “اليوروآسيويّة” بمسؤولي حزب العدالة والتنمية، ليكون ذلك دليل حجم التوافق والتشابه بين روسيا وتركيا، من حيث الازدواجيّة والتناقض مع الغرب. والرغبة التي تجمع بينهما بإنشاء تحالفٍ “يوروآسيويّ” مناهضٍ للغرب، وهذا ما ينسجم مع اعتقاد أردوغان بأنّ قدر تركيا التاريخيّ هو أن تُعلي من شأن عالمٍ مسلمٍ يتطاولُ عليه الغرب.
رغم ذلك سيبقى التعاون التركيّ – الروسيّ الحالي هشاً، فتركيا اليوم من أكبر حواضن الإرهاب ورعاته على اختلاف مسمياتهم وهي عراب التفاوض باسمهم، وما التنازلات التي قدمتها مؤخراً لها نتيجة يقين بأنّ ثمة توافقاً روسيّاً أمريكيّاً قد أُنجز حول بقاء النظام السياسيّ في سوريا. ولذلك؛ تستدرك للانعطاف إلا أنّها تحتفظ بهدف محاربة الكرد، وتلك مشكلة الحكومات التركيّة المتعاقبة هاجس الخوف والمسألة الأمنيّة وفوبيا الكرد، والجمع بينها لتشكّل العقدة لا فكاك لها إلا بتبني نظام ديمقراطيّ، ولتبقى العلاقة الروسيّة محكومة بالضرورة وتكون أقوى في جانبها الاقتصاديّ من السياسيّ.
من المؤكد لا يمكن تركيا استعادة أدوار الحقبة العثمانيّة في الشرق الأوسط عبر الترويج لفكر الإسلام السياسيّ، كما لا يمكنها احتمال كلفة التحالف مع الأنظمة الاستبدادية والقوية، وتحافظ على علاقات اقتصاديّة وتجاريّة  متينة مع الاتحاد الأوروبي، ولن يتمكن اقتصادها من الصمود في ظل سياسة تقودُ للحروب ويستمر الاستثمار الأوروبي، ولعل مؤشرات ضعف الاقتصاد التركيّ اتضحت في مراحل متعاقبة كالتي أعقبت محاولة الانقلاب إذ ترنح بقوة وخسرت الليرة التركية نحو 20% من قيمة صرفها، ومع حالة الطوارئ والاعتقالات هربت كثير من رؤوس الأموال التي كانت تستثمر خارج البلاد، بالإضافة إلى الحجم الكبير للديون الخارجيّة قصيرة الأجل، وإمكانية تأثرها بالمقاطعة والعقوبات الخارجيّة.
تركيا تمرُّ بأصعب فتراتها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية العثمانيّة. ومن غير الممكن بقاء الشعب التركي غافلاً إلى الأبد وتنويمه بأوهام الانبعاث العثمانيّ. وقد لا يطول الزمن على الحراك السياسيّ والشعبيّ المعارض.