هاني غنيم: “دولة الاحتلال التركي تسعى دائماً لفرض أجنداتها على الساحة السورية”

67
قال الجنرال المصري المتقاعد اللواء أركان حرب هاني غنيم، أن تحركاً عربياً تقوده مصر والإمارات والسعودية في سوريا، بإمكانه الوقوف في وجه الاطماع التركية في المنطقة، بعد قرار الانسحاب الامريكي مُحذراً دعم أنقرة للتنظيمات والفصائل الإرهابية منذ بداية الحراك في سوريا.
وأكد اللواء هاني غنيم، رئيس المركز المصري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية، أن إعلان تباطؤ الانسحاب الأمريكي يعني تراجع عن فكرة الانسحاب، مشدداً في حواره لوكالة فرات للأنباء، على أن المشروع التركي في سوريا يهدف للقضاء على الكرد والوقوف ضدهم، لافتا إلى أن مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى تتحرك حالياً لمواجهة حالة الفوضى ودعم الاستقرار في سوريا والتصدي للأطماع التركية.
 فإلى نص الحوار:
ـ ما تقييمكم للمشهد الإقليمي في الوقت الراهن وبخاصة فيما يتعلق بإعلان “الانسحاب الامريكي” من سوريا؟
دعنا نتكلم في البداية عما سُمي بالانسحاب الأمريكي من سوريا، وحقيقة الشراكة الأمريكية مع الكرد في شمال سوريا، كان هدفه الأساسي هو القضاء على داعش، وكانت هذه هي نقطة الالتقاء أو الذريعة، وأمريكا وجدت في الكرد شريك قوي لمحاربة داعش. وخلال السنوات الأربع الماضية، كانت هذه الشراكة موجودة. ولكن؛ ما كان يثير استفهامنا هو وجود أكثر من 2000 جندي أمريكي بشكل ثابت في شمال سوريا، ومستقبل هذا الوجود، فهذا الوجود كان على الاقل يتسبب في خلل لمرتزقة داعش، ووجود التوازن بين كل القوى المتصارعة في سوريا أو عدم وجوده؛ كان في كل الأحوال يعتمد على الوجود الأمريكي والروسي، والشراكة الأمريكية مع الكرد كانت جزء من التوازنات الأمريكية في سوريا، ولا اعتقد أن الأمريكيين كانوا حلفاء حقيقيين للكرد، بل كانت شراكة، ولا أعتقد أن الأمريكان حلفاء لأحد سوى أنفسهم، وهم بالنهاية لهم مصالح في المنطقة مهما طال الزمن سيخرجون يوماً ما، فهي تستخدم صلاحيات غير متوازنة في علاقاتها مع اي حليف. ولذا؛ لا اعتقد أنه كان تحالفاً بالمعني الحقيقي، فهو كان شراكة من أجل أهداف محددة.
والتواجد الروسي الذي تراجع في الشرق الأوسط منذ التدخل الأمريكي في العراق، كان قد جاء وقته المناسب عبر البوابة السورية، الحضور الروسي حالياً في الأزمة السورية محاولة للتواجد بشكل “مقبول” إلى جانب المنطقة كحليف في مكافحة الإرهاب، واعتقد أن هذا تطابق إلى حد ما مع رؤية مصر التي كانت دائما تحذر من عواقب الصراع الداخلي في سوريا، ومصر كانت دائما تساند الشعب والوطن السوري، وكانت على الحياد من قرارات النظام السوري تماما، لصالح الشعب السوري، وكانت سوريا دائما على رأس قائمة أية مباحثات بين مصر وأي دولة سواء روسيا او الولايات المتحدة، كما رأينا ذلك خلال الاتصال الاخير بين الرئيسين السيسي وترامب، وهذا كان معلناً دائما.
