التحديات وإستراتيجية الحل!

73
فوزة يوسف –

عقب قرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب السريع من سوريا، تم تداول الكثير من السينياريوهات حول تداعيات هذا القرار، ويبدو أن هذه السيناريوهات ستزداد وتكثر تبعاً لتغريدات ترامب اليومية المتغيرة والمتناقضة. ولأن هذه التغريدات منصبة بالدرجة الأولى على مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، سيبقى موقفنا هو من يحدد يقينا أي السيناريوهات ستجد طريقها إلينا.
لطالما كانت لدينا إستراتيجية حل خاصة بنا، قبل مجيء التحالف الدولي وبعده، على الرغم من كل مآلات الحرب السورية وعلى الرغم من كل الاتهامات التي وجهت إلينا بقيت إستراتيجيتنا للحل كما هي لم تتغير، وهو تطوير الحل الديمقراطي ضمن سوريا.
كما كانت إستراتيجيتنا في عام 2011 بقيت كما هي في عام 2014 وسيبقى الأمر ذاته في عام 2019م، الإستراتيجية نفسها كانت دوما حاضرة، ليست في سبيل إرضاء أحد أو مغازلة أي جهة كانت، سورية أو غير سورية، إنما لإيمان راسخ لدينا في أن الحل الأمثل لأزمة هذه البلاد هو نظام ديمقراطي يشمل كل سوريا يضمن حقوقنا ككرد كما يضمن حقوق كل المكونات الإثنية والدينية الأخرى.
في أول اجتماع بقاعدة حميميم؛ كان هذا الطرح حاضرا وكانت حينها معركة منبج ما زالت على أشدها ولم تكن المناطق الاخرى قد تحررت بعد وفي كل فرصة لاحقة قمنا بالتأكيد على هذا الأمر.
كنا أول جهة عقدت منتدى للحوار الوطني في سوريا؛ كان ذلك في مدينة رميلان عام 2016 وتم دعوة المعارضة الداخلية وباقي الاطراف السورية لمناقشة قضايانا فيما بيننا. وهذا يستدعي القول إننا لم نقدم على ذلك؛ بسبب احتلال عفرين أو بسبب التهديدات التركية لباقي المناطق الأخرى والانسحاب الأمريكي كما يروج له البعض.
نؤمن بأن الكرد والعرب والسريان وكل المكونات الأخرى تجمعهم روابط تاريخية وثيقة ولديهم الكثير ليجتمعوا عليه بدلاً من قتلهم بعضهم البعض وإنكار هوية بعضهم البعض، فخيار العيش المشترك والوطن المشترك الذي ليس فيه امتياز لقومية على قومية أو هوية على أخرى أو ثقافة على ثقافة هو الخيار الذي عملت عليه الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ البدء.
بات واضحاً أن إستراتيجية التعايش هذه التي اعتمدناها قد قضت مضاجع تركيا، ومن أجل ضرب هذا التعايش عملت كل ما بوسعها لضرب الكرد بيد مرتزقة من العرب في عفرين وتعمل اليوم على تطوير نزاع عربي -كردي وعربي – عربي، كما عملت سابقاً على ذلك عن طريق جيشها الإنكشاري والطابور الخامس. لا يقتصر هدف أردوغان على احتلال أجزاء من سوريا فقط، بل تحقيق ما فشلت داعش وجبهة النصرة في تحقيقه، ألا وهو دق الإسفين بين شعوب المنطقة.
إنها لعبة خطيرة، وجهل الفصائل المرتزقة (العربية)، والتي لا تمثل الشعب العربي ويتم استخدامها لزرع بذور الشقاق بين العرب والكرد، يشكل كارثة ما بعدها كارثة. لذا؛ فإن الوقوف ضد هذه اللعبة الخبيثة واجب على كل سوري أياً كان موقعه أو موضعه؛ ذلك أن ما يتم التخطيط له لن تقتصر تداعياته على شمال وشرق سوريا فقط، بل ستمتد إلى كل المناطق السورية الأخرى وقد يأخذ شكل حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وهذا أسوأ سيناريو يمكن أن يواجه سوريا.
من هذا المنطلق؛ نرى بأن الجهود التي تصب في سبيل إيجاد حل ديمقراطي سوري -سوري يعتبر أمراً حياتيا. ما تم في منبج كانت خطوة صغيرة يمكن البناء عليه وتحويله إلى حل شامل، وهو حماية الحدود السورية من قِبل الدولة، وأن تحمي الإدارات الذاتية وجودها بشكل منسق مع مؤسسات الدولة.
لم ننفِ وجود الدولة وهي في أضعف حالاتها خلال السنين السبع الماضية، وفي الوقت ذاته لم نقبل أيضاً بكسر إرادتنا في إدارة أنفسنا بأنفسنا.
إذا كان تقييم البعض لمواقفنا المسؤولة بالرغبة في التفاوض وإيجاد تسوية قائمة على إستراتيجيتنا تلك، على أنه ضعف ،  فهو يشي بحجم الجهل الذي يفتك ببعض العقول حول حقيقة مواقفنا طوال السنين السبع الفائتة. سيبقى مبدأ “إذا كنّا نملك كل جيوش العالم فلن نهاجم أحدا وإذا هاجمتنا كل جيوش العالم فلن نستسلم”؛ البوصلة التي تحكم اتجاهات خطواتنا وخطنا الأحمر الذي لن نفرط فيه.
لذا؛ فإن ما نعمل عليه هو تجنيب سوريا مؤامرة كبيرة تهدف إلى الإبادة الثقافية وتستهدف مستقبل كل سورية، وعلى ذلك تقع مسؤولية إفشال هذه اللعبة وهذه المؤامرة على كل القوى السياسية السورية، بما فيها الحكومة السورية.