ـ هل تعتقد أن الانسحاب الأمريكي كان مفاجئاً، وهل بالفعل القرار اُتخِذ بعد مفاوضات مع تركيا أم مع آخرين؟
الانسحاب الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي بشكل مفاجئ وعبر رسالة على تويتر لم يكن انسحابا مفاجئاً، فهو سبق أن أعلن نيته في ذلك، ولم يعلن قراره إلا بعدما وصل لطاولة مفاوضات حقيقية مع روسيا، فأنتفى سبب حضوره في سوريا، وعندما وجد ان نتائج المفاوضات لم تتم بالصورة الإيجابية من وجهة نظره، لم يعلن تراجعه ولكن أعلن التباطؤ في هذا الانسحاب، وهذا التباطؤ اعتقد انه تراجع حقيقي عن فكرة الانسحاب، أو كان إظهار للعالم أن التلويح بفكرة الانسحاب، هي قرار في يده وهو يقدر متى يبقى ومتى يغادر، ويمكن استخدامها في أي وقت لإحداث خلل في المنطقة، فالانسحاب هو ورقة ضغط، وورقة الضغط الأخرى هي داعش. واليوم سوريا في مأزق حقيقي؛ لأننا إذا تابعنا المشهد في الشهور الماضية، كان هناك مفاوضات جادة واتفاق لكل الاطراف نحو استقرار سوريا، ولكن بدأت أوراق الضغط الأمريكية تظهر؛ لأنها لا تريد تسوية الأوضاع بهذه الصورة النهائية. لا أرى أن الانسحاب الأمريكي سيحدث وهو لم يكن سوى “فرقعة إعلامية”، وما هي إلا محاولة لتهديد الاطراف كافة بأنه بانسحاب الولايات المتحدة لن يكون هناك استقرار في المنطقة، واعتقد ان السرعة في إعلان التباطؤ يكشف أن القرار فعلاً كان مناورة، وهذا ما يفهم من التصريحات الأمريكية بعد قرار الانسحاب. أما فكرة التفاوض الأمريكي ـ التركي فهي محاولة أخرى للضغط على منطقة الشرق الأوسط، وتؤدي لعدم الاستقرار، وللولايات المتحدة مصالح في هذا، واذا تحدثنا عن فكرة ان سوريا في مرحلة التسوية، فهذا بالتأكيد صحيح وحقيقي، وتم التوصل لأهداف متقدمة في المفاوضات، وأهمها الاتفاق على عدم تفكيك سوريا ووحدة أراضيها، وتحقيق أهداف تركيا بالقضاء على الكرد، فما فعلته أنقرة من دعم الفصائل أو ما كانت تسميه دعما لثورة الشعب السوري، لم يكن سوى محاولة للقضاء على الكرد، وتشتيت سوريا، فالحرب التي تزعمتها تركيا للقضاء على الكرد وأي وحدة أو قوى سياسية تقف أمام أطماعها، كانت واضحة تماماً، وتركيا استخدمت الشعب السوري للأسف والتنظيميات السياسية وداعش في تحقيق هدفها، وأصبح واضح تماماً التوجه التركي في محاولة فرض إرادته وقوته على سوريا.
ـ ما هي آفاق الاستقرار في سوريا في ظلِّ الأوضاع الراهنة ومواجهة تهديدات أردوغان؟
بشائر الاستقرار السوري ظهرت منذ شهور، وليس منذ قرار الانسحاب، مع الوصول لصيغ للتفاهم مع الحكومة السورية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ولا اقول مع الوصول لحكم ذاتي للكرد فقط، ولكن مع وجود مؤشرات على الاتجاه لإيجاد شراكة حقيقية في حكم سوريا والتفاهم مع الكرد، وإعلان دمشق حق الكرد في إدارة شؤونهم وشؤون البلاد وتواجدهم في مشهد الدولة السورية وحكم الدولة السورية، هذا تم إعلانه قبل قرار الانسحاب، وحدثت مفاوضات من خلال ذهاب ووفود إلى دمشق وهكذا، وهذا يشير للجانب المشرق مما يجري، وقرار الانسحاب لم يؤثر على الوضع في سوريا سواء بالإيجاب او السلب، بل ربما له تأثير إيجابي من زاوية التحرك لمواجهة التهديدات التركية، وخروج جميع القوى الأخرى من المشهد في سوريا بما فيهم المحتل التركي.
ـ هل يقلل الانسحاب ثم التراجع من مصداقية الدور الأمريكي في المنطقة؟
من وجهة نظر القيادة الأمريكية وتحديداً قيادة ترامب للولايات المتحدة، بأنهم حققوا أهدافهم، فهو ينفذ ما سبق أن تحدث عنه، هكذا هو يرى الأمور منذ أن أعلن عن برنامجه الانتخابي وكان العالم يستهزأ به. ولكن؛ بعد نجاحه في تحسين الوضع الاقتصادي الامريكي بات له مصداقية في المجتمع الامريكي؛ لأن كل ما تحدث عنه نفذه ولم يخلف بوعوده للأمريكيين. وليس مهماً أن نتحدث بأن أمريكا حليف أم لا، لأنها ليست حليف سوى للولايات المتحدة ذاتها، وعلينا الاعتراف بذلك والعمل على معطياته، فلا مشكلة لدي في التعامل مع حليف يخدم مصالحه، وأنا أيضاً يجب أن يكون لدي مصالح أفكر بها.
ـ كيف ترى آفاق الوقوف العربي بوجه التهديدات التركية في ظل الانفتاح المتنامي على الحالة السورية في الوقت الراهن؟
ما يحدث الأن يجب قد يكون دق ناقوس الخطر وإنذار لتركيا، فالدول العربية حالياً أعلنت خطوات واضحة تجاه سوريا، ومن بينها قرارات إعادة فتح السفارات واستعادة الحضور العربي في المشهد السوري، وما قادته مصر والامارات والسعودية، هذا المثلث، في محاولة لمّ الشمل العربي واستجماع القوة العربية، ووجود قوة حقيقية في المنطقة لصد محاولات اختراق المنطقة العربية من جانب القوى الإقليمية، وهذه التحركات دائماً ما كانت شغل تركيا الشاغل في المنطقة، وتعتبره تهديداً لأطماعها، ويعرقل محاولاتها للعبث بالأطراف العربية، وأعتقد أن بقية الاطراف العربية قرأت المشهد، بطريقة سليمة، وأصبحت طاولة المباحثات مفتوحة بينهم، ومعظم الدول العربية عرفت كيف تفكر الدول الإقليمية إلا قطر، التي ركبت موجة الدولة التركية، أما البقية ذهبت لمزيد من التضامن من أجل مواجهة التهديدات الإقليمية وتعزيز الوحدة التي أدى غيابها لما نحن فيه في هذه الأوقات.
ـ كيف تُترجم التفاهمات العربية تلك في سوريا؟
أعتقد أن إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق وغيرها من التحركات المنسقة في هذا الصدد، هي مجرد إشارة لتحركات أكثر تأثيراً، وهذا يعتبر عودة لأصل العلاقات بين تلك الدول، ومصر والإمارات والسعودية يتحركون في استعادة جوهر التضامن العربي المفقود، والآن الإمارات استعادت سفارتها، ومصر تدرس ذلك وهناك عدد آخر من الدول العربية في طريقها لذلك، وهذا نِتاج اتحاد في المصالح المشتركة وفهم حقيقي للتهديدات القائمة وبخاصة من الدول الإقليمية، وأن المنطقة العربية كلها جزء لا يتجزأ من بعضه البعض، وهذا اعتراف بضرورة استقرار سوريا لدعم استقرار المنطقة؛ لأن الصراع الأكبر في هذه المرحلة بعموم المنطقة يدور في سوريا وعلى الأرض السورية.